ندوة بتمارة حول منظومة القيم والارتقاء الحضاري


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 00:19
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

نظم فرع الحزب الاشتراكي الموحد بتمارة يوم السبت 17 يناير الجاري بمقره الكائن بشارع القاهرة ندوة فكرية حول منظومة القيم والارتقاء الحضاري. شارك في هذه الندوة التي انطلقت اشتغالها على الساعة الرابعة عصرا كل من ونور الدين التقاوي وياسين النايلي، وتكلف بتسيير هذا اللقاء الأستاذ عبد الواحد حمزة.
بدأ الاستاذ حمزة أشغال الندوة بالإشارة إلى أن المغرب حضارة عريقة وحديثة قائمة على مجموعة من القيم. وأكد على تقدم المغرب بشهادة الخارج قبل الداخل مع الإشارة إلى ضباب كثيف حول هذا المعطى وبعض الأسئلة حول تحقيق التقدم أو تعثره، داعيا إلى تخليص تراثنا الحضاري من شوائب لا تليق بالعصر الحديث. غير أن هناك عدة مظاهر تدل فعلا على أن المغرب بلد متعدد، متنوع، يشمل الثابت والمتغير، ويسير على طريق الارتقاء الحضاري، إلا أنه مطالب بحل معضلات الصحة والتعليم والتشغيل. كما أنه مطالب بإعادة الاعتبار للمشاركة السياسية. هناك تقدم في مجالات كما هناك تخلف في مجالات أخرى. ولعله من المناسب، هنا، لفت انتباه من أراد الإطلاع على النص الكامل لأرضية الندوة إلى أن جريدة “تنوير” نشرتها صباح هذا اليوم على صفحاتها.
بعد الكلمة الافتتاحية، أذن مسير اللقاء لنور الدين التقاوي بالشروع في إلقاء مداخلته التي عنونها بـ”منظومة القيم السياسية في السياق المغربي: المعيارية والممارسة”. كانت نقطة البداية تعريف القيمة من حيث هي مجموع الأفكار العقلانية المنظمة لحياة المجتمع، ويتفق عليها الجميع على انها تساعد على بناء حياة أفضل. ولإغناء هذا الجانب من المداخلة، سيق تعريفان لمفهوم القيمة لدى كل من بارسونز وحليم بركات.
الخطوة الثانية الثانية التي خطاها الأستاذ نور الدين التقاوي تمثلت في اكتشاف تعريف لمفهوم آخر ذي صلة؛ ألا وهو مفهوم التمثل الذي لا يمكن فصله عن الصور التي يكونها الفرد عن المجتمع. بعد ذلك، تم الانتقال إلى الحديث عن تنوع القيم التي قد تكون عامة أوخاصة، صريحة او ضمنية، دائمة أو عابرة. ومن هنا تأدى المتدخل إلى الحديث عن خصائص القيم لدى المجتمع المغربي ليقول إنها تستمد زخمها من روافد دينية وقومية واستعمارية وتثاقفية. ومن خصائصها كذلك القابلية للتحول والتغير والصدامية. ولا شك في أن الخاصية الأخيرة جعلت الأستاذ التقاوي يستحضر جملة بليغة لإدغار موران: “ننتج مجتمعا ينتجنا”.
في سياق الاهتمام المتزايد بالقيم، أشار المتدخل إلى أنها، من منظور الأنثروبولوجيا، ما يعاش وما يمارس، وليست فقط ما يجب أن يكون. هكذا نكون إزاء قيم ﻔﺮﺩﺍﻧﻴﺔ جماﻋﻴﺔ، مثل التويزا، وقيم ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻓﻲ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻟﻔﺮﺩ من خلال ﺍﻟﺴﻜﻦ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻞ طلبا للراحة ﺍﻟﺰﻭﺟﻴﺔ وﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ وﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﻃﻴﺒوبة ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﻣﻊ ﺍﻵﺑﺎﺀ وﺣﻔﻆ ﺍﻷﺳﺮﺍﺭ ﺍﻷﺳﺮﻳﺔ.
من نفس المنظور رأى المتدخل أن ﺍﻟﻄﻘﻮﺱ ﻭﺍﻟﻌﺎﺩﺍﺕ ﺗﻌﺒﺮ ﻋﻦ ﻗﻴﻢ ﺃﻭ ﺗﺨﺘﺰﻧﻬﺎ، وأن ﺍﻟﻤﺆﺛﺮﺍﺕ تتجسد، على سبيل المثال، في ﻣﻮﺕ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﺒﺪﺍﺋﻲ واﻟﻌﻮﻟﻤﺔ، وتحول ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻷﺳﺮﺓ. أما من حيث ﺍﻟﻘﻴﻢ ﻭﻓﻖ ﻣﻨﻈﻮﺭ ﺗﺎﺭﻳﺨﻲ، فقد نبه المتحدث إلىﺍﻧﺘﻌﺎش إشكاليتها ﻓﻲ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻋﺒﺮ ﻣﻴﻼﺩ ﻣﺪﺍﺭﺱ ﻭﺗﻮﺟﻬﺎﺕ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﺗﺮﻛﺰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﻨﻰ (ﺃﻃﺮﻭﺣﺔ ﺍﻷﻣﺪ ﺍﻟﻄﻮﻳﻞ). وهكذا انبثق ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺬﻫﻨﻴﺎﺕ وﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﻌﻘﻠﻴﺎﺕ وﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﻘﻴﻢ، وحصل بالتالي ﺍﻻﻧﻔﺘﺎﺡ ﻭﺍﻟﻤﺠﺎﻭﺭﺓ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ وتأكد أﻻ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺩﻭﻥ ﻭﺛﻴﻘﺔ، وإﻣﺎ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺃﻧﺜﺮﻭﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﺃﻭ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ.
وفاء لالتزامه بتناول إشكالية القيم ضمن السياق المغربي، شد الأستاذ نور الدين على ﻣﺤﻮﺭﻳﺔ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ، مهرجان على ﺍﻟﻄﺮﺡ ﺍﻟﺨﻠﺪﻭﻧﻲ الذي ﻳﻨﻈﺮ إليها ﻛﻨﺘﺎﺝ سوسيوﺗﺎﺭﻳﺨﻲ يأخذ موقعه في ﺍﻟﻌﻤﺮﺍﻥ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻉ ﺍﻟﺒﺸﺮﻱ، ﻭكأنها ﻣﺘﻐﻴﺮﺓ ﻭﻟﻴﺴﺖ ﻓﻮﻕ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ بحكم ارتباطها بﺍﻟﻌﺼﺒﻴﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﺘﻤﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻄﺎﺑﻊ ﺍﻟﺤﻀﺮﻱ ﻭﺍﻟﺒﺪﻭﻱ ﻭﺭﺑﻄﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺛﺎﻥ ﺑﺎﻟﺪﻭﺭﺓ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻳﺔ ﺃﻱ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﻭﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻭفي ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺛﺎﻟﺚ ﺑالبعد ﺎﻟﺪيني الذي يلعب ﺩﻭﺭا أساسيا ﻓﻲ ﺗﻌﻀﻴﺪ ﻭﺗﻘﻮﻳﺔ ﺍﻟﻌﺼﺒﻴﺔ التي يتقوى بها الدين والقيم كعنصر متحرك، ﻭﺗﻀﻌﻒ ﺑﺎﻟﺘﺮﻑ ﻭﺗﻔﺴﺪ ﺑﺎﻧﺤﻄﺎﻁ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ.
