روبينس بيليدور: “بخصوص إشكالية الوجود: جوهر الحقيقة والحرية الإنسانية عند هايدغر”
أحمد رباص
الحوار المتمدن
-
العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 22:21
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
في نهاية الجزء السابق، وعدنا روبنس بيليدور بتوضيح ماهية الحرية الإنسانية التي هي موضوع هذه الدراسة. حان الوقت لكي نقوم بدراسة ماهية الحرية فعلياً. هكذا اصبح السؤال عن أساس جوهر الإنسان أمرا لا مفر منه. إنما نحو جذر وتجذر وجودنا الإنساني كما هو يقودنا السؤال الموجه بمضمونه الأساسي الخاص. نتساءل من خلال السؤال الأساسي عن فهم وجود الوجود، وهذا التساؤل عن السؤال الأساسي له في ذاته في نفس الوقت توجه متسائل نحو أساس إمكان الوجود الإنساني. يتساءل عن الإنسان في عمق جوهره، بمعنى أنه ينطوي في ذاته على إمكان دراسة لا تتناوله من الخارج، بل تصعد من عمق جوهره. أثبتنا أن عرض أفق مشكلة الحرية لم يكتمل إلا من خلال الخيط الهادي لتأويل الحرية الذي أظهره كانط. لكن من يقول لنا إن هذا التأويل، مهما كان أساسيا، هو التأويل الفلسفي المركزي؟ عند كانط، كما يؤكد شيلينغ، ما تزال الحرية هي ما يجب أن يهيمن
على الحساسية، لكنها ليست كذلك فحسب، لأنها في هذا هي بالفعل استقلال ذاتي، صيانة نفسها على أساسها الخاص، وتحديد ذاتي باعتبارها تشريعا ذاتيا. إلا انه مع المفهوم الكانطي عن الحرية، فإن تحديد الجوهر الصوري لحرية الإنسان لم يكتمل بعد. ذلك أن كانط وضع هذه الحرية، بمعنى الاستقلال الذاتي، حصرا في العقل الخالص للإنسان.
لا يبقى العقل الخالص مختلفا عن الحساسية فحسب، بل يظل هو ما يختلف أيضا عنها جوهريا، ما يختلف عن "الطبيعة" كما هي مختلفة عنه تماما. أكثر من ذلك، من يقول لنا إن الحرية يجب أن تُفهم في المقام الأول في ارتباط بالسببية؟ لكل ذلك، اقتصرنا حتى الآن على تحصيل معرفة، وهو ما مكننا من أن نعلم في أي اتجاه ينبغي، على أي حال، أن يتحرك السؤال حول الحرية. ومع ذلك، ما قيل لنا أبدا ضمن ما قيل إن ذلك هو العرض الوحيد والضروري للمشكلة. أدرك كانط حقيقة الجوهر العام للحرية باعتبارها استقلالا ذاتيا وتحديدا ذاتيا وفق قانون أساسي وصحيح، لكنه لم يتصور بعد الفعل الأصلي للحرية الإنسانية في وقائعيتها.
عندما نتساءل حقا عن ماهية الحرية، نجد أنفسنا أمام السؤال عن ماهية الموجود كما هو. السؤال عن ماهية الحرية الإنسانية يتم إدراجه على هذا النحو وبالضرورة في السؤال الذي يطلب تحديد ما يكونه الموجود كما هو على الوجه الصحيح. لهذا ينبغي الآن، في المنظور الهايدغري لمفهوم الحرية، أن نطرح صراحة السؤال عن الحرية الإنسانية. نحن نعرف السؤال بالصيغة الشائعة لـ "مشكلة حرية الإرادة" - مشكلة الإرادة الحرة. هنا نخوض النقاش في ما إذا كانت حرية الإنسان حرة أم غير حرة، وكيف يمكن الاستدلال على ذلك بطريقة مقنعة كفاية. تعتبر الحرية بالتالي خاصية للإنسان؛ لما يكون ومن يكون الإنسان، ما نعتقد في هذه الحالة أننا نعرفه بالفعل - الشك الوحيد الذي ينتابنا بشأن هذه الخاصية التي هي الحرية: معرفة ما إذا كانت تنتمي إليه كما تنتمي أيضا إلى ملكته الإرادية، أو ما إذا كان يجب إتكارها. الحرية عند هايدغر لا تُعطى كخاصية للإنسان، إنما بالعكس الإنسان هو بالأحرى ملك خاص للحرية. الحرية هي الماهية التي تحتوي الوجود الإنساني وتنقله من طرف إلى آخر؛ هي ما يجب أن يُعاد توجيه الإنسان إليه ليصبح إنسانا حقا. ذلك ما يعني أن جوهر الإنسان يقوم على الحرية.
لكن الحرية نفسها هي تحديد الوجود بصفة عامة بما فيه من خاص، تحديد يتجاوز كل وجود إنساني. بقدر ما يكون الإنسان كذلك، يجب عليه بالضرورة أن يشارك في هذا التحديد للوجود، ويوجد الإنسان، عند الحد الذي يتمكن فيه الإنسان من المشاركة في الحرية. لنتساءل: كيف تكون الحرية تحديدا للوجود؟ بخصوص الحقيقة، عند هايدغر، هناك سبب للتمييز بين الخاصية اللامتححبة للوجود (الحقيقة الانطولوجية) وقابلية الموجود للانكشاف (الحقيقة الأنطيقية). الحقيقة الانطولوجية والحقيقة الأنطيقية متضامنتان في الجوهر على أساس علاقتهما مع الاختلاف بين الوجود والموجود، الاختلاف الأنطوولوجي.
لنحاول فهم أن الاختلاف الأنطولوجي يتم من خلال الوجود-هنا، الذي يتبتى حيال الموجود موقفا يتضمن فهم الوجود، وهكذا يميز بين الوجود والموجود. هذا التمييز، الصعود من الوجود إلى الموجود، يسميه هايدغر "تعالي-الوجود-هنا".هكذا، يؤدي السؤال عن الأساس إلى السؤال عن الحقيقة، والسؤال عن الحقيقة إلى السؤال عن الاختلاف الانطولوجي، والسؤال عن الاختلاف الأنطولوجي إلى السؤال عن تعالي-الوجود-هنا. بالنسبة إلى هايدغر، فإن تعالي-الوجود-هنا هو التجاوز، الذي حدث دائما بطريقة ما، لما وراء كل موجود وأي موجود، تجاوز من خلاله فقط يمكن للوجود-هنا أن يعود بطريقة أصيلة إلى الأشياء، إلى الوجود-مع وإلى ذاته. التجاوز لما وراء الوجود "مكون" للعالم، التعالي كوجود-في-العالم، يوفر فقط ولوج الموجود إلى العالم بحيث يتمكن الموجود من أن ينكشف كما هو. من هنا، يكون التعالي هو الحدث الأصلي، التاريخ الأصلي. يجب أن يكون، بالنسبة إلى هايدغر، متصورا على أنه حرية، لأن الحرية تضع أمام نفسها نصب عينها وتقوم بالتالي بالسيطرة على العالم. إذن، لا وجود سوى في الوجود-الأأساس للتعالي (المُتصور على أنه حرية).
يتناول البحث حرية الإنسان، لكن هذا في حد ذاته يشير بالفعل إلى أنه يتناول نوعا معين من الحرية بمقتضى ماهية الوجود بشكل عام في ما له من خاص.
تبحث هذه الدراسة في جوهر الإنسان، أي أنها تتساءل في ما وراء الإنسان، في اتجاه ما هو أكثر أهمية وقوة منه: في اتجاه الحرية. ونتيجة لذلك، يبدأ توجهنا بأكمله في الطفو. بكل تأكيد يجب علينا إخضاع كل ما سبق للتحديد. ونحن نمسك دائما بالخيط الهادئ في الفكر الهايدغري، يمكننا أن نؤكد أنه: إذا كانت مشكلة الحرية مرتبطة - كما هو الحال عند كانط - بالسببية، فإن هذا الارتباط يقودنا إلى المنظور الواسع الذي فتحناه - ولا يكون ذلك إلا بهذا الشرط. لنفترض على العكس من ذلك أن الحرية تسمح لنفسها منذ البداية بأن يتم تحديدها بطريقة أخرى، عندها يصبح المنظور أيضا آخر. الأكثر من ذلك: لا ينبغي علينا فقط أن نعترف بإحتمال تمكن العديد من المنطورات المختلفة من أن تكون منفتحة على موضوع الحرية، ولكن أيضا وقبل كل شيء يتعين أن نكون متأكدين من المكان الذي نحدد فيه الحرية قبل أي انفتاح لمنظور أكثر سعة، المكان الذي تقيم فيه، إذا جاز التعبير. إلا أن هذا المكان ظل غير محدد حتى الآن، ما دمنا، بعد استيلائنا على تعريفات مختلفة للحرية، لم نحدد صراحة أي مجال تنتمي إليه الحرية، ولا كيف تم توطينها في هذا المجال. هكذا، إذا كان لا بد لبحثنا عن ماهية الحرية الإنسانية من أن يجترح مسارا أكثر أمانا، فيجب علينا أولاً أن نتأكد من المجال الذي نكون ملزمين بالنظر إليه ونحن نسائل الحرية ذاتها ونعمل على إلقاء الضوء على ماهيتها. المطلوب منذ البداية هو إدراك ماهية الحرية الإنسانبة، إذن حرية الإنسان والإنسان نفسه، بطريقة يكون فيها للوهلة الأولى - مهما بقي محجوبا تماما عن محتواه المرئي - الجوهري مرئيا؛ ليس باعتباره إضافة تمنح لإرادة الإنسان، ولكن باعتباره جوهر الوجود في حد ذاته، باعتباره كشفا أساسيا للأساس بالنسبة للموجود في الكلية.
لهذا السبب استطاع هايدغر أن يكتب أن "الإنسان لا يمتلك الحرية كخاصية، بل بالعكس: الحرية، الدازاين المنفتح واللامتحجب، تمتلك الإنسان، وذلك بطريقة أصيلة بحيث تسمح وحدها الإنسانية بإقامة علاقة مع الموجود في كليته، وكما هو، عليها يتأسس ويرتسم كل تاريخ. إن عرض الموجود لا يكتمل إلا إذا استرشد بالفهم المسبق للوجود. الموجود لا يمكن أن يكون سببا أو دافعا حيال موجود آخر منكشف قبلا إلا إذا كان "مدفوعًا" مسبقا إلى الوجود. سبق أن قلنا إن الأساس يجب أن يرتفع فوق كل حقيقة أنطيقية بغية الوصول إلى الحقيقة الأنطولوجية لكل موجود (راجع ص: 74 في النص الأصلي). الحرية ليست شيئا محددا من بين أشياء أخرى، ومتجاورا مع الأشياء الأخرى، هي مأمورة مسبقا بأن..، وتحكم بالضبط من جانب إلى ٱخر
الكل بوصفه كلا. من ناحية أخرى، إذا كنا نبحث عن الحرية كأساس لإمكان الدازاين، فإذن هي ذاتها في جوهرها أكثر أصالة من الإنسان.
وما الإنسان إلا مدبر للحرية، إلا موجود ذو حرية في ترك الحرية لتكون حرية وفق الجهة التي استحقها، بحيث يصبح، عبر الإنسان، مرئيا كل استحقاق للحرية. حرية الإنسان، من الآن فصاعدا، لا تعني: الحرية كخاصية للإنسان، ولكن بالعكس: الإنسان كإمكان للحرية. إن الحرية الإنسانية، في اللغة الهايدغرية، هي الحرية بقدر ما تخترق الإنسان وتأخذه على عاتقها، تجعله هكذا ممكنا. إذا كانت الحرية هي أساس إمكان الدازاين، جذر الوجود والزمان، وبالتالي أساس تمكين وفهم الوجود بكل سعته وامتلائه، عندها يكون الإنسان، وهو يتأسس بوجوده على وفي هذه الحرية، هو الموقع الذي فيه والمناسبة (Gelegenheit) التي بها يصبح الموجود ظاهرا في كليته، إنه الموجود الذي من خلاله يتكلم الموجود في كليته وكما هو، هكذا يعبر هنا عن نفسه.
هنا تأخذ المكانة الأساسية لكتاب "الوجود والزمان" دلالتها الكاملة. في بداية البعد الثاني، عندما تناولنا السؤال المطروح في موضوعنا كشيء في متناول اليد (Vorhandenheit)، اعتبرنا الإنسان موجودا ضمن موجودات أخرى، صغيرا، هشا، عاجزا، عابرا، مثل ركن صغير في الموجود كله (راجع ص: 50 في النص الاصلي). الآن وقد نظرنا إليه انطلاقا من أساس ماهيته، من الحرية، تظهر لنا هذه الأعجوبة: يوجدالإنسان كالموجود الذي يكون فيه وجود الموجود، أي الموجود في كليته، ظاهرا. إنه الموجود في الوجود والأساس الجوهري الخاص الذي عنه يترتب فهم الوجود. هكذا إذن، تكون الحرية الإنسانية في جوهرها هذه الحرية التي تتيح للإنسان أن يكون من يكون؛ الحرية كأساس.
