ألوها أوي من الفيفا إلى هاواي - مذكرات كاتبة وطبيبة نفسيّة 5-
لمى محمد
الحوار المتمدن
-
العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 22:14
المحور:
الادب والفن
ألوها أوي: "Aloha ʻOe"
وفي الأغنية ألوها تعني إلى اللقاء!
و ألوها ككلمة في لغة السكان الأصليين ل هاواي تستخدم في الوداع، وتستخدم في التحية لأنها في العمق تعني السلام.. تماماً ككلمة “سلام” عند العرب.
قال المصريون وكثير من العرب ألوها لكأس العالم، وقالوا:
لقد كان الفوز بين أيدينا، كان ملكاً لنا، ثم انتُزع منا في دقائق غضب وتوتر.
أتكلم عن خسارة مصر في لعبتها مع الأرجنتين في السابع من تموز عام 2026، كانت مصر متقدمة بهدفين نظيفين في الشوط الثاني وبدت في طريقها للتأهل إلى ربع النهائي، لكن انقلبت الموازين فجأة، وسجلت الأرجنتين ثلاثة أهداف في الدقائق الأخيرة.
قال لي أحد أصحاب نظريات المؤامرة: - أشك بالقدرة الأسطورية لميسي بعد شربه للماء، فالماء لا يمنح انفجاراً في الطاقة، بل المنشطات تفعل.
بينما أرى الموضوع بشكل مختلف: بعد أن تم إلغاء هدف زيكو بقرار مثير للجدل من تقنية الفيديو المساعد (VAR)، ثم تم تجاهل مطالبة محمد صلاح بركلة جزاء في الدقائق الأخيرة، كان الوعي الجمعي للفريق و لكثير من سكان المنطقة مرتكزاً حول الظلم الذي يتعرض له العرب وسكان منطقتهم من المحيط إلى الخليج في زمن يستخدمون فيه كشماعة لتعليق مشاكل اقتصاد العالم وحرياته المختنقة.
لست من مشجعي ولا متابعي كرة القدم المحترفين، لكنني أقرأ الشعوب وأقرأنا من خلال ما نحبه وكيف نتصرف في الأزمات.
ليس كالصحة النفسيّة ضامنٌ للفوز، والفوز لا يعني فقط أن تحسم أي نتيجة في هذا العالم لصالحك.
الصحة الجسدية مطلوبة حتماً، لكن التصالح مع اللاوعي، المرونة النفسيّة، المقدرة على التجاهل، الحكمة في التعامل مع الظلم، كل هذا نحتاجه لزماً لبناء فرق رياضية قوية، كما شعوب لا تقهر.
لقد فهمت كثير من الدول في العالم هذا، لذلك تجد لدى كل اللاعبين المميزين في العالم مدرب حياة، أو معالج نفسي وفي أحيان كثيرة طبيب نفسي، بينما يفرغ كثير من لاعبينا الكبت والرضوض النفسية في الرياضة، فإن تعقدت الأمور انهاروا بطريقة مؤلمة لا يدرك أبعادها إلا الطبيب النفسي.
يعمل اللاوعي الجمعي للفريق ضده أكثر من أي فريق خصم.
واللاوعي الجمعي عند سكان المنطقة من المحيط إلى الخليج يعمل معتمداً على مبدأ الكبت، الكبت ثم الانفجار.. بينما يتعود كثيرون حول العالم على المجابهة حتى آخر لحظة، وأن النصر يكمن في الأداء لا في النتائج.
هل تتخيلون لو كان لدى لاعبينا معالجون نفسيون، أو حتى مدرب حياة life coach ، كان النصر سيكون على الغالب حليفهم، النصر الحقيقي الذي يكمن في قمة الأداء حتى الدقيقة الأخيرة!
اللاوعي قادر وخطير، وإذا ما انتصر على وعي جمعي خائف ومتهم أبداً، عندها لا يمكن إيقافه.. هذا ما يجب علينا جميعاً فرداً فرداً العمل عليه.
*********
ألوها أوي: "Aloha ʻOe"
والوها أيضاً تعني المرحبات!
يتساءل الجميع اليوم: كيف يمكن للمرء أن يخسر شيئاً كان يمسكه بيده؟ في كرة القدم ينسى الناس ما حدث بمباراة أخرى، لكن هناك شعوباً تطرح هذا السؤال منذ مائة وثلاثين عاماً..
مثلاً في حكاية هاواي وكيف استولت أمريكا عليها في عام 1893 كثير من المرحبات!
زرتُ هاواي في الأسبوع الماضي، وكنت لأصنفها -قادمةً من ربة الجمال سان دييغو- بأبسط إجازة أخذتها في حياتي، لولا زيارتي لميناء بيرل هاربر ولمتحف بيشوب، حيث عرفت عمق مأساتها، وحجم الخديعة التي أحرقت ملكتها الجميلة القوية ليليوكالاني.
كانت ليليوكالاني الملكة الهاوايية التي تنازلت عن عرشها لتحقن دماء شعبها، ماذا تفعل عندها وقد حضرت الولايات المتحدة بأسلحتها وجنودها لتحقق (الديمقراطية) وتنشر (الحرية) في بلاد هاواي الجميلة الوادعة والتي كانت فيها نسبة الأمية أقل مما هي عليه -آنذاك- في أمريكا!
أنا لا أمزح، هذا ما قاله الأمريكيون عندها “ أتينا بالحضارة، الديمقراطية والحرية!”
ويحكي التاريخ في متحف بيشوب: أن القبطان الانكليزي كوك وصل إلى هاواي عام 1778، ثم لحقه المبشرون المسيحيون من أمريكا -بعد أكثر من أربعين عام-.
