خاتمة كتابي الوشيك الصدور حول “فينومينولوجيا الروح” لهيغل


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 18:55
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

يُعدّ كتاب “فينومينولوجيا الروح” لهيغل بلا شكّ أحد أكثر الأعمال الفلسفية الحديثة ثوريةً، إلى جانب كتاب “نقد العقل الخالص” لكانط، وفقًا لليفيناس. وهو عملٌ شديد الكثافة، مفاهيميٌّ، وغامض، وقد أثّر بشكلٍ ملحوظ على مدارس فكرية في القرنين التاسع عشر والعشرين (الماركسية والمثالية). وقد تأخر استقباله في فرنسا؛ إذ توجد ترجمات فرنسية عديدة له: ترجمة جان وال عام 1929، وترجمة ألكسندر كوجيف عام 1939، وترجمة جان هيبوليت عامي 1939 و1941، وترجمة جان بيير لوفيفر عام 1991، وترجمة بيير جان لاباريير عام 1993، وأخيرًا ترجمة برنارد بورجوا عام 2006. وقد حظي هذا العمل بالتعليق منذ ثلاثينيات القرن العشرين.
إن الدراسة العقلانية والعلمية للوعي (Bewusstein) هي في الواقع فينومينولوجيا الروح. بعبارة أخرى، هي دراسة الروح في ظاهرتها (Erscheinung) أو في مظهرها (erscheinen). موضوعها هو الظهور الواعي للروح لذاتها. الوعي، بمفهومه هنا، هو المظهر الظاهري للذات من حيث علاقتها بالموضوع. عندما يكون موضوع هذه الدراسة هو العلاقة الداخلية للروح بذاتها، تُسمى علم النفس.
لذا، فإن الفينومينولوجيا هي “العلم بتجربة الوعي”. يصف هيغل التطور الجدلي للوعي من خلال التفاعل بين النفي المتتالي. بدءا من التضاد المباشر الأول بينه وبين الموضوع، ثم الوعي الذاتي، والعقل، والروح، والدين، وصولًا إلى المعرفة المطلقة التي “يتطابق فيها المفهوم مع الموضوع والموضوع مع المفهوم”. هذه المعرفة الأخيرة، وفقا لهيغل، هي معرفة الوجود في كليته، واستبطان الموضوع، أو هوية موضوع الفكر ونشاط المعرفة الذي تكون نتيجته الموضوع نفسه.
يمثل كتاب “فينومينولوجيا الروح” نقطة تحول حاسمة في مسار هيغل الفلسفي، حيث أنه منذ وصوله إلى جامعة يينا عام 1800، بدعوة من شيلينغ، دافع عن النسق الفلسفي للأخير، وعلى مدى السنوات القليلة التالية، طور تدريجيًا نسقا مختلفا تماما. ظلت الترسيمات التخطيطية للأنساق التي كرس لها كل طاقته الفكرية خلال فترة التدريس في جامعة يينا بمثابة جذاذات محاضرات ولم يتم نشرها إلا بعد فترة طويلة من وفاته. كان ذلك فقط في نهاية إقامته في يينا، مع نشر كتاب “فينومينولوجيا الروح” في عام 1807، كرس هيغل نفسه علنا فيلسوفا أصيلا. إن مقدمة هذا العمل، والتي هي في الواقع مقدمة للنسق بأكمله، المختلفة عن المقدمة الاعتيادية، هي في جزء منها نص قطيعة مع شيلينغ، الذي كان مشروعه الفلسفي في ذلك الوقت هو التفكير في كل الأشياء من حيث المطلق، وكذا من حيث النهج، الانطلاق من الحدس الفكري للمطلق ثم المضي قدماً في بناء قبلي للواقع في مجموعه، كانت موضوع انتقادات قوية وساخرة في بعض الأحيان. وهكذا أثبت هيغل أن من يظن أن “كل شيء واحد في المطلق، في الـA=A”، يعني “أنه يضفي مطلقه على الليل الذي تكون فيها جميع الأبقار سوداء، كما نقول عادة”. وأضاف أنه من الجدير التساؤل عما إذا كان “الحدس الفكري لا يقع […] في البساطة الخاملة ولا يقدم الفعالية نفسها بطريقة غير فعالة”. كما أنه أدان شكلية الطريقة التي تسعى إلى بناء جميع الظواهر من صيغة واحدة.