وصلنا الآن إلى نهاية هذا الفصل الثاني، ولم يبق إلا أن ننتقل إلى الخاتمة، ونسمح لأنفسنا بأن نقول ما يلي: مفهوم الحرية ليس فقط
مفهوما من بين مفاهيم أخرى، لكنه مركز كلية الوجود؛ فتحديد هذا المفهوم، كما يقول شيلينغ، يعد بشكل صريح وصحيح جزء من
تحديد الكل ذاته. مفهوم الحرية ذو واقعية، لأن الوجود-الحر, باعتباره جهة للوجود، يشكل ماهية وأساسا لجوهر وأساس الوجود في انتشاره الذي سوف نقف عليه من خلال شرح العلاقة بين الحقيقة والحرية وتناسق الفكر الهايدغري في الفصل التالي.
قدم بيليدور في الفصلين السابقين مختلف تعريفات مفهومي الحقيقة والحرية كما حددهما هايدغر في أعماله الرئيسية. في هذا الفصل الثالث، سيحاول (1) إضاءة الرابط أو العلاقة اللذين يوحي بهما المفهومان. سوف يتساءل عن طبيعة العلاقة، بمعنى أننا سوف نتساءل معه عما إذا كان لهذين المفهومين نفس الطبيعة أم لهما طبيعة مختلفة. (2) سيحاول بإيجاز إلقاء الضوء على تناسق أو تماسك الفكر الهايدغري. وقبل أن يباشر مقاربته، رأى الباحث أنه من الضروري، من وجهة نظره، أن يقول شيئا عن الوجود عند هايدغر، وهذا واحد من المفاهيم الأساسية التي سنحتاج إليها لتأسيس العلاقة المرغوب فيها، وعندما نفهم معنى هذا المصطلح سنتمكن، بمزيد من الأمان، من إقامة الرابط الموجود بين الوجود والحقيقة، بين الحقيقة والحرية. فماذا يعني "الوجود" عند هايدجر؟
في سائر كتاباته ومنذ البداية، في مؤلفه الأم، لم يتوقف هايدجر أبدا عن التأكيد على أن المشكلة الوحيدة التي كانت تشغله هي مشكلة الوجود. لقد كان الأمر يتعلق بالنسبة إليه بتذليل صعوبة تفسير معنى الوجود أو حقيقة الوجود. يقول هايدغر: "المعنى هو ما تنعقد به قابلية فهم شيء". معنى الوجود إذن هو ما تكمن فيه معقولية الوجود. عندما قال لنا هايدغر، في نهاية كتيبه: "في ماهية الحقيقة"، إنه يتوجب تعلم التفكير وفقا للأساس الذي هو الدازاين، فقد جعل تفكيره، بحسب برتراند ريو، ينخرط في المكان الأكثر اختفاء في الحقيقة، حقيقة الوجود نفسه.
بدأ هايدغر أولا من اللغة اليونانية لفهم "الوجود". والحال أن الوجود عند الإغريق ينفتح مثل Phúsis. تفهم هذه الكلمة بمعنى مزدوج: إنها تعني أولاً سيادة هذا الذي يستمر في الازدهار وهي في نفس الوقت وفي حد ذاتها التجلي المتجلي. هايدغر، المولع جدا بالإيتيمولوجيات (اشتقاقات الكلمات)، يدرس كلمة Phùsis من حيث جذورها نفسها. وفقا له، فإن الجذرين Phu و Pha يعنيان نفس الشيء. Phúsis تأتي من phúein، التي تعني الازدهار المرتكز على ذاته، phúein هي أيضا phaïnesthaï وتعني البدء في الإشعاع، الانكشاف، الظهور. لذلك، إذا فهمنا بشكل صحيح، يمكننا أن نؤكد متيقنين أن الوجود، بالنسبة إلى هايدغر، هو تبيان، ازدهار الواقعي، الذي هو ذاته ينكشف وينعقد في اللاكمون. لكنه ينتمي إلى حقيقة الوجود بحيث أن الوجود لم ينتشر ابدا بغير الموجود، أن موجودا لا يكون أبدا بغير الوجود. من خلال دراسة كلمة phúein المذكورة أعلاه، يلمح هايدغر إلى بندار، آخذا جذر phúa من كلمة phúein التي تشكل بالنسبة إلى بندار السمة الأساسية للوجود-هنا. Phua تعني الشخص الذي يوجد قبلا على نحو أصلي وحقيقي: الذي-كان-موجودا-قبلا. "الوجود هو التحديد الجوهري للنبيل والنبالة (أي كل ما له في جوهره أصل عال ويستقر فيه). ومن خلال الإشارة إلى ذلك، (إلى الوجود الأصلي)، يشدد هايدغر، كتب بندار: "هل تستطيع، وأنت تتعلم، أن تنتج نفسك، كمن أنت تكونه".
لكن هذا الانعقاد-في-الذات لا يعني شيئا ٱخر سوى الانعقاد-هنا، الانعقاد في النور على الدوام. "الوجود" يعني "الظهور". الظهور هنا ليس شيئا عرضيا يصادف أحيانا الوجود. الوجود مثل الظهور. الوجود هو Phúsis. ينكشف مثل ألق خالص. ويعني قبلا ما يلي: الوجود الذي ينكشف مثل Phúsis، مثل ألق خالص، يتيح الخروج من الكمون. بحكم أن الموجود، كما هو، يوجد، يقيم وبنعقد في اللاكمون، a-lèthèia. هكذا، بالنسبة إلى اليونانيين، لا تكون ماهية الأليثيا (التي نترجمها ألى حقيقة) ممكنة إلا بالاتفاق مع ما هي بالنسبة إليهم ماهية الوجود باعتباره Phúsis. إنما تأسيسا على الاتصال الماهوي، الفريد من نوعه، يؤكد هايدغر، بين Phúsis وalèthèia، استطاع اليونانيون أن يقولوا: الموجود، باعتباره موجودا، حقيقي. الحقيقي، باعتباره كذلك، موجود. وهذا يعني: أن ما يظهر غالبا يتخذ موقفا في الانكشاف. الحقيقة تنتمي إلى نفس جوهر الوجود. إذن، الphúsis، الوجود، ليس، في الأصل، هو ما جاء، لأنه مزدهر، ليظهر ويبقى في الحضور، لكنه الانبثاق لكل موجود كما هو، مجيئه إلى الظهور، ولوجه إلى الحضور. إنه لا يسمي أي موجود، بل الوجود كتفقيس دائم.
وباتباع الخيط الفكري الهايدغري، يمكن أيضا تسمية التفقيس كشفا. الphúsis أو الكينونة، المفكر فيها ككشف، تفترض بالضرورة التحجب؛ لا يمكن ان يكون تفقيسا، مجيئا إلى الظهور أو إلى اللاتحجب إذا تنبثق باستمرار من التحجب، من هنا: علاقة لاتحجب-تحجب؛ وهو يتبثق منه يميل دائما إلى أن ينحني أمامه، كما لو ينحني أمام ما يضمن وحده انبثاقه. Phúsis هو حقا وجود الموجود، الموجود الذي ينتشر كلاتححب، والذي يتيح لنا بالتالي ذاته. ما يسعى هايدغر إلى إفهامنا إياه هو أن الازدهار، النشوء لم يوجد ولن يدوم إلا لأنه يتشكل من الداخل ببعد ضروري وحاسم من الاحتجاب: "في التفقيس انطلاقا من الذات، في الphusis,، في الوجود يسود طرح، وهذا بطريقة واضحة لدرجة أنه بدون هذا، لا يمكن لذاك أن يسود. ذلك لأن "الوجود" يعني "الظهور أثناء الازدهار، الخروج من الكمون" الذي إليه ينتمي الكمون ومصدره. هذا المصدر يشكل جوهر الوجود، جوهر الظاهر كما هو. إذا أخذنا في الاعتبار ما قيل للتو، فيمكننا أن نقول: الوجود، باعتباره phúsis، هو سيادة ما يزدهر. يتجلى كما لو كان الثبات، الحضور المستمر. إذا استخدمنا مرة أخرى عبارة "الوجود باعتباره phusis سيادة ما يزدهر"، فذلك من أجل التلميح إلى كلمة لم يغفلها هايدجر؛ ألا وهي لوغوس logós. ماذا تعني لوغوس في اللغة الهايدجرية؟ لهذه الكلمة ثلاثة حقول دلالية مهمة: (1) يتميز بالثبات، بالدوام. (2) إنه مثل المجموع في الموجود، مجموع "موجود"، الجامع (3) كل ما ينشأ، أي يأتي إلى الوجود، ينعقد هنا في تطابق مع هذا المجموع الثابت؛ وهذا الأخير هو المسييطر.
تتناسب كلمة "logós" اليونانية مع كلمة "sammlung" الألمانية التي تعني: (أ) الجمع؛ و(ب) تذكر. هكذا إذن، تعني لوغوس هنا التذكر الذي يجمع، الجامع الأصلي. اللوغوس عند هايدجر لا يعني لا معنى، ولا كلمة، ولا عقيدة (ولا حتى "معنى:عقيدة")، بل يعني بالأحرى: التذكر المهيمن باستمرار في ذاته والجامع في الأصل. اللوغوس هو التجميع الثابت، التذكر-المنعقد-في-ذاته للموجود، أي الوجود. phúsis وlogós هنا إذن شيء واحد ونفس الشيء؛ هكذا إذن يكون وجود كل موجود الأكثر ظهورا،ىالأكثر ثباتا في ذاته.
الوجود، كما يقول هايدجر، ليس قابلاً للإدراك ولا ملموسا، باعتباره لوغوس، وتجميع أصلي. أكثر من ذلك، لأن الوجود بالضبط لوغوس، تناغم، حقيقة، فوسيس، phaenesthaï . فهو لا ينكشف إراديا. بالفعل، رغم أن الوجود يشكل وحدة لا تنفصم بين الظهور والتحجب، بين التحجب واللاتحجب، فهو لا يستنير إلا باعتباره ظهورا، وهكذا تختفي السمة الأكثر حسما في جوهره، المصدر الخفي الذي منه يأتي كل لاتحجب. لهذا سيتحدث هايدجر في نصوص لاحقة عن "انسحاب الوجود".
هكذا إذن، يصبح عند هايدغر تاريخ الفكر الغربي بأكمله تأكيدا على "أن الوجود يقدر لنا، لكن بطريقة تجعله ينسحب في نفس الوقت إلى جوهره". هذا اللغز للكينونة الذي قاربه هيراقليطس وساءله هايدغر، هو أن الانعطاء لا يكون إلا بالانسحاب. الوجود في اختباره الأصلي هو Phúsis - لاتحجب منبثق عن التحجب، تدبير مصدره الانسحاب، الذي سنحاول القيام بتطويره من خلال تقديم العلاقة بين الوجود والحقيقة في ما يلي.
وبما أن الحقيقة الإسنادية قد تم تجاهلها، وتحديها من قبل هايدغر، فإن العلاقة سوف تأخذ في الحسبان فقط الحقيقة الأنطيقية والحقيقة الأنطولوجية. يتحدث هايدغر بلا كلل في عدة نصوص عن "انسحاب الوجود"، عن "لغز الوجود"، لكن هل يمكن فهم هذا اللغز للوجود؟ لقد رأينا للتو أن الوجود لا هو قابل للإدراك ولا هو ملموس ما دام أنه يظهر ماهيته وهو لا ينعطي إلا من خلال الانسحاب. من خلال انعطائه، كما نعلم، يستقر في الحضور. في الحضور ينكشف كما هو، ويستقر في الحقيقة. عندما انسحب، إلى أين لجأ؟ لقد لجأ إلى العدم. هذا هو المكان بالذات الذي يفسر عدم قابلية لغز الوجود للإدراك. وهذان التعبيران: (أ) الاستقرار في الحضور، و(ب) اللجوء إلى العدم سوف بسترعيان انتباهنا قليلاً.
لكن، قبل ذلك، نرى أنه من المفيد إيراد هامشين كتبهما بيليدور لتوضيح أمرين: اللغز والماهية. وهكذا يحدد الكاتب أن اللغز لا يكتسب هنا الدلالة الدينية التي تعطى له في أغلب الأحيان؛ لكنه يعبر عن تجربة الأليثيا باعتبارها لاتحجبا ولا إخفاء للوجود في ماهيته التي نفكر فيها هنا. أما المشكلة المتعلقة بالماهية، عند هايدجر، فلها دائما وجهان. في نفس الوقت الذي تذكر ما يتعلق بالماهية، فإنها تتضمن أيضا تعيين حدود ذلك الذي لا يندرج تحتها. تحديد الماهية ليس واضحا بذاته أبدا. بالنسبة إلى هايدغر، فالجوهر ليس طبيعة موجودة دائما في أفق معرفتنا. بل على العكس من ذلك، فهي مخفية في الأصل ولا يتم اكتشافها إلا من خلال جهد الفكر الذي اختار أن يذهب إلى ما هو أبعد من اليقينيات المباشرة للحس المشترك والممارسة العملية.