ثم أصبح أبناؤهم وأحفادهم -كما حال كل من يتخذ الدين وسيلة - من كبار مزارعي السكر -عصب اقتصاد هاواي آنذاك- ورجال الأعمال الذين قادوا عملية الإطاحة بالحكم لاحقاً.
دخل الاقتصاد أولاً، بمعاهدة المعاملة بالمثل: ونصت على دخول سكر هاواي إلى الولايات المتحدة معفى من الرسوم الجمركية، مما ربط اقتصاد المملكة الهاوايية بالاقتصاد الأمريكي.
بعد أن تعود الناس في هاواي على (بحبوحة) الارتباط بالاقتصاد الأمريكي، لم يقبل الأمريكيون بتجديد معاهدة المعاملة بالمثل حتى منح الولايات المتحدة حقوقاً حصرية لاستخدام "بيرل هاربور" كقاعدة بحرية -عام 1887
وتلا ذلك الإطاحة بالملكة ليليوكالاني بمشاركة مشاة البحرية (المارينز) من السفينة الحربية الأمريكية يو إس إس بوسطن عام 1893.
ظلت الملكة الكاتبة حبيسة قصرها تلجأ للكتابة والتأمل، واثقةً بأن العدالة ستأتي من واشنطن، لكن الحكم لم يطلق صافرته أبداً لصالحها حتى بعد أن أجرى الرئيس كليفلاند -رئيس أمريكا آنذاك- تحقيقاً وأقر بأنها تعرضت للظلم، اكتفت الحكومة المؤقتة بـ "استهلاك الوقت" والمماطلة، تماماً كما يفعل فريق يهدر الوقت في الدقائق الأخيرة من المباراة.
بعد قرن من الزمان، جاء الاعتذار الرسمي، بقرار مشترك من الكونغرس الأمريكي، وقّعه الرئيس بيل كلينتون في 23 نوفمبر 1993، في الذكرى المئوية للانقلاب.
اعتذار رسمي يعترف بما يلي:
1- بأن الإطاحة بمملكة هاواي في 17 يناير 1893 كانت غير قانونية، وأنها تمّت بمشاركة عملاء ومواطنين أمريكيين وبدعم من القوات العسكرية الأمريكية.
2- بأن الشعب الهاوايي الأصلي لم يتنازل يومًا — لا هو ولا ملكته — عن مطالبه بسيادته الوطنية أو عن أراضيه الوطنية، لا للولايات المتحدة ولا لأي جهة.
و 3-يعتذر رسميًا للشعب الهاوايي الأصلي باسم شعب الولايات المتحدة عن الإطاحة وعن حرمانه من حقه في تقرير المصير، وأخيراً
4- يعبّر عن الالتزام بـ"المصالحة" مع الشعب الهاوايي.
لاحظوا يا رفاق : القرار لا يعيد شيئًا. لا أرضًا، ولا سيادة، ولا حتى تعويضًا، بل إن نصّه يتضمن بندًا صريحًا -أضيف بإصرار من معارضين في مجلس الشيوخ- ينصّ على أن الاعتذار لا يشكّل أساسًا قانونيًا لأي مطالبة ضد الولايات المتحدة.
وقد استخدمت المحكمة العليا الأمريكية هذا البند لاحقًا — في قضية عام 2009 — لتقرر أن القرار "رمزي" ولا يرتّب أي أثر قانوني.
أي أن الوثيقة نفسها التي تقرّ بالجريمة، صيغت بحيث تمنع الضحية من استعمال الإقرار!
وهو ما يعادل أن يرسل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) خطاباً إلى مصر في العام المقبل يقر فيه بأن الهدف الثالث لم يكن صحيحاً، بينما تحتفظ الأرجنتين بالكأس.
اعكسوا ما يحدث على شرق المتوسط الحزين، لتفهموا أن من لا يقرأ التاريخ يعيده، ومن لا يعرف أهمية الطب النفسي لا يعرف المعنى الحقيقي للانتصار في هذه الحياة.
*********
ألوها أوي: "Aloha ʻOe"
الأغنية الخالدة التي يعرفها الناس هنا كأغنية وداع عذبة “ الوداع لكم.
كتبتها الملكة ليليوكالاني، قبل الانقلاب عن وداع حبيبين، فقرأها الناس بعد تنازلها عن العرش كوداع منها ل هاواي!
حاولت هي تصحيح نظريتهم، لكن كما كل التاريخ، لم يصدقوا حتى صاحبة القصة، وبقيت حكايا “المنتصرين”...
سيتطور هذا العالم عندما نعلم أن الانتصار ليس بالنتائج النهائية، بل بقدرتنا على الكفاح، الاستمرار، والاجتهاد، بقدرتنا على الحفاظ على طيبتنا ونزاهتنا في عالم الاستهلاك والمال!
النجاح ليس إكليل غار لحظي، بل حياة عشتها وأنَ تسقط وتنهض، تسقط وتنهض، تسقط وتنهض، فتكون القدوة للملايين لا رصاصة فارغة في قاموس انتصار لا يقبله الأذكياء ولا النبلاء.
قولوا لأي فريق كرة قدم، لأي عالم، طبيب، معلم، مهندس، حالم، كاتب:
- ليس المهم ما يكتبه المنتصرون، المهم أن تنظر للخلف يوماً ما وتقول: “لقد سمعت الأغاني، وعرفت الحقائق الكاملة وراءها، لقد نهضت ونهضت بعد كل خيباتي وما أكثرها!”
ألوها أوي يا رفاق…
يتبع…