لإغناء مداخلته، استحضر الأستاذ التقاوي كتاب ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺍﻟﻜﻮﺍﻛﺒﻲ الموسوم بـ”ﻃﺒﺎﺋﻊ ﺍﻻﺳﺘﺒﺪﺍﺩ ﻭﻣﺼﺎﺭﻉ ﺍﻻﺳﺘﻌﺒﺎﺩ” من أجل إيراد ما قاله عن الخصال كمرادفات للقيم. هناك، إذن، ﺧﺼﺎﻝ ﺣﺴﻨﺔ ﻃﺒﻴﻌﻴﺔ كاﻟﺼﺪﻕ وﺍﻷﻣﺎﻧﺔ وﺍﻟﺮﺣﻤﺔ، وهناك ﺨﺼﺎﻝ ﻜﻤﺎﻟﻴﺔ كاﻟﺸﺮﺍﺋﻊ التي تخص على ﺍﻻﻳﺜﺎﺭ ﺍﻟﻌﻔﻮ، ثم هناك ﺨﺼﺎﻝ ﻋﺘﻴﺎﺩﻳﺔ من قبيل ﻣﺎ ﻳﻜﺘﺴﺒﻪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﻮﺭﺍﺛﺔ وﺍﻷﻟﻔﺔ وﺍﻟﺘﺮﺑﻴﺔ. وختم المتدخل هذه الفقرة بنص الكواكبي جاء فيه أن “ﺍﻻﺳﺘﺒﺪﺍﺩ ﻳﻀﻄﺮ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺇﻟﻰ ﺍﺳﺘﺒﺎﺣﺔ ﺍﻟﻜﺬﺏ ﻭﺍﻟﺘﺤﻴﻞ ﻭﺍﻟﺨﺪﺍﻉ ﻭﺍﻟﻨﻔﺎﻕ ﻭﺍﻟﺘﺬﻟﻞ ﻭﺇﻟﻰ ﻣﺮﺍﻏﻤﺔ ﺍﻟﺤﺲ ﻭﺇﻣﺎﺗﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﻧﺒﺬ ﺍﻟﺠﺪ ﻭﺗﺮﻙ ﺍﻟﻌﻤﻞ.”
تبعا للمنهج الذي اختاره التقاوي لمداخلته، كان لا بد من أن يتطرق إلى ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﺎﻕ ﺍﻟﻤﻐﺮﺑﻲ قاصدا بها تلك ﺍﻟﻨﺎﻇﻤﺔ ﻟﻠﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﻜﺎﻡ ﻭﺍﻟﻤﺤﻜﻮﻣﻴﻦ ﻭﻋﻤﻠﻴﺎﺕ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻛﺔ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺑﺎﻟﻘﺎﻧﻮﻥ. وقد لخصها في ﺍﻻﻧﺘﻤﺎﺀ ﻭﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺑﻤﺬﻫﺐ ﺳﻴﺎﺳﻲ ﻣﻌﻴﻦ وﺍﺣﺘﺮﺍﻡ ﻭﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﺰﻋﺎﻣﺎﺕ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ وﺣﺐ ﺍﻟﻮﻃﻦ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻨﻪ واﻻﻫﺘﻤﺎﻡ ﺑﺎﻟﺸﺄﻥ ﺍﻟﻌﺎم وﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻴﺔ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ اﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ وﺍﻟﻨﺰﺍﻫﺔ وﺍﻟﺜﻘﺔ.
وعنﺍﻟﻤﺮﺟﻌﻴﺔ ﺍﻟﻘﻴﻤﻴﺔ، قال نور الدين إنها تتمثل فياﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﻜﻮﻧﻴﺔ ﻭﻧﺘﺎﺟﺎﺕ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲوﺍﻟﻤﺮﺟﻌﻴﺔ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭﻳﺔ التي تشمل ﻗﻴﻢ ﺍﻻﻧﻔﺘﺎﺡ واﻻﻋﺘﺪﺍﻝ واﻟﺘﺴﺎﻣﺢ واﻟﺤﻮﺍﺭ ﻭﺍﻟﺘﻔﺎﻫﻢ ﺍﻟﻤﺘﺒﺎﺩﻝ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺎﺕ ﻭﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺍﺕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺟﻤﻌﺎء، بالإضافة إلى ﻗﻴﻢ ﺍﻟﺤﻜﺎﻣﺔ اﻟﺠﻴﺪﺓ ﻭﺍﻟﺸفاﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﺳﺒﺔ وﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻴﺔ وﻗﻴﻢ ﺍﻟﺘﺨﻠﻴﻖ ﻭﺍﻟﺸﻔﺎﻓﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺪﺑﻴﺮ وﻗﻴﻢ اﻟﻤﻮﺍﻃﻨﺔ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﺔ.
بدافع من تفس الهاجس المنهجي، في إطار ﺍﻟﻤﺮﺟﻌﻴﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ، أدرج التقاوي ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻷﺣﺰﺍﺏ وﻗﻮﺍﻧﻴﻦ اﻻﻧﺘﺨﺎﺑﺎﺕ وﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﺠﻤﻌﻴﺎﺕ ﻭﺍﻟﺤﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ وﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻴﺔ ﺍﻟﺘﺸﺎﺭﻛﻴﺔ. كما صنف القيم المرتبطة بالإرث الماركسي ووثائق الحزب ضمن الخانة الخاصة باﻟﻤﺮﺟﻌﻴﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮﻳﺔ ﻟﻠﺤﺰﺏ. أما ﺍﻟﻤﺮﺟﻌﻴﺔ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﻴﺔ فقد تمثلت عنده في ﺍﻟﺘﻔﺎﻋﻼﺕ ﻣﻊ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ، وفي التفاعلاﺕ ﺍﻟﻘﻴﻤﻴﺔ أثناء استثمار ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﺍﻟﻤﻐﺮﺑﻴﺔ.
في نفس السياق، أشار التقاوي إلى أن ﺍﻟﺤﻘﻞ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺍﻟﻤﻐﺮﺑﻲ يشهد ﺗﺼﺎﺩﻡ/ ﺗﻌﺎﻳﺶ ﺑﻴﻦ ﺁﻟﻴﺘﻴﻦ ﺳﻴﺎﺳﻴﺘﻴﻦ: ﺁﻟﻴﺔ ﺇﻧﺘﺎﺝ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺑﻞ ﻭﻣﺄﺳﺴﺘﻪ ﻭﺁﻟﻴﺔ ﺗﻮﻟﻴﺪ ﻗﻴﻢ ﻭﻋﻼﻗﺎﺕ ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﺣﺪﻳﺜﺔ ﻭﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺧﻼﺻﺎﺕ ﻫﺬﺍ اﻟﻮﺿﻊ ﺍﻻﺯﺩﻭﺍﺟﻴﺔ ﻣﻊ ﻏﻠﺒﺔ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪ، وﺗﺮﺷﻴﺪ ﺍﻟﺼﺮﺍﻋﺎﺕ ﻭﺍﻟﻨﺰﺍﻋﺎﺕ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ، ﻭﺍﻻﻗﺘﻨﺎﻉ ﺑﺎﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻲ ﻭﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺗﻲ ﻭﺍﻟﺸﺮﻋﻲ، وﺍﻟﺘﻔﺎﻫﻢ ﺍﻟﻀﻤﻨﻲ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﺎﻋﻠﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺗﻘﺎﺳﻢ ﺍﻷﺩﻭﺍﺭ. وفي المحصلة الأخيرة نكون، يتابع المتدخل، أمان ﺍﻧﺘﺎﺝ ﺍﻧﺘﻘﺎﻝ ﻗﻴﻤﻲ ﻏﻴﺮ ﻣﻜﺘﻤﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ، ﻣﻦ ﻗﻴﻢ ﺍﻟﻄﺎﻋﺔ ﺇﻟﻰ ﻗﻴﻢ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﺔ، وأمام ﺇﻧﺘﺎﺝ ﺧﻄﺎﺏ ﺍﻟﺨﺼﻮﺻﻴﺔ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻴﺔ ﺑﺪﻝ ﺍﻟﺘﻜﻴﻒ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺆﺛﺮﺍﺕ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ.
ارتباطا بالإشكالية المتجددة التي تتعلق باﻟﺜﻘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ، قال التقاوي إن ﺍﻟﺴﺠﻞ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻱ ﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺔ يشتمل ﻋﻠﻰ ﻗﻴﻤﺔ «ﺍﻟﺤﻖ» ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﻜﻞ ﺃﺳﺎﺱ ﻋﻤﻞ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ حيث ﻳﻮﻟﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﻛﺒﺮﻯ ﻟلـ”ﻣﻌﻘﻮﻝ” ﻛﻘﻴﻤﺔ ﺃﺧﻼﻗﻴﺔ وﻟﻠﻤﺒﺪإ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺧﺼﻮﺻا ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻟﺘﺠﺎﺭﺓ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ. ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻔﺘﺮﺽ ﺃﻥ ﺗﻘﻮﻡ اﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﻋﻠﻰ “ﺍﻟﻨﻴﺔ” ﻭ”ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ”. كما ﺗﺸﺘﻐﻞ ﺛﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺜﻘﺔ ﻛﻤﺒﺪإ ﻟﻠﺘﻤﺎﺳﻚ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﻈﻢ اﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻱ. وﻫﺬﺍ ﻻ ﻳﻌﻨﻲ في نظر المتدخل ﺃﻧﻪ ﻳﺘﻢ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﺪﺧﻴﻠﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻘﻴﻤﻲ ﻳﺴﺘﺒﻌﺪ ﺃﻱ ﺗﺠﺎﻭﺯ باﺳﻢ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﻘﻮﻳﺔ وﺃﻱ ﺗﻐﻴﺮ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻓﻲ ﻗﻴﻢ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ.
وأكد التقاوي أن ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ تحتل ﻣﻜﺎﻧﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﺿﻤﻦ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮ من خلال السؤﺍﻝ عن ﺻﻔﺎﺕ ﺍﻟﻤﺮﺷﺤﻴﻦ الانتخابات، إذ ﺃﻛﺪ 51.8% ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻛﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺢ ﺍﻟﻮﻃﻨﻲ ﻟﻠﻘﻴﻢ ﺑﻜﻮﻥ ﺍﻟﺠﺪﻳﺔ» ﻭ«ﺍﻟﺼﺪﻕ» ﻫﻲ ﺃﻫﻢ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ ﺗﻮﻓﺮﻫﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺘﺨﺒﻴﻦ.
بعد أن ختم التقاوي مداخلته، أعطى مسير اللقاء الكلمة لياسين النايلي ليقدم للحضور مداخلته التي جاءت تحت عنوان “منظومة القيم بين المعيارية الديمقراطية وبناء العدالة الاجتماعية: مقاربة فلسفية”.
في مقدمة مداخلته، أشار النايلي إلى أن القيم الديمقراطية أصبحت تشكل في الفكر السياسي المعاصر الإطار المرجعي الأساسي لمناقشة إشكالات الشرعية السياسية والعدالة الاجتماعية والاستقرار المجتمعي. غير أن التحولات التي تعرفها المجتمعات الحديثة تكشف عن مفارقة عميقة، تتمثل في اتساع الخطاب الديمقراطي من جهة، مقابل هشاشة الثقة في المؤسسات، واستمرار التفاوتات الاجتماعية، وهو ما يطرح سؤال الأساس القيمي الذي تقوم عليه الديمقراطية المعاصرة.
انطلاقا من هذا الإشكال، رام المتدخل مناقشة العلاقة بين القيم والديمقراطية والعدالة الاجتماعية من خلال ثلاثة محاور مترابطة: الأول يتناول القيم الديمقراطية في بعدها المعياري، والثاني يهتم بالقيم باعتبارها شرطا للحكامة الجيدة وبناء الثقة في المؤسسات، بينما ينفتح المحور الثالث على الارتقاء الحضاري بوصفه أفقا مجتمعيا وتاريخيا لمشروع مجتمعي. ولأجل بلوغ هدفه المرسوم، استعان النايلي بعلمين كبيرين في الفلسفة السياسية المعاصرة؛ وهما جون راولز ويورغن هابرماس
.بين المتدخل في المحور الأول أن الحرية والتضامن والمساواة والمساءلة تشكل معايير فلسفية لتقويم العدالة والشرعية السياسية. كما أوضح في المحور الثاني أن فعالية هذه القيم تظل رهينة بقدرتها على أن تترجم داخل مجتمعات عادلة، شفافة وخاضعة للمساءلة، ما يعزز الثقة بين المواطنين والدولة. وفي المحور الثالث والأخير أظهر الأستاذ النايلي أن المشروع الديمقراطي لا يكتمل إلا حين يتحول إلى أفق تاريخي جامع، يربط بين العدالة الاجتماعية والارتقاء الحضاري.
.انطلاقا من هذا التصور، اتضح أن الديمقراطية ليست معطى جاهزا أو وضعا مكتملا، بل هي مسار مفتوح يتطلب يقظة نقدية، وانخراطا جماعيا في الدفاع عن القيم وتفعيلها، وهو ما يجعل الرهان على القيم الديمقراطية ريهانا على المستقبل، وعلى بناء مجتمع أكثر عدلا وتماسكا وكرامة.
والخلاصة التي خرج بها النايلي من بحثه هي أن القيم الديمقراطية لا تكتسب معناها الكامل إلا حين تفهم بوصفها منظومة مترابطة تجمع بين البعد المعياري والتفعيل المؤسساتي و الأفق المجتمعي/التاريخي