لنبدأ بالتساؤل باختصار شديد عن الكلمة الأكثر هشاشة؛ ألا وهي العدم، ما دام للحضور خاصية مسالمة. قلنا أعلاه أن الوجود قام بالانسحاب، انسحب إلى العدم. هذه الكلمة، كونها الأكثر هشاشة، سنستمر في استخدام هشاشتها للتأكيد على أن كل موجود بما هو موجود يأتي من العدم. ماذا يعني هذا التأكيد؟ قبل الإجابة على هذا السؤال، نلتزم بأن نعلن أننا لن نقدم خطاباً مفصلاً، مسهبا أو مطورا حول ذلك العدم كما فعل هايدغر، ولكن بما أن هذه الدراسة تتناول ماهية الحقيقة وأظهرنا، تماشيا مع هايدغر، أن الحقيقة في جوهرها تحمل معها اللاحقيقة، نرى أنه من الضروري أيضا، في تقديم الوجود في جوهره، أن نقول كلمة قصيرة عن الجانب الآخر من الوجود، خاصة وأن هايدجر يتحدث عن انسحاب الوجود.
عندما نقول أن كل موجود بما هو موجود يأتي من العدم، فإننا نعني بذلك أنه لا ينبغي البحث عن أساس الموجود انطلاقا من الموجود المعطى كما هو معطى في الموجود ككل المتضمن في الموجودية بشكل عام أو في كل الموجود. تشخص هذه النقطة قفزة من معنى الموجود في مجموعه الذي اعتبرته الميتافيزيقا التقليدية كلية "العالم" نحو تصور جديد للموجود في مجمله الذي يتعين البحث عنه في ما بكون الآخر لكل موجود. وهذا الآخر هو الذي نسميه العدم، والذي ليس خاصية محدودة لموجود بالنظر إلى آخر، بل هو بلغة هايدغر ما يجعل الكشف يكون كذلك بالنسبة إلى الدازاين.
لنتذكر دائما أن هايدغر يتساءل عن الوجود، الذي نعرف معناه بعد كل ما قلناه عن الphúsis. "الوجود الخالص" الذي بحث عنه هايدجر يكمن في بعد مختلف تماما عن جميع المحددات الوقائعية الممكنة أو حتى تلك الواقعية للموجود. لذلك، وهو يسعى جاهدا إلى إقامة هذا "الوجود الخالص" "لذاته" على نمط "التجريد" الخالص، يصادف الفكر "العدم" باعتباره "التحديد" الوحيد لهذا الوجود. الكينونة، الوجود الخالص، بدون أي تحديد، في فوريته اللامحددة (كما يقول هيغل)، لا يساوي إلا نفسه، دون أن يكون غير متساوٍ مع أي شيء آخر: فهو مجرد من كل اختلاف سواء تعلق بداخله أو تعلق بالخارج. بالمثل، العدم، العدم الخالص هو المساواة البسيطة مع الذات، الفراغ التام، غياب التحديد والمحتوى؛ اللاتخالف في صلب الذات. قالها هايدغر قبلا: الوجود لا هو قابل للإدراك ولا هو ملموس. الوجود في كل مكان، في كل لحظة، المعتبر والمفهوم في "est"، هذا “الوجود" لم يكن أبدا وفي أي مكان حاضرا كما هو. بمجرد ما ينسحب "الوجود الخالص" إلا وينتقل إلى "العدم"، بشرط أن نفهم بالطبع أن العدم لا يعني هنا حرمانا أو افتقارا إلى الوجود.
وهذا لا يعني، مثلا، أن "الوجود" غير موجود، ولكن يجب أن نفهم أنه عندما يكون، يكون الوجود موجودا دائما و"ماضيا" من قبل. "الوجود" لا يكون الموجود موجودا إلا عندما يمر إلى العدم. بالنتيجة، يجب أن يُدرج العدم دائما في "الوجود" بشكل إيجابي. يدرج الدازاين باعتباره سلبية "الوجود الخالص"، أي باعتباره موجودا محددا. إنه ليس الوجود باختصار، لكن من خلال إظهار جوهره، يقدم نفسه في الدازاين (الوجود-هنا)، مكانه الوضاء ويمحي في ما يضيء. إذا كنا الآن نغامر بتقريب بين الدازاين عند هيجل والدازاين الهايدغري، يمكننا أن نستحضر العبارة التالية: الإنسان (الدازاين) هو راعي أو مضيء الوجود؛ ويجب أن يُفهم هذا بمعنى أن الإنسان، في التأمل، يصبح واعيًا بكونه في الجوهر الكائن الموجود في الظهور الأبدي والبسيط والمجاني للكينونة من خلال أدنى مظهر، حتى مظهر زهرة برية على جنبات طريق قروي: لأن "البسيط يحفظ بلغز ما يبقى". في كلتا الحالتين إنما "تظهر" الكينونة في الوجود-هنا.
في الإنسان يظهر الوجود حضوره، وهذا ما يدعم هذه العبارة: الموجود حقيقي بقدر ما يظهر في الحضور. علاقته بالمنفتح الذي يظهره ترسم حدود إقامته. إنه حدث (Ereignis) لاتحجب الوجود المتحجب في ظهور الموجود الذي يشكل في الأساس حقيقة الوجود. وهذا «الظهور» للموجود من حولنا، بالنسبة للكائن هو نحن، يحتوي ويمنح، لمن يعرف كيف ينظر، كل لغز هبته المجانية البسيطة، و"اتركه-يظهر" الذي يجعل من الإنسان "انفراجة" أو "إضاءة" (Lichtung) للوجود، المكان الوحيد الذي فيه يتكرر "سؤال الوجود".
سوف نستمر في توضيح العلاقة بين الوجود والحقيقة الأنطيقية من خلال تقديم الفهم الأرسطي للحقيقة على أنها انفقاس الوجود-الحق كحضور مستمر. هذه الخطوة إلى الوراء سوف تسمح لنا بفهم أفضل لفكر هايدجر الخاص حول الوجود والحقيقة.
سوف تتأطر هذه العودة بالحقيقة (alèhèia) كانفقاس، وبالوجود-الحق (alèthès on) كموجود على نحو أكثر صحة؛ وكالموجود الأصح باعتباره بسيطا وحاضرا باستمرار.
منذ البداية وخلال بقية العرض، ركز بيليدور على مختلف تعريفات الحقيقة والحرية والوجود. وليس من قبيل الصدفة البحتة أن يتصرف الكاتب بهذه الطريقة. كان الهدف هو جمع المعاني الدقيقة في أساس واحد، تلك التي يمكن أن تكون بمثابة وثائق داعمة في إقامة العلاقة بين هذه المفاهيم الرئيسية وإظهار تماسك الفكر الهايدجري. دعونا نلخص بإيجاز تعريفنا للوجود كPhúsis: أي ذاك التعريف الذي يفيد الازدهار انطلاقا من الذات، الانعقاد في النور باستمرار. فعل الانتشار بالانفتاح، وفي هذا الانتشار، القيام بالظهور، الانعقاد في هذا الظهور، والبقاء فيه.
سبق للكاتب أن قال إن ماهية الوجود تتجلى في إظهار الذات وتقديم الذات. اعتبر أرسطو فعل الانتشار ذاك بالانفتاح كانفقاس. هايدجر يشرح لنا الطريقة التي اول بها أرسطو الحقيقة. خلال المسار، تساءل عما كان يعني الإغريق بشكل عام، ما قبل فلسفيا وفلسفيا بالحقيقة؟ الأليثيا، الوجود-خارج-الانسحاب (Unverborgenheit): الوجود-المنفقس، أي المطروح من الانسحاب. الحقيقة كانفقاس خارج الانسحاب، هي بالتالي، وفقا لأقوال هايدغر، منذ البداية خاصية الموجود ذاته، وليس لمعرفته وإدراكه، ما يدعم الاعتراض على لحقيقة باعتبارها مطابقة.
في ميتافيزيقاه، يطرح أرسطو مشكلة الوجود وهو يتساءل: متى يكون الموجود-الحق كذلك أو ليس كذلك، أي متى يكون الموجود كذلك بحيث يمكن أن يكون حقيقيا؟ كيف يجب أن يكون الوجود-الحق للموجود حتى يكون حقيقيا، منفقسا؟ متى يكون الموجود كذلك بشكل صحيح يجيب هايدغر على كل هذه الأسئلة كالآتي: عندما يستثتى من جميع وجهات النظر كل إمكان للاحقيقة في الموجود، أي عندما ينكشف الموجود كما هو موجود: الحقيقة الأنطيقية.
لقد رأينا كيف أن ماهية الـalèthèia (التي نترجمها بالحقيقة) لا تكون عند الإغريق ممكنة إلا بالاتفاق مع ماهية الوجود كphúsis في عرفهم، وتصبح العلاقة المطلوبة بين الوجود والحقيقة واضحة تماما، لأن الحقيقة تنتمي إلى الوجود. كيف يمكن تبرير هذا الانتماء؟ يتم ذلك عندما يشكل الوجود-الحق أصح ما في الوجود باعتباره كذلك. ولكن ما هو الوجود بحسب أرسطو؟ إنه حضور ثابت. وطالما أن الحقيقة نفسها لا تعني شيئا آخر غير الحضور بمعناه الصحيح، الأكثر علوا ممكنا، إذن هناك وجود. إن الموجود بالمعنى الصحيح وفقا لأرسطو هو ال"on Energeïa"، أي الموجود وفقا للتحيين. Energeïea هي بالمعنى الصحيح ما ينعقد في الحضور الثابت؛ من هنا مبرر تعبيرنا اللطيف الذي قلنا عنه سابقا إنه استرعى انتباهنا قليلًا، وهو: الانعقاد في الحضور. (راجع ص: 76 في النص الأصلي) الحقيقة (الحقيقة الأنطيقية) هي انفقاس الموجود، وإنما فقط على أساس وفي علاقة بهذا الانفقاس، هذا المجيء إلى الظهور (أي الحضور)، يكون إدراك وتحديد الموجود ذاته صحيحين بالمعنى الاشتقاقي، وبعبارة أخرى يستقبله أو يرفضه باعتباره منفقسا. هذا الانفقاس للموجود، أليس انكشافا، ظهورا للphúsis كما شرحنا سابقا نقلا عن النسق المفاهيمي لأرسطو؟
ذلك بالضبط لأن الحقيقة هي في الأساس انفقاس للموجود بحيث أن أن أي جهة للانفقاس (الحقيقة) تنتظم وتتحدد في كل مرة وفقا لجهة الموجود، أي وفق وجوده.
يقول أرسطو في نهاية الفصل الأول من الجزء "أ" من كتابه عن "الميتافيزيقا" بعبارات واضحة وأولية: "هكذا يتصرف كل شيء حيال الوجود، هكذا يتصرف حيال الانفقاس” (أي الأليثيا). هكذا إذن تقرر جهة الوجود والموجود في جهة الانفقاس الممكن الذي تنتمي إليه. هذا الانفقاس (alèthèia) يسير جنبا إلى جنب مع الوجود. إلى الموجود بالمعنى الصحيح، كما هو، ينتمي الوحود-الحق بشكل صحيح. لكن الذي يطرح المشكل، يؤكد هايدجر، ليس جهة ما لحقيقة موجود ما، بل حقيقة الموجود بالمعنى الصحيح، أي الحقيقة بمعناها الصحيح. إنما هنا في الحقيقة بالمعنى الصحيح للموجود بالمعنى الصحيح يتعين أن تصبح مرئيا الاتصال بالمعنى الصحيح بين الوجود والحقيقة. بعبارة أخرى، هنا يجب أن يتجلى كيف تشكل الحقيقة بشكل عام الوجود بالمعنى الصحيح للموجود بالمعنى الصحيح. انفقاس الموجود ينتظم على جهة الوجود والموجود.
يريد منا هايدغر أن نفهم أنه كلما كان الموجود ووجوده أكثر أصالة، كلما كان الحضور خالصا وثابتا، وكلما انتمى الاتفقاس المقابل (أو الإخفاء) إلى الموجود بشكل مستمر، كلما قلت إمكانية التحول إلى الإخفاء، كلما انتمى الاتفقاس إلى وجود الموجود المعني. مع ذلك،ما دام أن الحقيقة (الانفقاس) قد بقيت لحد الآن مرتبطة عموما بإمكان لاحقيقة، فلا تكون هي الحقيقة بالمعنى الصحيح، الأسمى. هذه الحقيقة الاكثر سموا، على فرض أنها موجودة، وحده الوجود بالمعنى الصحيح للموجود يستطيع تشكيلها على نحو ظاهر. هل هناك إذن وجود-حق لا يكون، كما هو، مرتبطا باللاحقيقة، التي تنفي مطلقا إمكان الإخفاء. إنما انطلاقا من الوجود ذاته لما يشكل بصفة عامة أخص ما في الموجود يتعين على الوجود-الحق الاكثر خصوصية الذي ينتمي إليه أن يتحدد. ينبغي الآن أن يطرح السؤال بالصيغة التالية: ما هي الحقيقة الأكثر صحة، والتي تستبعد بشكل مطلق إمكان الإخفاء عندما تنشأ معرفة مماثلة؟ وإذا أخذنا ال"بسيط" كمثال، يجيب هايدغر، فلأن في ال"بسيط"، وفقه، وفي التيار الأرسطي، لا شيء يظهر على أساس أته مننتم مشترك. عندما ينفقس "البسيط المطلق" - يتابع ـ بما يكون، لا يجلب معه، باعتباره كذلك، أي شيء آخر على أساسه قد يضطر ويستطيع أن يتحدد. لم يسبق له أبدا أن ظهر كهذا او ذاك، بل فقط هو نفسه، بطريقة صحيحة، بسيطة ومطلقة.
