القاتل الاقتصادي جون بيركنس يعترف بجرائمه


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 20:12
المحور: الادارة و الاقتصاد     

قبل ثمانية وعشرين عاما عامًا، نشر جون بيركنس كتابه “اعترافات قاتل اقتصادي”، وسرعان ما احتل عمله هذا قائمة الكتب الأكثر مبيعا مباشرة بعد نشره. فيه يصف بيركنس حياته المهنية التي كانت تقتضي إقناع رؤساء الدول بتبني سياسات اقتصادية أدت إلى إفقار بلدانهم وتقويض المؤسسات الديمقراطية. وساعدت هذه السياسات في إثراء مجموعات النخبة المحلية الصغيرة، في حين عملت على ملء جيوب الشركات العابرة القارات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها.
يعترف بيركنس بأنه تم تجنيده من قبل وكالة الأمن القومي، لكنه كان يعمل في شركة استشارية خاصة. وكانت وظيفته كخبير اقتصادي غير مدرب ويتقاضى أجوراً زائدة نظير إعداد تقارير تبرر العقود المربحة للشركات الأميركية، في حين تغرق الدول الضعيفة في الديون. وشهدت البلدان التي لم تتعاون تشديد الخناق على اقتصاداتها. ففي الشيلي، على سبيل المثال، دعا الرئيس ريتشارد نيكسون وكالة المخابرات المركزية إلى جعل الاقتصاد يصرخ لتقويض آفاق سلفادور أليندي، الرئيس المنتخب ديمقراطياً.
ويقول بيركنس إنه إذا لم تنجح الضغوط والتهديدات الاقتصادية، يتم استدعاء أبناء آوى إما للإطاحة برؤساء الدول غير الممتثلين أو اغتيالهم. وهذا بالفعل ما حدث لأليندي، بدعم من وكالة المخابرات المركزية.
كان كتاب بيركنس مثيرا للجدل، وقد شكك البعض في بعض ادعاءاته، بما في ذلك، مثلا، أن وكالة الأمن القومي كانت متورطة في أنشطة تتجاوز صنع التعليمات البرمجية وكسرها.
في غضون عام 2016، أعاد بيركنس إصدار كتابه بتحديثات كبيرة. تظل الفرضية الأساسية للكتاب كما هي، لكن التحديث أوضح كيف تطور نهج القاتل الاقتصادي في السنوات الـ12 الماضية. ومن بين أمور أخرى، أصبحت المدن الأمريكية الآن على القائمة المستهدفة. إن الجمع بين الديون، والتقشف القسري، ونقص الاستثمار، والخصخصة، وتقويض الحكومات المنتخبة ديمقراطيا ظل يحدث حتى ذلك الحين، وربما حتى الآن.
في مارس من السنة المذكورة سابقا، أجرت الصحافية سارة فان جيلدر مقابلة مع بيركنس في منزله بمنطقة سياتل.
في البداية، سألت سارة فان جيلدر القاتل الاقتصادي عما الذي تغير في عالمنا منذ أن كتابه السالف الذكر. في جوابه أشار إلى أن الأمور أصبحت أسوأ بكثير في السنوات الـ12 الماضية منذ السنة الأولى التي نشر فيها اعترافاته، مؤكدا توسع القتلة الاقتصاديين وأبناء آوى بشكل هائل، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا.
وأضاف أنهم في أيامهم الأولى كانوا مقتصرين إلى حد كبير على ما يسمى بالعالم الثالث، أو البلدان النامية اقتصاديًا، ولكن الآن أصبح الأمر في كل مكان. وفي الواقع، انتشر سرطان إمبراطورية الشركات إلى ما يمكن أن أسميه اقتصاد الموت العالمي الفاشل. هذا اقتصاد يعتمد على تدمير الموارد ذاتها التي يعتمد عليها، وعلى الجيش. لقد أصبح عالميا تماما، وهو افتصاد فاشل.
في سؤال ثان، أرادت سارة أن تعرف كيف تحول ذلك من كون الغرب الرأسمالي مستفيدا، ربما في الماضي، من هذا الاقتصاد القاتل، إلى كونه الآن أكبر ضحاياه. فقال بيركنس إن الأمر كان مثيرا للاهتمام لأنه، في الماضي، كان يتم نشر الاقتصاد القاتل من أجل جعل أمريكا أكثر ثراءً، ومن المفترض أن يجعل ذلك الناس هنا أفضل حالًا، ولكن مع توسع هذه العملية برمتها في الولايات المتحدة وأوروبا، فإن ما انتهوا إليه هو رؤية نمو هائل في عدد الأثرياء على حساب الجميع. وعلى مستوى عالمي، نعلم الآن أن 62 فرداً يمتلكون أصولاً تعادل نصف سكان العالم.
لقد رأينا بالطبع في الولايات المتحدة كيف أن حكومتها مجمدة، لكنها لا تعمل. إنها تسيطر عليها الشركات الكبرى وقد استحوذت عليها بالفعل، وتبين بالتالي أن السوق الجديدة، المورد الجديد، هو الولايات المتحدة وأوروبا، والأشياء الفظيعة التي حدثت لليونان وأيرلندا وأيسلندا، تحدث الآن هنا في الولايات المتحدة. وأضاف أننا اليوم أمام هذا الوضع حيث يمكننا الحصول على ما يظهر إحصائيا نموا اقتصاديا، وفي الوقت نفسه زيادة حبس الرهن العقاري على المنازل والبطالة.
ثم سألت الصحافية ضيفها عما إذا كان هذا هو نفس النوع من الدينامية في ما يتعلق بالديون التي تؤول إلى مديري الطوارئ الذين يقومون بعد ذلك بتسليم مقاليد الاقتصاد إلى المؤسسات الخاصة، وهل يقع نفس الشيء في دول العالم الثالث.