بعيدًا عن الجدل الدائر مع شيلينغ، تشرح المقدمة الوظيفتين الرئيسيتين لـ”فينومينولوجيا الروح”: إنها مقدمة والجزء الأول من النسق الفلسفي الذي أعلن هيغل عن مشروعه. إنها مقدمة له، لأن دورها هو تبرير نوع المعرفة التي تم تطويرها في بقية النسق وإتاحتها، وهو نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة المطلقة. إنها تشكل أصلا الجزء الأول، ذلك لأنها، على غرار الجزء الثاني من النسق، تقترح الدراسة “العلمية” لموضوع تجربة الوعي. وفي ضوء هذه الوظيفة المزدوجة يتم تعريف “فينومينولوجيا الروح” الناقل كعنوان فرعي على الغلاف: “علم تجربة الوعي”.
لماذا سمي هذا العلم بـ”فينومينولوجيا (الروح)؟ مصطلح “فينومينولوجيا” ابتكره يوهان هاينريش لامبرت في كتابه “الأورغانون الجديد” (1764)، لتسمية “نظرية المظهر”، بمعنى الوهم المعارض للحقيقة. وبهذا المعنى، وليس بالمعنى المعاصر لوصف تشكل الظاهراتية، يجب علينا أن نفهم الفكرة الهيغلية عن “الفينومينولوجيا”.
يفحص “فينومينولوجيا الروح” كيف “تظهر” المعرفة للروح، للوعي، مع العلم أنها تظهر له في بادئ الأمر في شكل مضلل. إنه يدرس المفاهيم المختلفة للمعرفة – الحسية، التجريبية، الأرسطية، النيوتونية، المثالية، إلخ.. – والتي تحتوي جميعها على عنصر الحقيقة، دون أن تكون بالضرورة معرفة حقيقية. لكن على عكس لامبرت، رفض هيغل تقديم تعارض واضح بين دراسة المظهر ودراسة الحقيقة، كما لو كانا عنصرين غير متجانسين مثل الزيت والماء: المعرفة التي تظهر لا تحتوي بالفعل على الصواب فحسب، بحيث يكون هناك صواب في خطإ، ولكن أيضًا دراسة هذا الخطإ هي الطريق الوحيد الذي يسمح للوعي بالوصول إلى الحقيقة. ومن ثم ف”فينومينولوجيا الروح” نظرية صارمة ومنهجية (وبهذا المعنى “علمية”) عن التجارب التي يدرك خلالها الوعي أن ما اعتبره معرفة حقيقية ليس سوى وهم معرفة. والقارئ مدعو لإجراء هذه التجارب بنفسه ليدرك عدم كفاية أنواع المعرفة المختلفة غير المعرفة التأملية، ويكتشف أن الحقيقة لا يمكن تقديمها بشكل مرض إلا من خلال تبني وجهة النظر. وجهة نظر مكشوفة في الفصل الأخير من التكهنات، وهذا يعني المعرفة المطلقة التي هي التغلب على معارضة الذات والموضوع الذي ينحصر فيه الوعي.
مأخوذة بهذا المعنى، “فينومينولوجيا الروح” هي الطريقة التي سعى بها هيغل إلى حل مشكلة بداية الفلسفة. بدلًا من أن نفترض مثل شيلينغ قدرة لدى من يتمتعون بحس فلسفي طبيعي على إدراك المطلق من خلال الحدس الفكري، واستنتاج المعرفة الحقيقية من هناك.، تهدف إلى تقديم وسيلة تسمح لكل فرد بفهم حدود معرفته الخاصة وفهم طبيعة ومبررات نوع المعرفة التي يجب تطويرها في باقي أجزاء النسق: المعرفة المطلقة، والتي هي بالتالي نتيجة وليست نقطة انطلاق. ويرى هيغل أن “للفرد الحق في أن يطالب العلم بتوسيع نطاقه ليسمح له بالوصول على الأقل إلى وجهة نظر [ه]” وإنما على شكل “فينومينولوجيا الروح” قصد إلى تأكيد هذا الحق.
إذا قدم “فينومينولوجيا الروح” نفسه على أنه المقدمة والجزء الأول من النسق، وذلك بعد عشر سنوات فقط، في الطبعة الأولى من “موسوعة العلوم الفلسفية” (1817) (يعود تاريخ طبعتين أخريين إلى عامي 1827 و1830)، قدم هيغل عرضا عاما لهذا النسق بأكمله، مقسما إياه إلى علم المنطق وفلسفة الطبيعة وفلسفة العقل. في نسق تكون على هذا النحو، تحتل فكرة “فينومينولوجيا الروح” موقعين متميزين. فمن ناحية يذكر هيغل كتابه الصادر عام 1807 في مقدمة الموسوعة معتبرا إياه بأنه “التاريخ العلمي للوعي[…] الجزء الأول من الفلسفة”. وهو ما يجب أن يسبق العلم البحت ويولد مفهومه. ومن ناحية أخرى، يضيف أن “فينومينولوجيا الروح” أصبح “حلقة عضوية في دائرة الفلسفة”، وهي قسم من فلسفة العقل يقع بين الأنثروبولوجيا، التي تتمحور حول مفهوم الروح، وعلم النفس، المكرس للعقل الذاتي و”ملكاته”. ثم أخذ شكلاً أكثر تقييدا من “فينومينولوجيا الروح” لعام 1807 حيث لم نجد فيه سوى لحظات “الوعي” و”الوعي الذاتي” و”العقل”. وهذا يعني فقط الفصول الخمسة الأولى من عمل عام 1807 الذي تضمن ثمانية، فيما تم تلخيص الفصل الخامس إلى أقصى الحدود.
في وقت مبكر جدا من تاريخ الهيغلية، أولا لدى ديفيد فريدريش شتراوس ثم لدى كارل ماركس، كان السعي حثيثا إلى معارضة الأفكار الفلسفية التي تم الدفاع عنها في “فينومينولوجيا الروح” بتلك الخاصة بنسق “الموسوعة”، وقد اعتبرنا في بعض الأحيان أن “فينومينولوجيا الروح” كان هو الإنتاج الأخير لهيغل الشاب الذي حل محله هيغل الكهل. في مقابل هذا الخط التأويلي، لنؤكد على أن “فينومينولوجيا الروح” هو ما يراد له أن يكون: الجزء الأول والمقدمة التأسيسية لنسق النضج.
في بداية المجلد الأول من “علم المنطق” لعام 1812، أشار هيغل بالفعل إلى أن وجهة نظر المنطق “تفترض” المعرفة المطلقة وبالتالي فإن “فينومينولوجيا الروح” هو ما يؤدي إليها ويبررها، وقد تم التأكيد على هذا الارتباط بعد حوالي عشرين عاما في الطبعة الثانية لهذا الحزء. إن حقيقة أن هيغل لم ينكر أبدا مؤلفه لعام 1807 تؤكدها أيضا حقيقة أنه بدأ في إعداد إصدار جديد له قبل أن توقف وفاته، في عام 1831، هذا العمل الذي لم يتجاوز مراجعة طفيفة للمقدمة.
في فرنسا على وجه الخصوص، بعد المحاضرات التي ألقاها ألكسندر كوجيف حول “فينومينولوجيا الروح” في مدرسة الدراسات العليا من 1933 إلى 1939، تمت في الغالب قراءة هذا العمل على أنه عمل مستقل يجب دراسته في حد ذاته، بغض النظر عن علاقته ببقية النسق. يعتمد هذا الموقف التأويلي أحيانا على الأطروحة، التي دعمها في البداية تيودور هيرينج، والتي بموجبها سمح هيغل لنفسه بالانجذاب، أثناء الكتابة، إلى برنامج أكبر حجما من ذلك الذي حدده في البداية في المقدمة، والذي يبدو أنه يجب أن يتوقف عند التحليلات المخصصة للعقل (الفصل 5)، أو حتى للعقل الملاحظ (القسم أ من هذا الفصل نفسه).