انفقاس البسيط في ذاته لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم إخفاؤه من قبل شيء لا ينتمي إلى البسيط. وإذا لم يمكن لهذا الانفقاس أن يصبح إخفاء، فليس فقط لأن ما ينتمي إلى البسيط قد يكون ظاهرا باستمرار، بل لأن بالأولى لا يتسامح مع أي حد منتم مشترك. يستبعد انفقاس البسيط، بطريقة صحيحة وبسيطة، إمكان اللاحقيقة. هذا الانفقاس لم يسبق فقط أن تحول إلى إخفاء، بل لم يرتبط معه بأي علاقة كذلك. الضد الوحيد الممكن لهذا الانفقاس للبسيط هو اللاانفقاس البسيط، الذي، مع ذلك، من حيث الجوهر، لا يمكن له أن يكون إخفاء، للحقيقة. ما هو إذن هذا الانفقاس بالمعنى الصحيح؟ الانفقاس هو ظهار شيء يتيح له أن يعرض ذاته في حد ذاته. انفقاس البسيط هو ببساطة وعلى مطلق حضور الأخير في حد ذاته. هذا الحضور هو الأكثر مباشرة - لا شيء يتدخل فيه او يمكن ان يتدخل فيه. فضلا عن ذلك، الحضور الاكثر مباشرة، هو الذي يسبق كل حضور إذا كان لا بد من وجود حضور لأنه الأكثر سموا وأصالة.
لكن هذا في حد ذاته، الحضور الثابت الخالص، المباشر في ذاته، الحضور المأخوذ فقط لذاته وقبل أي حضور آخر، هذا هو الأكثر ثباتًا والأكثر خلوصا، ليس شيئا آخر إلوجود الأكثر سموا وصحة. الوجود هو البسيط المطلق، وهو، على أساس أبسط، الركيزة الأولى والأخيرة لإمكان كل موجود واقعي ومفكر فيه. «الوجود في جوهره "هو" خلفية، ولا يمكن أبدا أن يكون له أيضا، في أصله، خلفية يتعين عليها تأسيسه". لكن، ماذا يقول لنا أرسطو عما يشكل أساس إمكان الموجود بشكل صحيح، أي الموجود بشكل مستمر؟ يقول لنا ما يلي: "مبادئ الكائنات الأبدية هي بالضرورة الأصدق على الإطلاق" (Met.a ،993ب 28-29). ويتابع: “هذه المبادئ للموجود بالمعنى الصحيح، أي الوجود في حد ذاته كما هو، تلك هي الأكثر صدقا، المفهومة كشيء منفقس تماما، في المقام الأول، قبل ومن أجل الباقي كله". بعبارة أخرى: يتعين على الوجود كما هو أن يكون بشكل مسبق وثابت منفقسا بالمطلق حتى يكون الموجود قابلاً للاكتشاف بشكل عام وبإمكانه الولوج إلى التحديد. إذا كان البسيط يشكل إذن ما هو أكثر خلوصا في الموجود وإذا كان انفقاس البسيط لا يعني شيئا آخر غير الحضور الأكثر خلوصا، السابق على كل الباقي، الثابت إذن، فهذه الحقيقة السامية للبسيط هي الوجود الاكثر خلوصا للموجود بشكل عام. يمكن أن نختم بذلك في مرحلة أولى الحديث عن العلاقة بين الوجود والحقيقة الأنطيقية.
بالفعل، أن يكون الوجود مدركا أو غير مدرك بشكل صحيح، مسؤولا، محددا، فهو قبل كل ذلك لامتحجب ومُتحجب قبلا وباستمرار في جوهره. والآن لم يبق لنا سوى أن نحاول، اعتمادا على روبنس بيليدور، شرح اللحظة الثانية من العلاقة بين الوجود والحقيقة، ولكن هذه المرة، سيتعلق الأمر بالحقيقة الأنطولوجية المفهومة كلاتحجب-تحجب.
كلما تعلق الأمر بمعنى الوجود، إلا وقلنا أن الوجود في اختباره الأصلي هو phúsis - لاتحجب منبثق عن تحجب، تدبير مصدره الانسحاب (انظر ص76 في النص الأصلي). ولكن يبدو أن هناك تناقضا بين هذا "الانسحاب" للوجود وبين انفتاحه. بين اختفاء ومجيء. بالفعل، بما أن هايدجر يحيل إلى الإغريق لتوضيح فكره، نسمح لأنفسنا بالرجوع إلى هذا القولة لهيراقليطس هذا من أجل توضيح تقريرنا: "الطبيعة تحب الاختفاء". لكن إذا كانت "الطبيعة" (أي الوجود في جوهره) تحب أن تختبئ، فلنسأل أنفسنا كيف يمكن أن ينكشف مثل بيان "في ذاته"، وإذا بان فكيف يختفى عن ذاته؟ إنما هنا يجب علينا أن نكون حذرين حتى لا نسيء التفسير، ولو ان أرسطو سبق أن حذرنا من مبدأ عدم التناقض، وهو أن الشيء لا يمكن أن يكون هو نفسه ونقيضه في نفس الوقت. ما ينبغي فهمه هو أن الامر لا يتعلق ذلك سوى قطبين لنفس الظاهرة. الوجود لكونه بالضبط نورا لكل شيء، بحسب برتراند ريو، يمحي في ما يضيئه. ليس تحجباً خالصاً وإلا لن يستطيع الموجود ابدا أن يظهر كالموجود في الوجود ولن يكون فيه وقوع في الموضوعية. لنفهم أن العبارة: "الطبيعة" تحب الاختفاء تعني أن التحجب واللاتحجب ينتميان معا إلى الوجود في جوهره.
لنضع في اعتبارنا دائما مفهومنا عن الحقيقة (alèthèia). ماذا تقول لنا هذه الكلمة، أليثيا؟ تقول لنا أولاً اللاتحجب واللاختفاء. بتعبير أدق، تقول الخروج من الèthè، الانبجاس إلى الظهور، القدوم إلى الحضور. أليس هذا هو نفس التعريف الذي أسندناه إلى كلمة phúsis، التعريف الذي طلبنا الاحتفاظ به في الذاكرة؟ عندما نقارن بين هذين التعريفين، ألا يمكننا ان تؤكد على وجه اليقين أن الوجود والحقيقة هما من نفس الطبيعة؟ بهذه الكلمات نفسها، تجعل alèthèia ممكنًا شرط معرفة الموجود، الphúsis ذاته وفقًا لتحديده الخاص، أي وفقًا لانفقاس الموجود في وجوده. ولأن alèthèia تعني أولاً وخاصة اللاتحجب، فهي تعني أيضًا وفي ارتباط وثيق الوجود الحقيقي لما هو لامتحجب على هذا النحو. األيثيا هي إذن ما خرج من الكمون أو الإختفاء. الاختفاء ليس نقصًا أو حرمانًا لوجود قد يكون في ذاته نورًا كاملاً في حد ذاتها، إنه الطريقة ذاتها التي بها يجعل الوجود نفسه معروفا، إنها- أي بها يعيش جوهره الكامل (Wesen)، كحضور لكل الحاضرين (AnwesendenJ). فالحضور باعتباره كذلك لا يأتي إلى الظهور، بل الحاضر يشعر بأنه متجمع فيه. إنما بهذا المعنى يحمل في طياته تحجباً معيناً.
عند تحليل كلمة alèthèia، نجد أنها مكونة من حرف زائد a والجذر lèthè الذي يعني النسيان. ما يريد هايدجر أن يفهمنا إياه هو أن هذه الـ"a" الزائدة هي في الواقع مزدوجة إيجابيا: من جهة، لأنها بمثابة إشارة إلى خاصية جوهرية لما هو لامتحجب، بمعنى أن هذا الأخير لا "يكون" إلا باعتباره "منتزعا من الاختفاء"، إلا باعتباره "مسروقا" منه وبهذه الشروط تحدث قبلا "الوجود والزمان" عن اللاتحجب، مضيفا أنه كان لا بد من تصوره ك"اختطاف". من ناحية أخرى، لأنه في ما وراء الlèthè، في التحديد الأساسي للأليثيا، يشير a الزائد إلى انتشار الليثي ذاته في الأليثيا، طالما أن الاختفاء منذ البدء يحكم جوهر الوجود بالكامل.
هكذا إذن، يشكل حضور وانتشار التحجب في جوهر اللاتحجب الإيجابية المزدوجة لa في alèthéia. بالفعل، كتابات هايدغر الاولى التي سلطت الضوء على اختفاء الوجود ذاته، ركزت كثيرا على هذا التصور الخاص للاتحجب. "الاختفاء الأصلي" (Grundverborgenheit) الذي تحدث عنه في "الوجود والزمان"، كما يقول برتراند ريو، يجب أن يُفهم كمجال غامض منه انتزع الموجود وإليه يشير. اللاتحجب في حاجة إلى تحجب، إلى الليثي، كآخر له من معرفة جوهرها الكامل.
للأليثيا إذن معنى مزدوج: تعني الكلمة اللاتحجب مثلما تعني phúsis الانفقاس الخالص؛ لكن المفكر الذي يبحث عن جوهر الأليثيا سوف ينقاد بالضرورة إلى الليثي. ذلك لأنه إذا تم التعرف على هذا الأخير من قبل هايدجر باعتباره جوهر الأليثيا، فلا يكون ذلك لأسباب لغوية بحتة، بل إنما في الفكر يحتاج اللاتحجب، حتى يكون ما يكون، إلى تحجب. الأليثيا إذن لاتحجب يتمثل جوهره في أن يكون محكوما بتحجب ثابت. هذا ما يدعم هذا التأكيد الهايدغري: الجوهر الكامل للحقيقة يحمل في طياته جوهره المضاد الخاص، وهذا الجوهر المضاد هو اليي يشكل التحجب أو الإخفاء. وبما أن الوجود يظهر ك phúsis، فإنه ينعقد حقا في لاتحجب الموجود (الحقيقة الأنطيقية). لكن لاتحجب الموجود كما هو يكون في نفس الوقت وفي ذاته إخفاء أنطولوجيا للموجود في مجمله. هذه الاتحاد بين التحجب واللاتحجب ينتمي إلى الوجود وإلى الحقيقة، هاتان الكلمتان باعتبارهما من أصل واحد، نستطيع أن نؤكد بشكل لا لبس فيه أن العلاقة القائمة بينهما هي من نفس الطبيعة. بالفعل، يمكننا شرح ذلك على النحو التالي: العلاقة الدقيقة التي يقيمها في الأليثيا التحجب واللاتحجب، يقدمها هايدجر كعلاقة ولادة، قدوم أحدهما انطلاقا من الآخر. وهذا يعني أن الأليثيا ليست لاتحجبا في "حاجة" إلى اختفاء، لكن الأمر الأكثر جوهرية هو ما يلي: "الأليثيا، كما يدل اسمها، ليست انفتاحاً خالصاً، بل لاتحجبا للاختفاء".
في ختام هذه اللحظة الثانية، دعونا نتذكر أن الإختفاء ال(ليثي) ينتمي إلى الأليثيا، ليس كإضافة بسيطة، ليس كما ينتمي الظل إلى النور، ولكن كقلب الأليثيا نفسه. إنما بهذا المعنى يجب أن نفهم عبارة "لاتحجب الاحتجاب". اللامتحجب منتزع من الاختفاء (الاحتجاب)، لكنه بهذا الانتزاع ينكشف، أي ينكشف هذا الاحتجاب ذاته، الذي ينكشف باعتباره شرطا (غير ظاهر) لظهور كل شيء منكشف. عبارة "لاتحجب الاحتجاب" هي الصورة المقلوبة لتعبير "وجود الموجود". هكذا يعني لاتحجب الاحتجاب لاتحجب الموجود المسموح به من قبل انسحاب الوجود - لاتحجب الوجود كانسحاب. الحقيقة مفهومة كلاتحجب هي نمط وجود (existential) الدازاين. في الفكر الهايدغري تعني existential طريقة أو نمط من الوجود، جهة وجود تميز الحياة اليومية، هذه الطريقة متجذرة في الوجود الأنطيقي للإنسان. إن تحجب الموجود في مجمله متأصل في الحرية المنفتحة الوجود والمحدودة للدازاين، لهذا السبب نعتبر أنه من الضروري إبراز العلاقة التي توجد بين الحقيقة والحرية في ما يلي من فقرات.
إن الحقيقة من حيث هي لاتحجب ليست سوى الوجود، وهو ما بيناه قبلا في علاقة وجود-حقيقة؛ قبل كل شيء، هي ليست شيئا "فوق الوجود"، ولكنها بالعكس هي الوجود ذاته، ما ينشر جوهره في الوجود (الحضور كلاتحجب). غير أن الحرية، بقدر ما تهيمن (Waltenlassen) على العالم، هي أصل الأساس بشكل مطلق. لكنها منتهية، "مهملة": ليس من اختصاث تصرفها الحر أن تكون وتتحقق ببساطة كتعال. من حيث كونها أساس الأساس، فهي أيضا تفتقر إلى أساس من اجل وجودها الأساس: بلا قعر. لهذا يؤول "في ماهية الحقيقة" الحرية ك"تحرر" سعيا إلى ما هو ظاهر في المفتوح، كترك الموجود يوجد" وبالتالي كواقعة الانعطاء لمنفتح اللاتحجب ولامتحجبه. باعتباره هجرانا للاتحجب، الذي ينفتح وينعرض، يحافظ الانعطاء بهذه الطريقة على اللاتحجب. علما بأن الحرية في دراسة "في ماهية الأساس"، مفهومة كأساس لا قعر له، يكون هجران الحرية نحو الحقيقة كلاتحجب ملزما بإستعادة الهاوية، غياب الأساس في التأسيس.
لأن الوجود يثيرها، تأتي الحقيقة من حيث هي لاتحجب مما هو حر، تذهب إلى ما هو حر وتؤدي إلى ما هو حر". لذلك يمكننا أن نقول إن هناك علاقة جوهرية بين الوجود-الحقيقة-الحرية. الحرية، مفهومة على أنها ترك الموجود يوجد، تستكمل وتنجز ماهية الحقيقة بمعنى لاتحجب الموجود. باعتبار أنها تجعل الانفتاح ممكنًا، والحرية هي "إلى جانب الوجود"؛ باعتبارها صيرت ممكنة بهذا الافتتاح نفسه، تكون الحرية "إلى جانب الموجود". هل هناك تناسق أم لاتناسق؟ وهذا ما يجب تبياته الآن في هذه المرحلة الثانية الخاصة بتناسق الفكر الهايدغري. إن لاتحجب الوجود هو دائمًا، حسب هايدغر، حقيقة وجود الموجود؛ على العكس في لاتحجب الموجود، ينعقد دائمًا لاتحجب وجوده. في تحليلنا، بالاعتماد فقط على نصي هايدغر الرئيسين، وهما: "الوجود والزمان"، و"في ماهية الحقيقة"، سنقتصر على ملاحظة نقاط الاتصال والاختلاف التي تجمع أو تفصل بين رسالة الحرية ورسالة الحقيقة. لقد اختزل "الوجود والزمان" التصور الكلاسيكي للحقيقة إلى التأكيد المزدوج على أن الحقيقة تجد مكانها في الحكم وماهيتها في توافق الحكم مع موضوعه.
لم يشك هايدغر قط في أن هاتين الأطروحتين كانتا بحد ذاتهما نتيجة المواقف الميتافيزيقية، الضمنية في أغلب الأحيان لدى كبار الكلاسيكيين، التي ناقشها وشرحها. واصل "في ماهية الحقيقة" تفسير هاتين الأطروحتين حول ماهية الحقيقة. "الوجود والزمان" و"في ماهية الحقيقة" يتفقان على القول بأن مطابقة الحكم لموضوعه، المطابقة التي تكمن فيها، بالنسبة للكلاسيين، ماهية الحقيقة، لا يمكن أن تكون إلا نسبية في بعض الجوانب. إنها تهدف إلى أن تصبح الشيء الذي تعبر عنه، وإلى تسليم هذا الأخير كما هو. سبق لهايدجر أن دان، وما زال يدين بصرامة أكثر من أي وقت مضى، أي تصور للحكم يقوم بحمل الأخير على محتوى محايث للذات الحاكمة، على تمثيل. لكن هيدجر، وهو يتساءل عما يسمح بإقامة التوافق بين الحكم والموجود الذي وقع عليه الحكم، وجد أن هذا الإمكان يقتضي، في المقام الأول، أن وجود الموجود الذي وقع عليه الحكم ينكشف كما هو في ذاته ويمكننا اكتشافه. وجود الحكم يجد جذره في الموقف الذي يهدف إلى اكتشاف الموجود أو، وفقا للغة "الوجود والزمان"، إلى "اتركه-يوجد". لأسباب لا مجال للتفصيل فيها هنا، وضع "الوجود والزمان" على عاتقها مهمة إيجاد مدخل إلى مشكلة الوجود، لكنه في الواقع اهتم بشكل رئيسي بتحليل الوجود الإنساني، الدازاين. كل ما يعلمناإياه الكتاب عن الموجود، يتم دائمًا النظر إلى الأخير طبقا لنتائج التحليل.
لكن التحليل الوجودي يهدف إلى إثبات وجود الإنسان على جهتين أساسيتين، إحداهما الأكثر ممارسة كذلك، تميل إلى وضع الموجود الإنساني في حالة من عدم الوضوح والوهم تجاه ذاته، وبالتالي تجاه الأشياء. "في ماهية الحقيقة" يؤكد ذلك بصريح العبارة، فالطريقة التي يكون بها الدازاين منفتحا، تقرر أيضًا ما في قدرته على الحضور أمام نفسه. من ناحية أخرى، يتجاوز "في ماهية الحقيقة" التحليل الوجودي ويدرس بشكل مباشر علاقة الموجود، من حيث هو قابل لأن يعرف ومعروف، بالبنية غير المتميزة للدازاين. وهذه العلاقة تعلمنا أن الإنسان في الأصل قريب من الأشياء، لأنه هو أيضًا في الأصل موجود منفتح، أي موجود عليه أن يجد دائما وجوده موضوعا خارج ذاته، وهو ما يعود إلى البنية الوجودية في "الوجود والزمان". فكرة الوجود المنفتح حلت محل فكرة الوجود-- في-العالم. الإنسان في العالم لا يعني أنه يجد ذاته إلى جانب الأشياء والنوضوعات، بل إنه يفهم هذه الأخيرة في بنية مرجعية، لأنه في حد ذاته خارج ذاته وقريب من تلك الاشياء والنوضوعات. ولذلك يبقى صحيحا الادعاء بأن الوجود-في-العالم والوجود المنفتح مكونان للحقيقة.
لكن هذه العبارة (الوجود-في-العالم والوجود المنفتح مكونان للحقيقة) تتلقى معنى ليس على الإطلاق هو المعنى الوارد في "الوجود والزمان". إنها تعني أن الإنسان مصدر الحقيقة على نحو صوري، إذا كان لا بد من وجود الحق، كائن كاشف، أي موجود غير منطو على نفسه، قادر على أن يكون ذاته وخارج ذاته في نفس الوقت بالقرب من... بمعنى آخر، التضاعف الأنطولوجي المكون للحقيقة يفترض وجود الموجود المنفتح ek-sistant. إلا أن تلك العبارة اصبح باطلة إذا ألمحت إلى أن الإنسان يخلق محتوى العبارات الحقيقية التي يتلفظ بها. كان "الوجود والزمان" في هذه النقطة أكثر راديكالية. علمنا هذا الكتاب الأول لهايدجر أن خلق الحقيقة انطوي على إنشاء المعنى وهو (الإنشاء) مرتبط بإسقاطات الدازاين وقبل أن يسحب هذا الإسقاط --- وعليه وحده ان يسحب - الموجود من الفوضى الأصلية. ذلك ما يدل على أن هايدجر لم يفلت من قبضة الفلسفة الكانطية حول المعرفة. لم يعد هذا هو الحال بالنسبة إلى كتابه عن ماهية الحقيقة. الموجود منظور إلبه هنا في ذاته. فكرة الوجود التي كانت تتستهدف بالأخص خاصية الدازاين التي تجعله ينطرح أمام ذاته، وفي الوقت نفسه، يؤول الأشياء، يعين الآن هذه الخاصية الأخرى --- مختلفة بعض الشيء على نحو صوري - التي وفقا لها يكون الدازاين دائما بالقرب من الأشياء، التي تكتسب في حد ذاتها دلالة.
ويبقى الوجود والفهم مترادفين. لكن الحد المشترك الذي به يكون هذ الترادف مضمونا، ليس هو الإسقاط بقدر ما هو الانفتاح تجاه الموجود. بدون شك، ليست فكرة الإسقاط الغائبة من الناحية الحرفية، لاغية تماما من الناحية الذهنيه. لكنها تابعة لفكرة الامتثال للموجود، ل"ترك-الوجود-يوجد": لا تعبر عن ذاتها إلا بالمعنى الذي يقال فيه إن كل شخص لا يصل إلا إلى الحقائق التي ينفتح عليها
بمبادرته، أو حسب الاصطلاح الجديد، بسلوكه. بل سوف نؤكد أن التفكير الحالي يبرر بشكل أفضل الفرضية التي طرحها بالفعل "الوجود والزمان"، والتي مفادها أن الدازاين يشكل الحقيقة من خلال فعله الكاشف، وهي الجملة التي بقيت ذات مرة مشوبة بغموض لا يمكن تجاوزه.
أما الأطروحة التي تحدد حقيقة وجودنا بالقدرة على جعل الحقيقة ممكنة، يتم تأكيدها ولكنها تأخذ أيضا معنى مختلفا بعض الشيء. ذلك أن اكتشاف الوجود من حيث هو كذلك وفي كليته يرتبط بشكل مباشر ب"اتركه-يوجد"، يحصر داخل حدود معينة ميلنا إلى جعل الموجود الخاص، الذي يربطنا به الفعل النفعي، مقياس كل الوجود. يحدث هكذأ أننا لا نشرع في الكشف عن الموجود كما هو وفي كليته إلا بقدر ما نضع أنفسنا على مسافة من الكائن الخاص. ندرك إذن أن القدرة على إثبات الحقيقة، على التموقع خارج الذات وقريبا من الموجود من حيث هو كذلك وفي كليته، هي في نفس الوقت ضامنة لحقيقة وجودنا الخاص، الذي هو بالتحديد الوجود المنفتح. من الآن يستطيع هايدجر أن يقول بشكل لا لبس فيه أن هناك حقيقة لأننا نكون حقا ما نكونه.
الخاصية الاكثر إثارة هي أنه (الفعل اليومي) يسعى، دون تحقيق سعيه بالكامل، إلى نسيان هذه العلاقة من خلال ترك نفسه تخضع بالمطلق لكلية الموجود الخاص إلى درجة الضياع في تحديداته. عقوبة ذلك هي أن الدازاين اليومي سوف يفتقر حتى إلى المعنى "الحقيقي" للموجود الخاص نفسه، طالما أن الأخير لا يسمح لنفسه بأن تنكشف إلا من خلال اعتبار علاقته الداخلية بالموجود من حيث هو كذلك وفي كليته. لذلك نفهم مرة أخرى لماذا الأصالة، التي هي الآن "ترك -الموجود-يوجد" من حيث هو كذلك وفي كليته، تظل دائما شرطا لا غنى عنه للاتحجب. يتشكل المقابل الجوهري للحقيقة من اللاحقيقة، وبالتالي يتبين، إذا جاز لنا أن نقول، انه مشترك في الجوهر مع الحقيقة الأساسية نفسها. إذا لم تكن هناك من حقيقة سوى في وجود الموجود وإذا كان وجود الموجود لا يُدرك إلا في المعارضة الداخلية للموجود الخاص والموجود من حيث هو كلية، فإن أي لاتحجب لأحد الطرفين لا ينفصل عن انحجاب الآخر، وبالتالي عن لاحقيقة. وهكذا اختتم "الوجود والزمان" دراسة الحقيقة: "التأويل الوجودي والأنطولوجي لظاهرة الحقيقة يعلمنا أن (1) الحقيقة بالمعنى الأكثر أصالة موجودة في التداخل-الكاشف للدازاين، الذي يجلب للموجود الدنيوي إمكان أن يكون مكشوفا. (2) الدازاين موجود أصلا وفي نفس الوقت في الحقيقة وفي اللاحقيقة. وهذا ما يثبته كتاب "في ماهية الحقيقة". لكن الدازاين ذاته مستوعب ومؤول من منظور أكثر عمقا، تحديداً في علاقته بالوجود. "ترك-الموجود-يوجد" يتوقف على انفتاح الدازاين، وهذا الانفتاح بتوقف على العلاقة التي يقيمها الأخير مع الوجود. إنما الطريقة التي يظهر بها الوجود للإنسان هي ما يحدد إمكان انفتاح الأخير على هذا الموجود أو ذاك بهذه الطريقة أو تلك. لقد رأينا بالفعل أنه تم التفكير في الأليثيا كنقيض للإختفاء، أي كلاتحجب.
واللامتحجب - أي أن الموجود - كان، دائما وفي كل مكان، يُختبر باعتباره "ذلك الذي يظهر"، باعتباره الحاضر الخالص والبسيط، دون النظر أبدا إلى علاقته بالليثي (lèthè) والاختفاء. هناك إذن مفارقة أكيدة. ولكن، بحسب هايدغر، إنما بالضبط التوازي بين هاتين النقطتين غير المتناسقتين، هو الذي يثير، من خلال الدهشة التي يحدثها، السؤال الحاسم: لماذا هذا الاحتجاب للاحتجاب؟ لأن ما يظهر وينعطى باستمرار كحاضر يفترض بالضرورة ما يختفي ولم يعد حاضرا، أي أنه يفترض هذا الآخر لكل موجود لا يمكن أن يتلقى أي اسم آخر غير اسم الوجود.ىذلك لأن الوجود لا ينعطي إلا على شكل انسحاب؛ الأفضل من ذلك: الوجود ليس شيئا آخر سوى هذا الانسحاب. الانسحاب هو الطريقة التي ينشر بها الوجود جوهره، أي يرتسم كحضور. لهذا قدمنا تأويلا لشذرة من كتاب الميتافيزيقا لأرسطو الذي فهم فيها الوجود وأوله على أنه حضور ثابت. أرسطو الذي اكتشف العلاقة بين سؤال الحقيقة وسؤال الوجود، لم يتساءل، كما أكد جان گيش، لماذا تكون الحقيقة هي التحديد الاكثر صحة الوجود. ومن هنا ضرورة أن يطرح هايدغر هذا السؤال: ماذا يعني "الوجود" حتى يمكن أن تكون الحقيقة مفهومة باعتبارها سمة الوجود؟ يسلط هذا السؤال الضوء على العلاقة التي تطرقنا إليها بين الوجود والحقيقة.
