مؤسسة كونراد أديناور ستيفتونغ الألمانية تصدر تقريرا جديدا حول الأمن البحري للمغرب


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 11:40
المحور: الادارة و الاقتصاد     

تستعرض دراسة “الأمن البحري للمغرب: قضايا وتحديات ووجهات نظر في منطقة البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي” التي نشرتها مؤسسة كونراد أديناور الأبعاد المتعددة للأمن البحري المغربي، مُسلطة الضوء على أهمية الموانئ والاستغلال المستدام للموارد، التهديدات كالصيد غير القانوني والتغيرات المناخية، الدور الإقليمي، وحاجته لتطوير القدرات البحرية عبر التعاون الدولي، مع التركيز على تحديات الأمن السيبراني والنزاعات الإقليمية.
بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، تعتزم المملكة تحويل رأسمالها البحري إلى قوة مستدامة. في تقرير “الأمن البحري للمغرب: قضايا وتحديات ووجهات نظر في منطقة البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي”، الذي نشرته مؤسسة كونراد أديناور ستيفتونغ الألمانية، يصف مصطفى بوسيف، دكتور في الاقتصاد والسياسات العامة، التحول: مع 3500 كيلومتر من السواحل والمنطقة الاقتصادية الخالصة التي تبلغ حوالي 1.2 مليون كيلومتر مربع، وهو الخط الساحلي الذي سيركز ما يقرب من 60% من الناتج المحلي الإجمالي و80% من الصناعات، ويتعين على الرباط الآن تأمين الموانئ وممرات الطاقة مع حماية النظم البيئية الهشة. ومن مشاريع طنجة المتوسط إلى مشاريع المحيط الأطلسي، يؤكد البحر نفسه باعتباره رصيدا اقتصاديا رئيسيا، ولكنه أيضا نقطة ضعف في مواجهة التهديدات الهجينة والضغوط المناخية.
لم يعد المغرب مجرد “دولة ساحلية”، بل يتم اكتشافه وبناؤه كفاعل بحري استراتيجي. مع 3500 كلم من الساحل، واجهتين متكاملتين (البحر الأبيض المتوسط/المحيط الأطلسي) وحوالي 1.2 مليون كيلومتر مربع كمنطقة اقتصادية خالصة، تتمتع المملكة برأس مال جغرافي نادر. لكن الجغرافيا ليست كافية: فهي تكشف بقدر ما تحمي. هذه هي الأطروحة الكاملة لتقرير “الأمن البحري للمغرب: القضايا والتحديات ووجهات النظر في منطقة البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي”، الذي نشرته المؤسسة الألمانية، في يناير 2026. وهكذا أصبح البحر نظاما يتكون من طرق التجارة والمضايق والمحاور وممرات الطاقة والكابلات والمعايير المناخية والضغوط السياحية والتهديدات الهجينة.

دفي هذا التحول، يجعل الثقل الاقتصادي للساحل المسألة البحرية شبه وجودية. ووفقا للبيانات الواردة في التقرير، تساهم المناطق الساحلية بحوالي 60% من الناتج المحلي الإجمالي الوطني وتضم 80% من الصناعات. وعلى نطاق أوسع، ستمثل الإمكانات البحرية والساحلية أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي، و52% من المساحة السياحية، و92% من النسيج الصناعي المرتبط بصيد الأسماك وتثمين منتجات المأكولات البحرية، وأنشطة الموانئ، والنقل البحري، والسياحة الساحلية والهيدروكربونات والطاقات المتجددة. وبعبارة أخرى، فإن القضية البحرية ليست قطاعية: فهي تمس قلب الاقتصاد والشغل والسيادة.
ويصر التقرير على أن الخط الأول للسلامة يبدأ بالبيئة. وقد وضعت الرباط حماية النظم البيئية البحرية الهشة في قلب الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، من خلال إدراجها في السياسات المستعرضة، بما فيها قانون الساحل المتوافق مع بروتوكول الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية لاتفاقية برشلونة الأمر الذي يتطلب إدارة متكاملة للمناطق الساحلية. ويتم تقديم خطة “الساحل الخالي من البلاستيك” كمؤشر ملموس على هذا التوجه: وبحسب المسؤولين المغاربة المذكورين، ارتفعت جودة مياه الاستحمام من 88% في عام 2021 إلى 93% في عام 2024، في حين انخفضت النفايات المجمعة على الشواطئ بنسبة 21%. وسيتم تعزيز هذا التقدم من خلال الخطة الاستعجالية الوطنية لمكافحة التلوث البحري العرضي، والتي تهدف إلى الاستجابة بشكل أفضل لمخاطر التلوث في منطقة مزدحمة بشكل متزايد.
وترتبط هذه الاستراتيجية الوطنية أيضا بـدبلوماسية المحيط.
هكذا نجد أن المغرب شارك في المفاوضات الدولية بشأن إدارة المحيطات ضمن المجموعة الإفريقية، لا سيما من خلال التوقيع على معاهدة التنوع البيولوجي خارج نطاق الولاية الوطنية (BBNJ) في 21 شتنبر 2023. ومع ذلك، يسلط التقرير الضوء على الحدود الهيكلية للنظام: فقد صادقت عليه 50 دولة مقابل 60 دولة مطلوبة، كما أن غياب الولايات المتحدة والصين يقلل من نطاقه. ومع ذلك، سعت الرباط إلى التأثير على المناقشات من خلال الدفاع عن مفهوم “التراث المشترك للإنسانية”، من أجل حماية مصالح دول الجنوب ضد القوى العلمية والاقتصادية.
ويوضح التقرير أن التحدي يكمن في جعل الحكامة المتعددة الأطراف أكثر فعالية من خلال منع الأنشطة غير الخاضعة للرقابة وتعبئة الأموال المخصصة للتحول البيئي.
وعلى الأرض، تشكل المناطق البحرية المحمية رافعة رئيسية. ويشير التقرير إلى أن الهدف على المستوى العالمي هو تجاوز 10% من البحار المحمية، مقارنة بـ 8.4% حاليا، مع البقاء بعيدا عن الهدف البالغ 30% في عام 2030. منذ عام 2004، قام المغرب بتعيين ثماني مناطق بحرية محمية على سواحل البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، بما فيها منتزه الحسيمة الوطني بمساحة 19600 هكتار بحري ومنتزه سوس-ماسة الوطني بمساحة 33800 هكتار بما فيها مناطق رامسار. وتكتمل الشبكة بمواقع بحرية مثل رأس الشوكات الثلاثة (Cap (des Trois Fourches ومصب نهر ملوية المصنف عام 2005. وتستهدف السلطات إنشاء منطقة بحرية محمية بنسبة 10% بحلول عام 2030، وهو الهدف الذي تم تقديمه على أنه من المرجح أن يحقق زيادة الكتلة الحيوية للصيد البحري بنسبة 500% وتحقيق الاستقرار في هذا القطاع، مع التوسع في الإعداد حول تسعة مواقع جديدة محددة، من بينها كيب سبارتل وبحيرة سمير.
وتعتمد الحكامة، وفقا للتقرير، على إطار قانوني موحد وتنسيق معزز منذ عام 2017، بدعم من الجهات الفاعلة التقنية مثل الصندوق العالمي للطبيعة، والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة. ويوضح مشروعان الأولويات: المنطقة البحرية المحمية الساحلية في بوجدور، والتي تبلغ مساحتها حوالي 1000 كيلومتر مربع، وشبكة AMP-Péche الوطنية. لكن النص يشير أيضا إلى نقاط الضعف: تجزئة المهارات، ومحدودية التمويل، وعدم كفاية التكامل بين الجهات الفاعلة المحلية، حتى مع مسارعة المغرب إلى الموافقة على خمس مناطق بحرية محمية مصنفة كمتنزهات طبيعية بموجب القانون 22-07 ومكان تنفيذ الخطط الساحلية الجهوية على مدى عشرين عاما بموجب القانون 81-12.
العمود الثاني للقوة البحرية المغربية هو الميناء. ويشير التقرير إلى أن ما يقرب من 90% من التدفقات العالمية تمر عن طريق البحر وأن سفينة حاويات راسية تبلغ سعتها 24 ألف حاوية نمطية تكلف مئات الآلاف من الدولارات يوميا، مما يجعل سلامة الموانئ وسيولتها واتصالها ميزة استراتيجية. وبهذا المنطق، تقوم المملكة ببناء لوحة ثلاثية طنجة المتوسط، والناظور غرب المتوسط، والداخلة الأطلسي، المصممة لتكون عرضا تكميليا يربط بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي.