ومن الواضح أن مقدمة “فينومينولوجيا الروح” المكتوبة بعد الفراغ من المخطوطة لم تكتف بكل بساطة بأن عينت لهذا العمل وظيفة منطقية لتبرير بداية النسق ووظيفة تربوية للرقي بالوعي إلى المعرفة المطلقة. إنما منحته وظيفة منهجية لكشف كل المعرفة في عنصر “المعرفة الظاهرة” ووظيفة تاريخية: المشاركة في قدوم فترة جديدة، ومنح العصر وعيه الذاتي، كما جاء في الفصل الثامن من هذا الكتاب. هيجل نفسه فسر هذا الامتداد لمشروع كتابه أبعد من التحليل الشكلي للوعي في الفقرة 25 من طبعة 1830 لكتابه “الموسوعة”:
[في كتابي “فينومينولوجيا الروح” الذي تم لهذا السبب تحديده خلال طباعته باعتباره الجزء الأول من نسق العلم، أن سلوك الطريق التي تقتضي البدء بأسبق وأبسط ظهور للعقل، الوعي المباشر، وتطوير جدليتها إلى وجهة نظر العلم الفلسفي، الذي تظهر ضرورته من خلال هذا التقدم. ولكن لهذا، لم نتمكن من البقاء مع الكائن الشكلي للوعي البسيط؛ لأن وجهة نظر المعرفة الفلسفية هي في نفس الوقت الأغنى بالمحتوى الأساسي والأكثر واقعية؛ وبالتالي، بعد ظهورها نتيجة لذلك، فإنها تفترض أيضا الأشكال الملموسة للوعي، مثل [أشكال] الأخلاق، الحياة الأخلاقية، الفن، والدين. يقع تطور المحتوى الأساسي، تطور متعارضات الأجزاء الخاصة بالعلم الفلسفي، في نفس الوقت ضمن هذا التطور للوعي، الذي بدا في البداية مقتصرا فقط على الوجود الشكلي [للوعي]].
في تطوره الكامل، يبدو “فينومينولوجيا الروح” في الواقع متوافقا بشكل أفضل مع المشروع الموصوف في التقديم منه مع المشروع الأكثر تقييدا المقدم في المقدمة، ولكن مما لا شك فيه أنه بحكم الضرورة الداخلية لتحقيق مشروع المقدمة تحول إلى برنامج أكثر طموحا، كما يقترح جان هيبوليت على وجه الخصوص،وهو الذي ندين له، بالإضافة إلى التعليق الكامل، بالترجمة الفرنسية الأولى للعمل بعد مرور قرن ونصف تقريبا على نشر الكتاب. وأعقب هذا العمل الرائد ما لا يقل عن ثلاث ترجمات أخرى أظهرت الاهتمام المتزايد بهذا المؤلف في المشهد الفلسفي الناطق بالفرنسية.
تبدأ المساهمات التي يتكون منها هذا الكتاب الجماعي من مشروع “علم بتجربة الوعي” المعروض في المقدمة، قبل إعادة بناء المراحل المختلفة لتحقيقه، فصلاً بعد فصل، مع استحضار موضوعات التقديم، عندما يكون ذلك ضروريا لـفهم جيد للنص، والإشارة أحيانًا إلى النسق الذي تم تطويره لاحقا إما للكشف عن خصوصية المواقف التي تم الدفاع عنها عام 1807، أو لتسليط الضوء على المواقف الأخيرة من خلال إعادات صياغة لاحقة.
يتعلق الأمر بتقديم دليل قراءة، سلم للدخول، من أجل أخذ صورة هيغلية لأحد أشهر النصوص، لكن الأكثر إرباكا كذلك، من حيث شكله وتنوع الموضوعات التي تناولها، في تاريخ الفلسفة.
أسلوب هذا الكتاب على درجة كبيرة من التجريد جنت عليه سوء السمعة أحيانا لدى برتراند راسل مثلا، وجعلت البعض ينعته بالغموض في بعض الأحيان. على وجه التحديد، تواجه قراءة هذا الكتاب عقبتين محددتين يهدف هذا الكتاب الجماعي إلى المساعدة في التغلب عليهما.
العقبة الأولى هي أن هيغل تبنى المفهوم الفيشتي للكتابة الفلسفية كدعوة للقارئ إلى أن يفكر بنفسه في ما تم التعبير عنه بالكتابة، وهو يعيد بناء معناه بواسطة عملياته الفكرية الخاصة. فأن يُنظر إلى “فينومينولوجيا الروح” على أنه دعوة إلى إعادة إنتاج سلسلة من التجارب من خلال الفكر، فذلك يمثل قوة دافعة رئيسية لبعده التكويني التربوي، وبالتالي يجعله قابلا لمقارنته برواية تعليمية. ولكن ذلك يفسر أيضا، على نحو متناقض، الجانب غير التعليمي للغاية للعمل الذي لا يقدم نفسه على أنه تطور تدريجي لأطروحة ولكن كسلسلة من الإخفاقات وسلسلة من التطورات الدائرية التي تعود بشكل دوري إلى نفس النقاط التي يتم تناولها من وجهات نظر مختلفة (مقدمة “الموسوعة” تقدم النسق على أنه “دائرة من الدوائر”). وبالتالي فإن قراءة هذا الكتاب لا تعني فقط السعي إلى فهم ما هو مكتوب عليه، بل تعني التفكير بنفسك في عمليات التفكير الموصوفة طيه، وقبول الضياع في تجارب الفشل التي تؤدي إليها أنواع مختلفة من المعرفة التي تم تقديمها بين ثناياه. ولذلك فإن دليل القراءة الذي يحدد الأهداف المحددة والتنظيم الداخلي لكل فصل مفيد جدًا للعثور على طريقك: سعى كل مشارك إلى تقديم هذه التفاصيل.
المصدر الثاني للصعوبة يكمن في حقيقة أن المقاطع السجالية الواردة في “فينومينولوجيا الروح”، وعلى الرغم من كثرة عددها، إلا أنها نادرا ما تذكر أسماء الخصوم المستهدفين. مارس هيغل ما يمكن أن نسميه أسلوب الإحالة الضمنية، الشائع في عصره، والذي يتمثل في تحليل المؤلفين والتعليق عليهم وانتقادهم دون الاستشهاد بهم. من هنا المؤشر الاسمي الذي يحتوي على عشرة هوامش فقط في كتاب يزيد عدد صفحاته عن ستمائة صفحة!
لا تنبع الإحالات الضمنية من تاريخ الفلسفة القديمة والحديثة فحسب، بل من مجالات متنوعة كالأدب، تاريخ الفن، تاريخ الأديان، التاريخ السياسي، وتاريخ العلوم، كما هي في أحدث تطوراتها في زمن هيغل. لقد سعى كل مؤلف مشارك في هذا الكتاب إلى فك رموز الإشارات الفلسفية وغير الفلسفية التي يستحضرها شكل الوعي المدروس في فصل، أو في قسم منه، تولى مسؤوليته، وذلك لتفسير المكانة التي تحتلها هذا الشكل كمرحلة محددة في الحجاج العام، ولتوضيح المنطق الداخلي لتطوره. كما تُذكر، في بعض الحالات، تعليقات وتفسيرات كلاسية، بدءا من هايدغر، الذي يحاول وضع العمل ضمن تاريخ ميتافيزيقا الذاتية، وصولًا إلى قراءات إبستينولوجية وبراغماتية أحدث لفلاسفة أنجلو ساكسون مثل روبرت بيبين، وتيري بينكارد، وروبرت براندون، والتي تُجسد ما يُشار إليه عادةً عبر المحيط الأطلسي باسم “نهضة هيغل”.
وبعيدًا عن هدفه الأساسي، وهو توفير أدوات لاكتشاف أو تعميق فهمنا لـ”فينومينولوجيا الروح”، يدعونا هذا الكتاب إلى تقدير تنوع الاستخدامات والمناقشات الفلسفية التي خضع لها هذا العمل الثري والمتعدد الأوجه منذ نشره في أول مرة.