الوجود إذن حقيقي لأنه حضور خالص معلن عنه بكلمة أوسيا (ousia) (Anwesenheit). كلمة ousia التي تم الترويج لها كجوهر عبر تاريخ الفلسفة لا تعني شيئا آخر غير الحضور بمعنى محدد، يتعلق ب"الإدراك". باتباع مجموع هذه العلاقات بين الوجود، الحقيقة، الحضور، الجوهر. الحرية نجد مشكلة الزمانية التي تركها بيليدور جانبا لأن توضيح هذه المشكلة يمكن أن يقوده إلى الاقتراب من هايدغر الثاني الذي أجل الحديث عنه إلى دراسة أخرى. إن فهم الوجود كحضور وحقيقة يعني فهم الحضور نفسه كخاصية للزمنية. مجموع هذه العلاقات يشكل ما نسميه: تناسق الفكر الهايدغري. ومع ذلك، يريد منا هايدجر أن ندرك أن السؤال الحاسم حول "معنى" الوجود، السؤال الأساسي في "الوجود والزمان"، أي السؤال عن مدى الإسقاط، بكلمات أخرى، عن الانفتاح، أو حتى عن حقيقة الوجود، وليس فقط الوجود، لم يتم تطويره فيه بشكل متعمد.
ومع ذلك، ينعقد فيه الفكر بشكل ظاهر على طريق الميتافيزيقا لكنه لا يحقق بقدر أقل خطواته الحاسمة - عندما ينتقل من الحقيقة كمطابقة إلى الحقيقة المنفتحة ومن هذه إلى اللاحقيقة كإخفاء وتيه، ثورة تؤدي، وفق هابدجر، إلى تجاوز للميتافيزيقا. المعرفة المكتسبة هنا تكمن في هذه التجربة الحاسمة: إنما انطلاقا من الدازاين فقط، الذي ينخرط فيه الإنسان، يتهيأ بالنسبة إلى الإنسان التاريخي القرب من الوجود. تتم متابعة حقيقة الوجود ك"أساس" لموقف تاريخي جديد، غير أن كتاب "في ماهية الحقيقة" يعيد التفكير فيها انطلاقا من هذا الأساس الجديد (من الدازاين). إن الصيغ اللغوية التي جرى بها التساؤل تشكل في ذاتها توجه فكر، بدل ان يمنحنا تمثلات ومفاهيم، يمتحن (مبني على المحهول) ويتعزز كثورة العلاقة بالوجود. في المقدمة حددنا لانفسنا هدفا؛ ألا وهو تبيان أن الحقيقة والحرية من حيث ماهيتهما بحسب هايدجر تكونان نفس الشيء الواحد وتشكلان على نحو مطلق البنية الأنطولوجية للإنسان. هل حققنا هدفنا؟ هذا ما سنحاول البرهنة عليه في الخاتمة التالية.
يريد الكاتب أن يبين، كما وعدنا في ورقته التمهيدية، ان الحقيقة والحرية تشكلان على نحو مطلق البنية الوجودية للإنسان وتكونان الوحدة مأخوذتين في جوهرهما. لتحقيق ذلك سوف نتبتى في هذا الجزء الأخير من هذا الدراسة تمشيا ذا بعدين اثنين (1) بعد أنطولوجي للحرية، و(2) بعد لاهوتي. وفقا للبعد الأول، سنحاول التفكير في جوهر الإنسان، مثل هذا التفكير سيسمح لنا بأن يبين لنا بشكل أفضل بماذا يجد الإنسان بحسب بنيته أساسه في الحقيقة والحرية. وفق البعد الثاني سنقدم من جهة القطب اللاهوتي الذي يحتوي على الرسالة الهايدغرية. باستعمال المنهج المقارن، سوف نبين، دون تفسير مفصل أن رسالته، حتى لما هايدجر، في بحثه عن حقيقة الوجود، لم يضعها نصب عينيه، محور بحثه حول وجود الإله الإنجيلي، تتوافق تماما مع الخطاب الإنجيلي عن الحقيقة. من ناحية أخرى، سوف نتناول التزام هايدغر القومي-الاشتراكي، مع الأخذ في الأعتبار إصرار فكره على العلاقة: الوجود-الحقيقة-الحرية. لنبدأ مقاربتنا بتقديم البعد الأول.
في الفصل الأول قمنا بعرض ثلاثة أنواع من الحقيقة: (1) حقيقة حملية (2) حقيقة قبحملية أو حقيقة أنطيقية و(3) حقيقة وجودية (أنطولوجية). حددنا الأنطيقي كما هو موجود، والأنطولوجي كما بجعل الموجود موجودا. كما قلنا لماذا استخدمنا مصطلحي "الأنطيقي" و"الأنطولوجي". إذا تصورنا الأنطولوجيا (علم الوجود) كسؤال حول وجود الموجود، ومن هنا كقلب الميتافيزيقا، يؤكد ذلك بوجيلر، تكون ميتافيزيقا الميتافيزيقا أساس علم الأنطولوجيا، أنطولوجيا أساسية. هذه الأنطولوجيا الأساسية، يسميها هايدغر في كتابه عن كانط "ميتافيزيقا الوجود-هنا". وفق المنظور المفتوح من قبل كانط، تبحث ميتافيزيقا الوجود-هنا عن وحدة جوهر التعالي في ملكة الخيال وزمانيته. هكذا تتساءل الميتافيزيقا عن الإنسان، ولكن ليس على طريقة الأنثروبولوجيا التي تعتبر الإنسان موجودا من بين موجودات أخرى (حتى ولو كان موجودا خاصاً)، ولا على طريقة النزعة الأنثروبولوجية التي تضع كل الموجود أمام الإنسان وتوجهه نحو ذاته وتشرحه بذاته. بينما تتساءل ميتافيزيقا الوجود-هنا، بخلاف ذلك، عن كيف ينتمي بالضبط سؤال "ما هو الإنسان"؟ إلى السؤال الميتافيزيقي.
بطرح السؤال "ما هو الإنسان؟" نتساءل عن الطريقة التي ينتمي بها السؤال عن الإنسان والسؤال عن الوجود إلى بعضهما البعض. في سؤال الوجود نتساءل عن وجود الموجود. في سؤال وجود الموجود يكمن السؤال الأكثر أصالة عن الوجود من حيث هو كذلك: يتضح أن الوجود يقال بطرق مختلفة، مثلا، باطن، وجود، وجود-حق. لا يمكن التعرف على وحدة هذه الأنماط للتعبير عن الوجود إلا إذا تم طرح سؤال الوجود من حيث هو كذلك (وهو ما قام به بيليدور في الفصل الثالث). لكن هذا السؤال يعود إلى سؤال أكثر بدائية: “على أي أساس يجب إذن أن نفهم شيئا مثل الوجود، مع كل الغنى الذي يحتويه من مفاصل وعلاقات؟ إن الوصول إلى هذا "الأين"، الذي يجب أن يُفهم انطلاقا منه الوجود كما هو، يتم السعي إليه عن طريق تأويل الفهم الأنطولوجي للإنسان. هذا الفهم للوجود ليس خاصية يمتلكها الإنسان. ولا يكون حقا الإنسان إنسانا بالأولى إلا بفضل هذا الفهم الأنطولوجي. فهو إذن ال"هنا، الذي مع وجوده يحدث الاقتحام اللامتحجب في الموجود. بفضل هذا "الاقتحام" يستطيع الموجود الذي يكون هو الإنسان والموجود الذي لا بكونه أن يظهرا. ميتافيزيقا الوجود-هنا (Da-sein) لا تعني: ميتافيزيقا حول الوجود-هنا، بل الميتافيزيقا التي "تحدث بالضرورة كوجود-هنا"، السؤال حول وجود الموجود والوجود كما هو يقدم نفسه في الهنا من الوجود-هنا. يصبح الوجود-هنا أساس الميتافيزيقا. هكذا إذن، بما أن الوجود-هنا هو هذا الأساس وأن لاتحجب وضعه أنطولوجي، تسمى بالتالي ميتافيزيقا الوجود-هنا الأنطولوجيا الأساسية. لكن هذه الأنطولوجيا (باعتبارها تحليلا وجوديا) ليست سوى "الدرجة الأولى من ميتافيزيقا الوجود-هنا". إنها تزيل الحجاب عن العوز الأنطولوجي للوجود-هنا، الذي يكمن في نسيان وزمنية هذا العوز.
إنه يستهدف إذن من هنا المعنى "الأساسي-الأنطولوجي" على نحو صحيح للسؤال حول الزمان، مهمة التفكير انطلاقا من زمانية الوجود-هنا، في هذا الزمن الذي ضمن أفقه وضعت الميتافيزيقا الوجود ك"استمرار في الوجود". لكن، لأن سؤال الوجود يشكل دائرة (لأن الوجود لا بداية له ولا نهاية)، فهو يحيل إلى سؤال وجود الإنسان الذي يتميز على وجه التحديد عن الموجودات الأخرى، باعتبار أن طرح سؤال الوجود هو هو طرح سؤاله الخاص. التساؤل عما هو الوجود هو بمثابة إحالة إلى الدازاين من حيث أنه موجود، في وجوده "يوجد" الوجود، وعلى العكس، السؤال عن الدازاين، هو اكتشاف معناه الأكثر عمقا كذازاين، أي كمكان يظهر فيه الوجود.
إن انفتاح الوجود يحفزه انفتاح الدازاين، مثل انفتاح الدازاين هو في انفتاح الوجود. وهذان الجانبان من نفس "الظاهرة" يحفزان بعضهما البعض بشكل متبادل وبشكل لا ينفصم "الإحساس بالوجود". هذا هو السبب في ان على الأنطولوجيا أن ترتكز على التحليل الوجودي للدازاين باعتباره البعد الذي يجعل من الممكن أن نطرح سؤال الوجود. وقد قمنا في الفصل السابق بتعريف كلمة "الوجود"؛ وبينا العلاقة القائمة بين الوجود، الحقيقة والحرية. إنما على حقيقة الوجود ذاته يحيل الدازاين، بحيث أنه يتحرك في الحقيقة التي تؤسس الماهية الأصلية للحرية. لكن الدازاين هو الحرية؛ والحقيقة لا تكون في علاقة وثيقة بالدازاين إلا على أساس الوجود نفسه. وهذا ما سمح لهايدجر بكتابة هذه الجمل الثلاثة الصغيرة الغامضة في كتاب "الوجود والزمان": "لا وجود - لا واجد - إلا بقدر ما توجد الحقيقة. هذه الاخيرة ليست سوى الدازاين. الوجود والحقيقة هما أصلان مشتركان." يكمن الفكر الهايدغري في تأكيد هذه العلاقات العميقة بين الوجود والموجود، بين الوجود والدازاين، والوجود والحقيقة. لهذا السبب، نؤكد أن الحقيقة والحرية، من حيث جوهرهما، هما نفس الشيء الواحد وتكونان بشكل مطلق البنية الأنطولوجية للإنسان. ومع ذلك، نواصل نهجنا، لأنه ما يزال هناك شيء آخر علينا تبيانه. رأينا أن الدازاين هو في الأساس كاشف. يظهر الموجود بتركه يوجد كما هو، أي يكون مُمنوحا للموجود في كليته. ولأن الحرية خضوع لم يعد الموجود في كليته يظهر لنا إلا بوجهه المتعالي كفهم مسبق يفتح أفق كل الواقع على شكل تطلع "دنيوي"، ولكن أيضا باعتباره بُعدا حقيقيا للموجود الذي يظهر دائما ضمن منفتح. ببقائه ضمن حدود الميتافيزيقا، ما يزال الوجود يسمى بالموجود في كليته.
تتضمن البنية الانطولوجية المسبقة للدازاين حضور الكينونة في الوجود ذاته، هكذا يكتب هايدجر: "الإنسان هو راعي أو انفراجة الوجود؛ عندما يتوقف عن التصلب على حريته باعتبارها الأساس النهائي لكل شيء، فهو يختبر نفسه باعتبار أن الوجود يطالبه بأن يكون مكان إنارته". إن جوهر الدازاين هو "الوقوف في ضوء الوجود"، فهو يسمح للوجود بالانكشاف. وجود الدازاين الذي به يتعلق الأمر في السؤال عن وجوده ذاته، يجب أن يُفهم انطلاقا من الوجود كوجود منفتح Ek-sistenz، أي من الوجود "المتعالي" الذي يصبح نور الوجود أو حقيقة الوجود من خلال إظهار نفسه في انفتاح الدازاين. في حد الدازاين هذا، يظهر حضور الوجود في جوهر الإنسان. الإنسان هو "هنا" (da) الوجود، مكان انكشافه. قلنا سابقا إن الدازاين حرية، وقبل أن يغلق الكاتب هذا البعد الأول، اقترح تفسير الحرية كشرط لإمكان ظاهرية الوجود في النقطة التالية.
