مقارنة بين موقفي الريسوني والنهاري من الحرب الدائرة رحاها بين إسرائيل/أمريكا وإيران


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 09:29
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

تأتي تصريحات أحمد الريسوني، الفقيه المقاصدي، وعبد الله النهاري، الداعية المغربي، في أعقاب الهجوم العسكري المشترك الذي شنته القوات الأمريكية والإسرائيلية على إيران صباح السبت 28 فبراير 2026 والذي أدى إلى مقتل خامنئي وطائفة من أقاربه ومساعديه، مستهدفة مئات المواقع الحساسة، بما في ذلك منشآت نووية، وقواعد للصواريخ الباليستية، ومراكز قيادة تابعة للحرس الثوري الإيراني، فضلاً عن منشآت مدنية. والمهمة الملقاة على عاتقنا الآن تتجسد من خلال المقارنة بين موقفهما من الحرب المشتركة التي تشنها حاليا إسرائيل وأمريكا على إيران، خاصة بعد موت مرشدها الأعلى. وهكذا يجدر بنا عرض موقف كل واحد منهما على حدة قبل الختم بتعليق موجز على اختلافهما ودواعي هذا الاختلاف.
عبر الريسوني عن تضامنه مع إيران، مؤكداً على موقف مبدئي ينطلق من الأخوة الإسلامية و”ضرورة نصرة المظلومين”في مواجهة القوى التي وصفها بـ“المجرمة”.
وقال الرئيس السابق لـالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، عبر صفحته الرسمية على شبكة “فيسبوك”: “أنا مع إيران لأنهم مسلمون ومظلومون”، مضيفاً أنه يقف ضد “المعتدين المجرمين وضد أعوانهم وأعوان أعوانهم”.
وفي سياق تبيانه للمنطلق الأخلاقي والشرعي الذي يستند إليه، أوضح الريسوني أن الانحياز للمظلوم والدعاء له هو مبدأ عام لا يتجزأ.
وقال: “أيا كان المظلوم، فنحن ندعو له ولمن يقف معه. وأيا كان الظالم فنحن ندعو عليه، وعلى من يقف معه”.
بدوره، نشر النهاري مقطع فيديو جديدا على قناته، خصصه للرد على تساؤلات متداولة عقب وفاة المرشد الإيراني علي خامنئي، وعلى رأسها مسألة جواز الترحم عليه أو اعتباره شهيدًا.
وأكد الشيخ النهاري، في مداخلته، أن هذه القضية مسألة شرعية دقيقة لا يجوز أن تترك للأهواء أو الانفعالات، مشددا على ضرورة الاحتكام إلى الكتاب والسنة وفهم الوقائع على الأرض قبل إصدار أي حكم ديني. ودعا المتفاعلين إلى التزام أدب الخلاف، محذرا من السب والشتم والترهيب باسم الدين.
وأوضح الداعية أن الأمة الإسلامية تعيش حالة التباس وغياب للوعي التاريخي والعقدي، ما يجعل بعض القضايا الواضحة تختلط على الناس، مستشهدا بأحاديث نبوية تحذر من زمن «الفتن وسنوات الخداع»، حيث يتصدر غير المؤهلين م في الشأن العام والديني.
وفي موقف صريح، شدد نهاري على أن الدعاء بالرحمة أو وصف خامنئي بالشهيد لا يجوز شرعا، معتبرا أن ذلك يدخل في القول على الله بغير علم. وبين أن الحكم الشرعي، حسب طرحه، لا يبنى على العاطفة، بل على العقيدة التي ينتمي إليها الشخص، وأثر مشروعه على واقع المسلمين.
وتوقف المتحدث مطولاً عند ما وصفه بـ “الإطار” العقدي والفكري للنظام الإيراني، معتبرا أن هذا الإطار وفق قراءته كان له أثر مباشر في أحداث دامية شهدتها عدة دول، من بينها سوريا والعراق ولبنان واليمن، وهو ما يجعل الترحم على رموزه، في نظره، أمرا غير جائز.
ويضيف الشيخ في السياق نفسه، أن العقيدة التي يتبناها علي خامنئي عقيدة فاسدة من حيث الأصول والمنطلقات، لأنها تقوم على اعتبارات عقدية تخالف ما عليه جمهور الأمة من السنة والجماعة، سواء في باب الإمامة، أو العصمة، أو المرجعية الدينية.
ويؤكد أن الحكم على الأشخاص لا ينفصل عن الأطر العقدية التي ينتمون إليها، وأن فساد العقيدة، وفق هذا الطرح، ينعكس بالضرورة على المواقف والمشاريع السياسية والدينية التي تبنى عليها، وهو ما يجعل في نظره تزكية هذه الرموز أو الترحم عليها أمرا غير جائز شرعاء لما يحمله من خلط بين الحق والباطل وتلبيس على العامة.
وأشار الشيخ إلى أن الفرح بزوال الظالمين بحسب تعبيره ورد في نصوص شرعية وسير تاريخية، موضحا أن هذا الفرح لا يتعلق بطريقة الموت أو بالجهة التي نفذته، بل بزوال الضرر ورفع الظلم عن العباد. واستدل بأقوال العلماء السلف حول هلاك الظالمين واعتباره تخفيفا عن الأمة.
ثم ختم النهاري حديثه بدعوته المسلمين إلى التحلي بالبصيرة والعلم، وعدم الانسياق
وراء الخطاب العاطفي أو الإعلامي، مؤكدا أن مثل هذه القضايا يجب أن تعالج بعلم ومسؤولية، حفاظا على وحدة الأمة ومنعا لمزيد من الفتن.
تأتي تصريحات الريسوني والنهاري في سياق تفاعل عدد من الشخصيات الدينية والفكرية والسياسية مع التطورات الجارية في منطقة الشرق الأوسط، وسط انقسام في المواقف بشأن طبيعة الصراع وحدود الدعم السياسي والإنساني للأطراف المعنية.
أول ما يلاحظ على هذين الموقفين أن الريسوني ينطلق من حتمية اتحاد المسلمين وتضامنهم في ما بينهم في هذه الظروف العصيبة ونبذ الاختلافات الطائفية، ويستمد هذا المنطلق وجاهته من علم الرياضيات الذي علمنا أنه كلما تم قسمة العدد إلا وتضاءل خارج القسمة إلى أن يصير هباء.
أما النهاري وكل من وافق على موقفه وأيده فقد انضموا، بوعي أو بغير وعي، إلى المعسكر المضاد للأمة الإسلامية بأسرها، وارتموا في أحضان أعدائها، غير عالمين بأن إسرائيل، بمساعدة أمريكا دائما، عازمة على التصدي للمحور السني حالما انتهائها من تصفية المحور الشيعي، في أفق تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى.