مؤتمر ميونيخ للأمن يصطدم هذا العام ب”الفيل داخل الغرفة”


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 16:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

تأسس مؤتمر ميونيخ للأمن عام 1963، وكان يُنظر إليه في البداية باعتباره أداة للحوار لاستعادة الثقة بين ألمانيا والولايات المتحدة، قبل أن يصبح منصة عالمية للمناقشات بين رؤساء الدول حول السياسة الخارجية والأمن.
بالنسبة لفولفغانغ إيشينغر، رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن ، الذي عقد في الفترة من الجمعة 13 إلى الأحد 15 فبراير، يوجد النظام الدولي “تحت الدمار”. وهذا هو عنوان التقرير الذي نشرته مؤسسته يوم 9 فبراير.
من المؤكد أن فولفغانغ إيشينغر، الذي كان من أنصار الأطلسي، لم يتوقع، عندما كان سفيراً لألمانيا في واشنطن من 2001 إلى 2006، أن بكون الرئيس الأميركي هو الذي أكمل تدمير النظام الدولي الموروث من فترة ما بعد الحرب، بعد عشرين عاماً.
بالنسبة لمنظم هذا المنتدى الدولي المخصص لقضايا التعاون والدفاع، تعتبر إدارة ترامب هي “الفيل داخل الغرفة”؛ الأمر الذي لا يترك للأوروبيين أي خيار آخر سوى التعامل بشكل مباشر مع مسألة استقلالهم في ما يتعلق بالأمن والطاقة والتكنولوجيا والتمويل.
طلاق كان من الصعب تصوره وقت إنشاء مؤتمر ميونيخ سنة 1963. وفي قلب الحرب الباردة، سعى مؤسسه إيوالد فون كلايست (1922-2013)، سليل المقاومين الألمان للنازية، إلى تعزيز الثقة بين الشعب الألماني والولايات المتحدة. خلال أولى النسخ الـ62، ناقش حوالي خمسون ضيفا، من بينهم هنري كيسنجر، الذي كان آنذاك أستاذًا في جامعة هارفارد، وهيلموت شميدت، عضو البرلمان عن هامبورغ، الذي أصبح مستشارا من عام 1974 إلى عام 1982، تحديات الأمن العالمي، بعد أشهر قليلة من أزمة الصواريخ الكوبية. إننا نتحدث بالفعل عن التوترات التي هزت العلاقات العبرأطلسية. في نفس العام، 1963، أشار الرئيس الأمريكي جون فيتزجيرالد كينيدي في مقدمة استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة إلى “الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (التي) لا تدفع نصيبها العادل وتنعم بالثراء”
يعد مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي كان منذ فترة طويلة تجمعا سنويا صغيرا، أولًا وقبل كل شيء مكبر صوت للمستشارين الراغبين في إظهار الرغبة الألمانية في لعب دور أكثر أهمية على الساحة الدولية. وهذا هو حال هيلموت كول (1982-1998) الذي جاء عام 1996 عقب حرب البوسنة والهرسك (1992-1995)، ليؤكد دعوة ألمانيا إلى “القيام بدور نشط في توطيد السلام في أوروبا”.
ولم يصبح مؤتمر ميونيخ بمثابة نقطة انطلاق لاضطرابات العالم إلا في فبراير 2003، عندما هاجم دونالد رامسفيلد،
وزير دفاع الولايات المتحدة، فرنسا وألمانيا، اللتين وصفهما بـ “أوروبا العجوز”. وبينما واشنطن لم تقدر باريس وبرلين المعارضتين لغزو العراق، ألمح دونالد رامسفيلد إلى أنه ليس أمامه خيار سوى الاعتماد على أوروبا الجديدة التي تشمل الدول الشرقية، وخاصة الأعضاء الجدد في حلف شمال الأطلسي مثل بولندا، التي دعمت الولايات المتحدة. وكانت خرجة وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر عصية على النسيان عندما رد في نهاية كلمته: “عفوا، أنا غير مقتنع”.
إن توسيع حلف شمال الأطلسي ليشمل بلدان أوروبا الشرقية لم يفشل في العودة إلى الطاولة بعد بضع سنوات. خلال مؤتمر عام 2007، كان خطاب فلاديمير بوتين بمثابة إنذار بالقطيعة بين روسيا والعالم الغربي، حيث أعلن عن الحروب التي ستلي جورجيا في عام 2008، ثم أوكرانيا في عام 2014 و في عام 2022. وقال لهم بوتين: “أعتقد أنه من الواضح أن عملية توسيع الناتو لا علاقة لها بتحديث الحلف نفسه أو بالأمن في أوروبا”، معتبرا ذلك عاملا استفزازيا خطيرا يقلل من مستوى الثقة المتبادلة. وأعلن الرئيس الروسي أن لدى بلاده الحق المشروع في أن تسأل، بصراحة، ضد من يتم تنفيذ هذا التوسيع.