• ميناء طنجة المتوسط هو القطب. وفي عام 2024، وصل هذا الميناء إلى 10.24 مليون حاوية نمطية، ليحتل المرتبة الأولى في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا والمرتبة 17 على مستوى العالم، مع 180 اتصالاً بـ 70 دولة. حصل على المركز الرابع في مؤشر أداء موانئ الحاويات (CPPI) وتؤكد مركزيته بحوالي 17.500 سفينة وأكثر من 600.000 مركبة و142 مليون طن من البضائع وأكثر من 3 ملايين مسافر.
• ميناء الناظور غرب المتوسط: يتم تقديمه كمرحل للممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوربا (IMEC) وكمركز طاقة انتقالي، لإعداد التزويد بوقود الميثان الإلكتروني والميثانول الإلكتروني المدعوم بالهيدروجين الأخضر، مع مشروع مشترك بين CMA CGM وMarsa Maroc تم الاستشهاد به بالفعل كعلامة ربط.
• ميناء الداخلة الأطلسي: من المتوقع أن يتم تشغيله في عام 2028، ويرتبط بطريق سريع بطول 1055 كيلومتر، ومن المقرر أن يكون بوابة ساحلية إلى المحيط الأطلسي ومحورا لمبادرة إفريقيا الأطلسية. ورغم المراكز ذات المستوى العالمي، تعاني البلاد من عجز حاد في الأسطول التجاري، وهو ما يتضح من فكرة “ميناء بدون سفن”، وهو إرث خاص لخصخصة كوماناف في عام 2007. وفي عام 2025، لم يكن لدى الدولة سوى 17 سفينة نشطة، وهي علامة على الاعتماد الكبير على الأعلام الأجنبية وفقدان القيمة في السلسلة اللوجستية.
الجبهة الثالثة نشطة وآمنة. يوصف خط أنابيب الغاز بين أفريقيا والمحيط الأطلسي ونيجيريا والمغرب، الذي تم إطلاقه في عام 2016، بأنه ممر يتراوح طوله بين 5600 إلى 6800 كيلومتر على طول ساحل المحيط الأطلسي، ويعبر من 13 إلى 16 دولة، ويتراوح صبيبه بين 30 إلى 40 مليار متر مكعب سنويا، مع هدف التشغيل الأول اعتبارا من عام 2029. ويشير التقرير إلى منفذ أوروبي يصل إلى حوالي 18 مليار متر مكعب سنويا وتأثير كهربة إقليمي كلي لعدة مئات الملايين من الأشخاص، في حدود 400 إلى 500 مليون. بين عامي 2024 و2025، كان من الممكن أن يصل المشروع إلى مرحلة بارزة مع الانتهاء من دراسات FEED، ودراسات التأثير التي تم إجراؤها في الأقسام والدينامية الحكومية الدولية التي تم تأكيدها خلال اجتماع الرباط يومي 10 و11 يوليوز 2025. وتقدر ترتيبات “تمويل المشروع” بحوالي 25 مليار دولار عبر شركة ذات غرض خاص تنظمها شركة ONHYM وشركة NNPC Ltd، في حين يقدر قسم الناظور-الدخلة المغربي بحوالي 6 مليارات دولار مع ربحية مستهدفة معلنة تزيد عن 12% وخيار هيدروجين مدمج من مرحلة التصميم. وفي هذا السياق، يؤكد التقرير على التهديدات المتغيرة والحاجة الملحة للأمن البحري المتكامل.
إن حماية البنية التحتية الحيوية للموانئ، وتأمين طرق مضيق جبل طارق، والتكيف مع الهجمات السيبرانية، والقرصنة الاقتصادية، والتدخل التكنولوجي، أصبحت حاسمة مثل المراقبة التقليدية. جوهر الأطروحة موجود: يجب على القوة البحرية المغربية أن تأخذ بعين الاعتبار الاقتصاد الأزرق والحماية البيئية، وفق منطق لا يكون فيه البحر آمنا إلا إذا ظل حيا ومنتجا ومحكوما. ويلخص النص هذا المبدأ في جملة واحدة: الاقتصاد الأزرق لا يزدهر بدون بحر آمن، ولكن البحر لن يكون آمنا إلا إذا كان عادلا اقتصاديا ومرنا بيئيا ومحميا إنسانيا.
والجدير بالذكر أن مؤسسة كونراد أديناور، الجهة المنجزة والناشرة للتقرير، تعد من المؤسسات الألمانية الرائدة التي تدعم البحث والتحليل في مجالات السياسة والأمن والتنمية، وتهتم بشكل خاص بمنطقة المتوسط وجوارها، مما يجعل هذه الدراسة مساهمة هامة في فهم التحديات الأمنية البحرية المغربية من منظور دولي محايد نسبيا.