الآن، حان وقت الحديث عن الحرية كشرط ممكن لوجود الموجود وفقا لهايدغر. تشكل الحرية جوهر كل موجود يكون قريبا من ذاته. جوهر الإنسان يعتبر المكان المتميز لتحديد الوجود بشكل عام ومن حيث ماهيته. في الفصل الثاني، عند معالجة ماهية الحرية الإنسانية، استشهدنا بكانط الذي يعرف الحرية كقوة موجود له وجود-سبب خاص ومتفرد (ص: 65 في النسخة الاصلية). فماذا لو أصبحت السببية، حتى بالمعنى الكانطي، مشكلة؟ السببية، مثل المقولات الأخرى للموجود التي في المتناول (vorhandenheit)، هي وفقا لكانط، خاصية موضوعية الأشياء. الأشياء هي الموجود كما هو متاح في التجربة النظرية كتجربة للإنسان المحدود. المقولات هي خصائص وجود الموجود المتجلي هكذا، تحديدات وجود الموجود، تسمح لهذا الموجود بأن يصبح متجليا في ذاته تبعا لجوانبه الأنطولوجية المختلفة. ومع ذلك، يقول هايدغر، لا يمكن للموجود أن يظهر من تلقاء ذاته، ولا يمكن حتى أن يتواجه كشيء إلا إذا كان ظهور الموجود، بالتالي، بالدرجة الأولى، ما يجعل مثل هذا الظهور ممكنا، فهم الوجود، له في حد ذاته خاصية الانفتاح على شيء ما. وهذا ما يسميه جاك تامينيو: الاختزال الفينومينولوجي. إنه يوحي بأن هذا الاختزال الفينومينولوجيي يعني، انطلاقا من فهم الموجود بغض النظر عن الطريقة التي يتم تحديده بها، إعادة توجيه النظرة الفينومينولوجية نحو فهم وجود هذا الموجود، أي نحو المشروع القائم على نمط لا تحجب هذا الوجود.
لنتركه-يفعل-التقابل لشيء كما تحدثنا عنه سابقاً، باعتباره معطى، يقال بطريقة أخرى: ظاهرية الموجود في الخاصية الإلزامية لوجوده-هكذا ولإنيته، لا تكون ممكنة فقط إلا عندما يكون السلوك تجاه الموجود من حيث هو كذلك سمة أساسية يتم بموجبها منح هذه الخاصية الإلزامية لما يمكن أن يوجد بطريقة أو بأخرى ظاهرة (لمعرفة نظرية أو معرفة عملية). لكن المنح المسبق للصفة الإلزامية، كما يؤكد هايدغر، هو أمر ذاتي، ارتباط بالذات: يجعل الارتباط ملزما لذاته، بمعنى آخر، باستعمال المعجم الكاتطي، فهو يمنح نفسه قانونا.
اتركه-يفعل-التقابل للموجود، السلوك تجاه الموجود بأي نمط كان من أنماط فاتحة الشهية لا يكون ممكنا إلا عندما تكون هناك حرية. هكذا إذن، بحسب هذه القراءة الكانطية، يمكننا أن نؤكد دون أدنى شك أن “الحرية هي شرط إمكان ظاهرية وجود الموجود، فهم الوجود. لكن تحديد وجود الموجود بين موجودات أخرى هو السببية. تتأسس السببية على الحرية. الحرية هي الماهية التي تضم الوجود-الإنسان وتنقله من طرف إلى طرف آخر؛ إنما إليها يجب على الإنسان أن يتوجه ليصبح إنسانا حقا، ومن هنا الاستنتاج: يقوم جوهر الإنسان على الحرية. وتبقى نقطة أخيرة يجب توضيحها: وهي موقف الفكر الهايدغري من اللاهوت الدوغمائي المسيحي.
لننتقل الآن إلى البعد الثاني: القطب اللاهوتي للفكر الهايدجري وتوافقه مع الرسالة الإنجيلية حول الحقيقة. يرى بعض المعلقين أن هايدجر، في رسالته، يبشر بالإلحاد. أما نحن فلسنا من هذا الرأي وسنحاول إلى حد ممكن، باستخدام نصوص هايدجر نفسه واخرى من الكتاب المقدس، إظهار أن رسالة الفيلسوف لا تؤثر سلبا على الرسالة الإنجيلية. سيتم تقديم هذه النصوص للقراء، ولذلك فهم مدعوون إلى المشاركة في النقاش. وبدون شرح مفصل، سوف نستخدم الطريقة المقارنة كما وعدنا بذلك، وسنترك الأمر للقراء لاستخلاص النتيجة. لننخرط في النقاش بالبدء أولاً بنصوص هايدجر. ليتكم تدركون القصد بوضوح. يتعلق الأمر بإثبات التوافق ولا شيء اكثر من ذلك: المفهوم الهايدجري عن الحقيقة يفتح منظورا على البعد الديني الذي بدا أن "الوجود والزمان" يستبعده.
في بداية كتابه: "مدخل إلى الميتافيزيقا" يطرح هايدغر السؤال التالي: "لماذا إذن يوجد الوجود وليس بالأحرى لا شيء؟. لماذا إذن يوجد الموجود..؟ لماذا، أي ما هو الأساس؟ من أي أساس يأتي الوجود؟ على أي أساس يقوم؟ نحو أي أساس يتجه الموحود؟ السؤال لا ينصب على هذا أوكذا أو ذاك من الموجود، على ما هو هنا أو هناك، على الطريقة التي ينشأ بها، على ما يمكن له تعديله، على استخداماته المحتملة، وما إلى ذلك. يبحث السائل عن أساس الموجود من حيث هو موجود. البحث عن الأساس، البحث عن القاع، ذلك يعني التعمق. ما تم وضعه موضع تساؤل يتعلق بأساسه وجوهره. الشخص الذي يعتبر الكتاب المقدس، مثلا، وحيا إلهيا وحقيقة إلهية (حقيقة نؤيدها)، يمتلك بالفعل، قبل كل طرح للسؤال: "لماذا يوجد الموجود وليس بالأحرى
لا شيء؟"، الجواب هو: إذا لم يكن الموجود هو الله نفسه فهو مخلوق من قبل الله. لله نفسه، بصفته الخالق غير المخلوق "موجود". في الفصل الثالث، عند عرض العلاقة بين الوجود والحقيقة، قمنا بتعريف الوجود بأنه phúsis، وفهمناه واستوعبناه كما يزدهر من تلقاء نفسه، كواقعة انتشاره وهو ينفتح، وفي مثل هذا الانتشار، إتجاز ظهوره، قيامه في هذا الظهور وبقائه فبه، باختصار، الهيمنة في ازدهار (انظر ص: 74 من النص الأصلي).
الفوسيس هو الوجود، بفضله وحده يصبح الموجود قابلا للملاحظة ويبقى كذلك. السؤال إرادة-معرفة، لكن ماذا تعني المعرفة؟ يجيب هايدجر: "المعرفة تعني أن تكون قادرا على الوقوف على الحقيقة". حقيقة الوجود هي ظهوره، انكشافه، خروجه إلى النور، أو باستخدام التعبير المسيحي: مجيئه إلى العالم. لنستمع إلى ما يقوله هايدجر عن الله: "إنما فقط انطلاقا من حقيقة الوجود، نستطيع أن نفكر في ماهية الألوهية، وأن نتفكر ونقول كلمة الله". إنما فقط باعتبار الوجود مستنيرا وتم اختباره وفق حقيقته، يمكن ان يظهر المقدس، الإلهي والله. الله هو المقياس الذي يجعل الإنسان يصل فورا إلى بعد عمرانه على الأرض. إنه "المجهول، اللا يمكن الوصول إليه، غير المرئي الذي يظهر من حيث هو كذلك (أي كما هو "موجود") في الإنسان وفي الأشياء المألوفة لذى الأخير. الوجود الهايدجري الذي يمكن وصفه على مستوى الإشكالية الفلسفية على وجه التحديد، من خلال السؤال: "لماذا هناك وجود وليس بالأحرى لا شيء"، مثل الذي لم يسبق له أبدا أن وجد بغير الموجود، يشير إلى مطلق كاشف يمكن أن يكون بكل حرية ظاهرا ومتحجبا في الوجود.
إن هبة الموجود من قبل الوجود كأساس محايث ليست سوى الجانب الجوهري من هبة أكثر أصالة، متعالية وحرة بالمطلق، من ذاك الذي يبقى "غير مسمى"، إذن فهذه مصداقية التأويل المصوغ هنا وفقا لبرتراند ريو تجد سندها في التحليل الذي أجرته مارلين زارادر حول الدين (بتسكين الياء) غير المفكر فيه عند هايدجر. هل من الوهم إذا شعرنا بأن عمل هايدجر تخترقه شحنة صوفية لا يمكن إنكارها؟ القاموس الذي يستخدمه، المليئ بالأصداء الدينية، هل يمكنه الارتباط بالوجود المحدود والتاريخي دون أن يخفي الأخير ما وراء كل التاريخ؟ وعندما يعتبر الإنسان حارس أو انفراجة الوجود، الذي أسندت إليه الاستجابة إلى هذه الهبة الحرة للوجود، الذي لا يوجد منفتحا إلا في التعرض للوجود، الذي يجب أن يرحب بفرح وامتنان بنعمة الوجود، كيف لا يمكننا استحضار الرجل المتدين الذي وضع نفسه تحت تصرف إلهه؟ ومع ذلك، إذا عدنا إلى تاريخ الفكر الأوروبي، نجد حينها أن السؤال عن الوجود، من حيث هو سؤال عن وجود الموجود، يطرح بصيغتين. يقتصي أولاً مع أرسطو: ما هو بشكل عام الموجود من حيث هو موجود؟ الاعتبارات المتعلقة بهذا السؤال تنتظم ضمن نطاق تاريخ الفلسفة تحت عنوان: الأنطولوجيا.
لكن السؤال: "ما هو الوجود؟" يقتضي أيضا: ما هو الموجود بمعنى الموجود الأسمى وكيف هو موجود؟ وهذا الموجود بمعنى الموجود الأسمى، نسميه: "الوجود" في حقيقته الخالصة. هكذا تفكر الميتافيزيقا في الموجود ضمن كينونته. تجد هذا الموجود في الإلهي، الذي يكمن في ذاته، اللاهوت. بهذه الطريقة لم تعد الميتافيزيقا التاسيس الوحيد للموجود في الوجود، أنطولوجيا، بل هي كذلك تأسيس الوجود في موجود أسمى، الإلهي، وبالتالي في اللاهوت (théologie). ولأنها بشكل عام تعطي الأساس، فهي Iogie-. بهذه الطريقة هي أنطو-ثيو-لوجيا.
من اللازم أن يتم بوضوح إحالة الطابع المزدوج للسؤال عن الوجود إلى الطريقة التي ينكشف بها وجود الموجود. ينكشف الوجود في خاصية نسميها الأساس (Gründ). الموجود بشكل عام هو الأساس بمعنى القاعدة (Boden) التي يقوم عليها كل اعتبار لاحق للموجود. الموجود من حيث هو موجود أسمى هو الأساس بمعنى ما يؤدي إلى وجود كل موجود. في سياق تاريخ التساؤل الأنطو-ثيو-لوجي، ظهرت، إلى جانب مهمة تبيان طببعة الموجود الأسمى، مهمة أخرى لإظهار أن الأكثر موجودا في الموجود هو أن الله موجود.
تشير مصطلحات الوجود (Existenz)، والوجود-هنا (Dasein)، والواقع (Wirklichkeit) إلى نمط من أنماط الوجود. لا حاجة بنا إلى القول إن هايدغر، وقد توصل إلى قول، فهم معنى الوجود أو حقيقة الوجود، يعبئ في الوقت نفسه جسده، مدافعا عن حقيقة الله، وجوده، وأنه أساس كل شيء؛ لأنه بالنسبة للمسيحي كينونة = وجود. لذلك سوف نجازف بالمعادلات التالية.
يظن الملتصقون بالحس المشترك أن الفلسفة هي العدو اللدود للإيمان. لكن، ما هو الإيمان عند هايدجر؟ في جملة قصيرة، يعرفه على النحو التالي: “الإيمان هو وسيلة للانعقاد في الحقيقة". لنلاحظ جيدا أننا أمام نفس التعريف الذي خص به المعرفة، ومن هنا جاءت المعادلة الصغيرة: إيمان = معرفة عند هايدجر. من يعرف حقا يستطيع أن يقول إن الله موجود. وبما أن الفيلسوف هو من يعرف، إذن حسب معادلتنا
لا يستطيع أن ينكر الإيمان، لأن إنكاره هو أيضا إنكار للمعرفة. كل الفلاسفة متفقون على هذه النقطة: تكون المعرفة دائما صحيحة، وإلا لن تكون معرفة. هكذا إذن لا يمكن ولا يجب أن يكون هناك أي تعارض بين الفيلسوف والإيمان. بعد ذلك، سوف نتطرق إلى المسألة الشائكة المتعلقة بالتزام هايدجر القومي الاشتراكي.