أجاب بيركنس بالأيجاب، مضيفا أنه عندما كان قاتلا اقتصاديا من القتلة، أحد الأشياء التي قاموا بها هو أنهم جمعوا هذه القروض الضخمة لهذه البلدان، لكن الأموال لم تذهب أبدا إلى البلدان، بل ذهبت إلى شركاتنا الخاصة لبناء البنية التحتية في تلك البلدان. وعندما لم تتمكن الدول من سداد ديونها، أصررنا على خصخصة شبكات المياه لديها، وأنظمة الصرف الصحي، وأنظمتها الكهربائية.
والآن نرى نفس الشيء يحدث في الولايات المتحدة. فلينت، ميشيغان، هي مثال جيد جدا على ذلك. هذه ليست إمبراطورية أمريكية، إنها إمبراطورية شركات يحميها ويدعمها الجيش الأمريكي ووكالة المخابرات المركزية. لكنها ليست إمبراطورية أمريكية، ولا تساعد الأمريكيين. إنها تستغلنا بنفس الطريقة التي اعتدنا عليها لاستغلال كل هذه الدول الأخرى حول العالم.
وفي السؤال الرابع، قالت فان جيلدر إنه يبدو أن الأميركيين بدأوا يفهمون هذا الأمر، قبل أن تستفسره عن شعوره تجاه موقف الشعب الأمريكي من حيث الاستعداد لفعل شيء ما.
وأجاب بيركنس قائلا: “أثناء سفري في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وأثناء سفري حول العالم، رأيت أن الناس يستيقظون حقا. (…) نحن ندرك أننا نعيش في محطة فضائية هشة للغاية، وليس بها مكوكات؛ لا يمكننا النزول. علينا إصلاحها، وعلينا أن نعتني بها، بينما نحن بصدد تدميرها. الشركات الكبرى تدمرها، لكن الشركات الكبرى يديرها أشخاص فقط، وهم خاضعون لنا. إذا أخذنا ذلك في الاعتبار حقا، فإن السوق هي دولة ديمقراطية، إذا استخدمناها على هذا النحو”.
لكن سارة اعترضت على هذا الأمر قليلاً، لأنّ العديد من الشركات لا تبيع للمستهلكين العاديين، بل تبيع لشركات أخرى أو للحكومات، ولدى العديد منها نظام مكافآت راسخ، فإذا لم يُحقق شخص ما الأداء المطلوب باستغلال الأرض، يُستبدل ببساطة بشخص آخر يُحقق ذلك. فجاء رد قيدوم القتلة الاقتصاديين قائلا: “تحدثت مؤخراً في عدد من مؤتمرات الشركات. أسمع مراراً وتكراراً أنّ الكثيرين منهم يرغبون في ترك إرث بيئي. لديهم أبناء وأحفاد، وهم يُدركون أنّه لا يُمكننا الاستمرار على هذا النحو”.
كتتمة لرده، اوضح بيركنس انهم لذلك يقولون: [انطلقوا، أطلقوا حركات استهلاكية. ما أتمناه هو أن أتلقى مئة ألف رسالة بريد إلكتروني من عملائي يقولون فيها: “أحب منتجكم، لكنني لن أشتريه بعد الآن حتى تدفعوا لعمالكم أجورًا عادلة في إندونيسيا، أو أي مكان آخر، أو حتى تنظفوا البيئة، أو تفعلوا شيئًا حيال ذلك”. وحينها سأرفع الأمر إلى مجلس إدارتي وكبار المساهمين، إلى الأشخاص الذين يتحكمون فعليا في تعييني أو فصلي من العمل].
عندها، لم تملك سارة إلا أن تتفق معه، مؤكدة أن هذه الحملات، كما يعلم، مستمرة منذ عقود، وأحيانًا تُحدث تغييرات طفيفة هامشية. لكننا عندما ننظر إليها لاحقًا، نرى مقاومة هائلة بسبب الأرباح التي تُجنى من استمرار النظام.
وعقب القاتل المعترف بجرائمه قائلا: “أعتقد أننا شهدنا تغييرات هائلة. ففي السنوات القليلة الماضية فقط، شهدنا رواجا كبيرا للأغذية العضوية. قبل عشرين عامًا، كان الوضع مختلفا تماما”.
نشهد يأسا شديدا ـ يتابع بيركنس تعقيبه ـ لدى سكان أمريكا الوسطى الذين يحاولون الفرار من نظامٍ مُختل، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى اتفاقياتنا التجارية وسياساتنا تجاه أمريكا اللاتينية التي أدت إلى انهيارهم. كما نشهد، بالطبع، أوضاعًا مماثلة في الشرق الأوسط وأفريقيا، مع موجات المهاجرين التي تتدفق على أوروبا من الشرق الأوسط. هذه مشاكل جسيمة ناتجة عن جشع الشركات الكبرى”. عندما سافر مؤخرًا إلى أمريكا الوسطى، وجد أن ما يتم الحديث عنه في الولايات المتحدة على أنه مشكلة هجرة هو في الحقيقة مشكلة اتفاقيات تجارية.
من العواقب الوخيمة التي نجمت عن مهامه كمقاتل اقتصادي ألا يُسمح للبلدان الضحايا بفرض تعريفات جمركية بموجب اتفاقيات التجارة – نافتا وكافتا – لكن يُسمح للولايات المتحدة بدعم مزارعيها، في حين لا تستطيع تلك الحكومات تحمل تكلفة دعم مزارعيها، لذا يستطيع المزارعون الأمريكيون منافستهم.