في ذلك الوقت، لم يدرك سوى عدد قليل من القادة الغربيين التهديد. بل على العكس من ذلك، كان منظمو المؤتمر الأمني في غاية السعادة عندما تبادل وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، ووزير الخارجية الأمريكي هيلاري كلينتون، يوم 5 فبراير 2011، فوق منصة ميونيخ، أدوات التصديق على معاهدة البداية الجديدة لنزع السلاح النووي – بنود هذه الاتفاقية والتي انتهت صلاحيتها للتو في 6 فبراير، حددت عدد القاذفات النووية الاستراتيجية المنتشرة في 700 وعدد الرؤوس الحربية النووية المنتشرة على هذه القاذفات في 1550.
كانت الولاية الأولى لدونالد ترامب بالفعل فرصة سانحة للأمريكيين لزيادة التعليمات لحلفائهم الأوروبيين، وأمروا بإنفاق المزيد على دفاعهم والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015.
“الحقيقة هي أن العديد من حلفائنا في الناتو ما زالوا بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد. وتتوقع الولايات المتحدة من كل عضو في حلف شمال الأطلسي أن يضع خطة ذات مصداقية للوصول إلى عتبة 2% (من الناتج المحلي الإجمالي المخصص لجهود الدفاع).
من الآن إلى حدود عام 2024، نتوقع أن يستثمر جميع حلفائنا 20% من إنفاقهم الدفاعي في المشتريات”. هذا ما قاله نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس في فبراير 2019، على منصة رالي ميونيخ الكبير، الذي اعتاد الدبلوماسيون الآن على تسميته بـ “دافوس بالبنادق”.
ولم يحدث من قبل أن قامت إدارة أميركية بتوبيخ حلفائها الأوروبيين إلى هذا الحد. كان ذلك تحذير ينذر بقطيعة عبرأطلسية لم تعمل ولاية جو بايدن سوى على تأخيرها. وفي فبراير 2021، أكد الرئيس الديمقراطي في ميونيخ أن “أمريكا عاىدة” أمام رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وكان الزعماء الغربيون أقل حماسا بكثير عندما حذر فلاديمير زيلينسكي، الرئيس الأوكراني، يوم 17 فبراير 2022، من اجتياح روسي وشيك.
وقال بصريح العبارة: “سنحمي بلدنا، بدعم أو بدون دعم شركائنا. سواء أكان الأمر يتعلق بمئات الأسلحة الحديثة أو بـ5000 خوذة، فإننا نقدر هذا الدعم بنفس القدر، ولكن يجب على الجميع أن يفهموا أن ذلك ليس مجرد نوع من هدية يجب التذكير بها أو توسلها.”
بعد مرور خمسة أيام على غزو أوكرانيا من قبل روسيا أصيب أولا بالشلل الأوروبيون الذين لم يروا الفوضى العالمية تلوح في الأفق. في مؤتمر فبراير 2024، حذرهم جي دي فانسومع، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو، من أنه إذا أعيد انتخاب دونالد ترامب رئيسًا، فإن الولايات المتحدة ستتوقف عن توريد الأسلحة إلى أوكرانيا وستدير ظهرها لأوروبا. بخطابه اللاذع بعد عام، على نفس المنصة في ميونيخ، أذهل الأوروبيين. من خلال مهاجمة أوروبا الليبرالية، المذنبة في نظره بـ “عدم احترام حرية التعبير” و”السماح لنفسها بأن تطغى عليها الهجرة، مع المخاطرة بإغراق حضارتها”، لم يعن نائب الرئيس الأمريكي شيئًا آخر غير القطيعة بين الولايات المتحدة وأوروبا.
أدرك الأوروبيون أنهم سوف يضطرون إلى الاستثمار بكثافة في ميزانياتهم الدفاعية، وأنهم سوف يضطرون أيضاً إلى الاتفاق على كيفية تدبير القطيعة العبرأطلسية ونهاية الحرب في أوكرانيا، دون أن يكون ذلك على حساب كييف. وبينما لم يسع مدير مؤتمر ميونيخ الأمني، فولفغانغ إيشينغر، في ذلك اليوم إلا أن يبكي، وهو الذي ناضل طوال حياته من أجل الإبقاء على هذا النظام العالمي، الذي حافظ منذ عام 1945 على السلام في القارة الأوروبية، يريد اليوم أن يكون واضحا في مواجهة الديناميات الجديدة الجارية.
كمنبر للنقاش، اعتزم مؤتمر ميونيخ التركيز هذا العام على التطورات الأمنية في أوروبا وآسيا وكذا على التغيرات في مجالات التجارة والتعاون على التنمية. مع وجود فيل في الغرفة، كان خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو، المقرر إلقاؤه يوم السبت 14 فبراير، الأكثر انتظارا على الإطلاق.
المرجع: france 24