بمقارنة التعريفات التي أعطاها هايدغر للوجود والحقيقة، لم تعكس أقواله أي سلوك عنف تجاه تعاليم الإنجيل؛ سنبين ذلك من خلال بعدين: (1) طبقا لمعنى الوجود، و(2) طبقا لمعنى الحقيقة. فيم تتفق التصريحات الهيدجرية حول الوجود مع تعاليم الإنجيل؟ قلنا سابقا (انظر ص: 102 في النص الأصلي) إن الله من حيث هو خالق غير مخلوق "موجود"؛ الوجود "موجود". حقيقة الوجود أو الله، هي ظهوره، انكشافه، خروجه إلى النور.. الحقيقة تنتمي إلى ماهية الوجود. الوجود ينكشف كحضور دائم، بل "حاضر" يتحدث لغة العصر.
يقول هايدغر: عندما يبلغ الزمان ثراءه، يبلغ الوجود ذاته امتلاءه. يسمي هيدجر الزمان بأفق الوجود، والزمان بالنسبة إليه ليس هو الزمن الذي أوله أرسطو ميتافيزيقيا، أي انطلاقا من الوجود، كحضور (ousia) لتحديده بشكل قانوني على أنه سلسلة من اللحظات. مع توالي اللحظات، يتعارض حسب هايدجر، ، ذاك الذي يحتوي على كل الأشياء معا، من خلال تأسيسه زعما على لحظة الأبدية. يقول هايدغر بخلاف ذلك: الأكثر راديكالية من المتعاقب وحتى من الأبدي هو الحاضر الذي تحتضنه في ذاتها تسمية الوجود، الذي من خلاله يتلاقى الماضي والمستقبل معًا أو بالأحرى يتجاوبان بطريقة مختلفة تماما عما تقوله عبارة "تباعا". الحاضر، الماضي والمستقبل، بعيدا عن تشكيل متوالية، هم على نحو ثابت إلى حد ما معاصرون في عالم لا يمثل حاضره اللحظة العابرة، بل يمتد بعيدا بحيث يستجيب حاليا مستقبل لماض... من خلال التفكير في الوجود "تحت أفق الزمان" وليس العكس، يدعو هايدجر القارئ إلى التراجع عن الميتافيزيقا وسؤالها عن الوجود نحو فكرة أكثر راديكالية وهي، كما قال عام 1927، فكرة معنى الوجود أو حقيقة الوجود ذاته، التي من العجب أنها لا تظهر في مكانها الخاص إلا ضمن "انفراجة الزمان". وهذه أعجوبة يمكن مطابقتها مع أعجوبة الإنجيل.
والآن، ماذا عن التزام هايدجر القومي الاشتراكي في ضوء إصرار فكره على العلاقة بين وجود-حقيقة-حرية؟ هذا السؤال يقتضي الآن سؤالا آخر حقيقيا، يطرحه كل إنسان يحركه، في هذه الحالة، الاهتمام بالتفكير: ما الذي حدث لهايدجر عام 1933-1934، حتى ينقاد إلى دعم النظام الذي تم تأسيسه للتو دون تحفظ من خلال الوعد بـ "ثورة قومية اشتراكية"؟ قبل أن نتناول هذا السؤال الحارق، نود أن نوضح ما يلي: (1) رغم أن هايدجر لم يسحب بطاقة عضويته لمدة خمس سنوات تقريبا، فهناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن قناعات هايدجر في ما يتعلق بالأيديولوجيا القومية الاشتراكية لم تدم أكثر من سنة توليه رئاسة الجامعة، وهي السنة التي استقال في نهايتها. (2) تم إدراك الالتزام القومي الاشتراكي نفسه - بسذاجة دون شك - كالتزام بالهيمنة السياسية والثقافية لألمانيا في أوروبا، الهيمنة التي من خلالها كان على الأمة الألمانية أن تحقق حريتها وحقيقتها. ولكن هذا لا يصل إلى العلاقة الأساسية التي يقيمها الفيلسوف بين الحقيقة والحرية. وفي ما يلي شرح هاتين القضيتين.
(1) لفهم انخراط مارتن هايدغر في الاشتراكية القومية وأنشطتها في ظل نظام هتلر، سيكون من الضروري الاهتمام بتحليل الحركة الطلابية في الجامعات الألمانية. وهذا قد يسمح لنا بالمشاركة بشكل أفضل في النقاش حول إصلاح الجامعة والمواجهات التي أطلقها. إنما في علاقة بهذين المشكلين، يؤكد فيكتور فارياس، سيتخذ مارتن هايدجر قرار الانخراط بوضوح في المعركة السياسية. وقد لاحظ هتلر التوجه السياسي لحركة الشباب، ولا سيما الحركة الطلابية، وقدرتها على التوسع منذ عام 1930. وأشار إلى اختراق حزبه صفوف الطلاب: تجاوز عدد مناضليه بكثير عدد المجموعات الجامعية المنظمة الأخرى مثل المنظمات القومية الإشتراكية غير الطلابية. ومن المؤكد أن أساتذة الفلسفة والتاريخ والاقتصاد كان معظمهم مقتنعين بأن الشعب الألماني هو "شعب ميتافيزيقي في معارضة عنيفة لسطحية الغرب الديمقراطي." كما يشير فرانسوا فيدييه في: "هايدجر، تشريح الفضيحة"، بعد حرب عام 1946 مباشرة، كتب جان بوفريه رسالة إلى هايدجر، سأله فيها هذا السؤال: "كيف نعيد إعطاء معنى لكلمة إنسانية"؟ إذا لم يُفهم هذا السؤال على حقيقته، أي كسؤال يطرحه التاريخ الحديث، وعلى وجه الخصوص، الرؤية التي كانت لنظام هتلر وأتباعه، تعظم المجازفة بعدم الاستماع إلى جواب هايدجر. ذلك أن "رسالة في النزعة الإنسانية" تجيب على هذا السؤال. هذه الرسالة، وفقا لفرانسوا فيدييه، ليست على الإطلاق رسالة ضد الإنسانية (مثلما أن فكر هايدغر الأخير ليس ضد الميتافيزيقا، ولا ضد التكنولوجيا). الجواب نجده في الصفحة 345 من المجلد التاسع من الطبعة الكاملة، ننقله حرفيا كما يلي:
"إعادة إعطاء معنى بكلمة [الإنسانية] لا يمكن أن يعني إلا ما يأتي: إعادة تحديد معناه. هذا يتطلب، من ناحية، القيام بتجربة نمط وجود خاص بالإنسان بطريقة أكثر أصالة؛ الشيء الذي يعني، من ناحية أخرى، إظهار إلى أي مدى هذا النمط من الوجود، على طريقته، مرتبط بمصير".
ماذا تعني تجربة نمط الوجود التي تحقق الإنسانية في الإنسان؟ هل يمكننا القيام بهذه التجربة دون أن نكون، بهذا المعنى الأصلي، ملزمين بالوجود؟ هل ما زال من الممكن، هناك، التمييز بين الممارسة والنظرية، مثلا؟ في نفس الكتاب، يقول هايدغر: "الفكر يفعل في هذا الذي يفكر فيه". ومن الواضح أنه في عام 1933، مع الأخذ في الاعتبار توليه رئاسة الجامعة، أراد هايدغر التفكير أكثر من مجرد الفعل. أراد أن ينقل الفكر إلى الواقع، ليس كما يمكننا أن نقرأ هنا وهناك، من خلال الرغبة في ممارسة سلطة؛ أو حتى وفقًا لصيغة أوتو بوجيلر، من خلال الرغبة في "توجيه هتلر". من الضروري أن نفهم ما أراده هايدجر نفسه، حتى لو كان ذلك يعني التساؤل في ما بعد عما إذا كان من المشروع بالنسبة إليه أن يريد ذلك في عام 1933.
لكن ما كان يريده هو ثورة في الجامعة الألمانية لجعلها قادرة على تربية "قادة المستقبل والأوصياء على مصير الشعب الألماني". نعثر هنا مرة أخرى على كلمة المصير. في عام 1946، أعلن هايدجر أنه من أجل إعادة إعطاء معنى للإنسانية وفق تحديد جديد تماما لجوهره، ذلك الذي يقدمه تحت اسم الدازاين (الوجود-هنا) (على اعتبار أن الأساسي على وجه التحديد هو تجربة وجود هذا هنا - تجربة يمكن بل يجب أن تقال بكل اللغات)، ما يعني في نفس الوقت إظهار العلاقة الضرورية للدازاين بمصير. إذا كان لدينا أدنى تردد تجاه هذه الكلمة (المصير)، فلنستبدلها بالتاريخ، بشرط أن ندركه أكثر من مجرد تسلسل زمني بسيط: كبعد محدد نكون فيه (جميع البشر)، إذا كان حاضرنا الحقيقي مؤهلا بالفعل لجعل المستقبل ممكنًا بما يتناسب مع ما ورثناه. إن اختيار تسمية هذا البعد مصيرا وليس تاريخا، وفقا لما قاله فرانسوا فيدييه، هو طريقة هايدجر لتوضيح حقيقة أننا لسنا "في" التاريخ، بل إن لنا بعدا، أي أننا نقف في "الزمان" على قدر محدد ما نكون قادرين، وقد صرنا متلقين للمصير، على معرفة الذي يصير. ونعلم أيضًا أن مارتن هايدجر ألقى يوم 13 نونبر 1935 في فريبورغ محاضرة بعنوان: "في أصل العمل الفني". في الفقرة 30 من الجزء الثاني من المحاضرة نقرأ: "الإثنيات والأعراق، تزداد قوتها بالاتحاد، عندما تعي جيدا ما يعود إلى مهمتها؛ بمعنى تصبح تاريخية وهي تنظر نحو المستقبل".
ذلك ما قاله هايدغر بعد عام ونصف من استقالته من رئاسة الجامعة، وبالضبط بعد ثمانية أسابيع من صدور قوانين نورمبرغ، التي تقوم على مبدإ الفصل المنصوص عليه في القانون، بين كامل المواطنين على حدة؛ أي المواطنين الذين يجري في عروقهم الدم الألماني أو ذوي القربى، والمواطنين من الدرجة الثانية الذين لا يتمتعون يحقوق سياسية.
لإنهاء هذا الجزء الأول، يبدو من الضروري أن نستشهد بتصريح آخر لهايدغر عن الأيديولوجيا النازية. آلان بولوك في كتابه "هتلر" (ر. ص. 394) يخبرنا بأن: "ما سعى هتلر إلى التعبير عنه بكلمة "العرق" هو إيمانه بعدم المساواة - بين الشعوب والأفراد - كقانون طبيعي لا يرحم". إن مفهوم العرق، عند النازيين، طبيعي، وجسدي بحت. الدم هو أولا الدعامة المادية. بهذا المعنى، هناك في النازية تماما اختزال للأيديولوجيا: كل كنوز الحضارة والفن ليست في نظر النازيين إلا تعبيرا عن العرق المتفوق.
ما موقف هايدجر من هذه الأيديولوجيا؟ نلاحظ منذ عام 1934، في محاضراته، أن مؤلف كتاب "الوجود والزمان" يعارض عمدا مثل هذا الاختزال البيولوجي. ما قاله وردده هو أن تأسيس الحركة الثورية على مفهوم العرق نصف إجراء. وطالما لا نعرف إلى أي مدى كان هايدجر مفكرا ثوريا براديكالية نادرة، لن نكون قادرين على فهم أي شيء عن التزامه السياسي. راديكاليته ليست سياسية في المقام الأول. ومن المحتمل جدا أن هايدجر عرف في وقت مبكر جدا ما في تداعيات اكتشفاته مع تقدمه في عمله من أمور مزعجة تماما: أولاً، الحدس حول الرابطة الوثقى التي تربط وفق إيقاع البشر ب"الحقيقة" بالمعنى اليوناني لكلمة alèthèia - بحيث يعني الوجود بالنسبة إلى لإنسان الوجود في علاقة بالحقيقة - (alètheuein)، وذلك الوجود بفضل الحقيقة يصبح هو نفس تعريف الفكر. وهذا يقودنا إلى شرح النقطة الثانية.
دراسته باستمرار قائمة على منحة من أحد الأمراء، وكانت النتيجة المحتومة لهذا النزاع الديني، العداوة الاجتماعية. وأهم ما قاله كاتب المقال أن تحولات حدثت في تفكير هايدغر تغيرت بناء عليها نظرته إلى النازية، حيث كان يرى أن أجهزة الدعاية التابعة للدولة النازية أشبه بميتافيزيقا بديلة عن ميتافيزيقا الوجود، لكنها ميتافيزيقا صاخبة تعبر عن العدمية الكبرى، وحتى الدعاية التي يقوم بها الشعب تقع في ذلك السياق. من هذه الزاوية فإن النازية تعبير عن خراب العالم وتدمير الأرض.
المرجع نفسه