بحث في سيكولوجية المرأة عند الفيلسوف شوبنهاور (الجزء الخامس)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 09:10
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

الترجمة:
كيف تتصرف النساء تجاه بعضهن البعض؟ للإجابة على هذا السؤال، علينا دراسة تنافسهن وروح الفريق لديهن، وكيف يتعاونّ، رغم تنافسهن، في المسعى نفسه. لا ينبغي لهذه المشاعر المتضاربة أن تُفاجئ الفيلسوف المتشائم، فهو يعلم أن إرادة الحياة في صراع دائم لا ينتهي.
يكفي، كما يقول شوبنهاور، أن تلتقي امرأتان لتتبادلا النظرات كما يفعل الغويلفيون والغيبلينيون*. تنافسهن، في جوهره، ليس سوى جانب واحد من صراع الحياة. هذا الصراع، الذي يتسم بالوحشية والعنف في جوانب أخرى، يدور حول الدهاء والكذب والدبلوماسية. وهو لا يقل قسوةً عن غيره. إذا كان رجلان، متنافسان في الحب، يكرهان بعضهما، فكم يكون بالأحرى هذا الكره أكثرقسوة عند النساء! ذلك لأن سعادة الرجل تعتمد على ألف اعتبار، بينما بالنسبة إلى المرأة، هناك اعتبار واحد فقط يُحدد كل شيء: الرجل الذي نجحت في إرضائه.
هذه الهشاشة في قدرتهن تفسر قسوتهن وغرورهن. يقول شوبنهاور إن الرجال عموما يتحدثون باحترام وإنسانية حتى مع أدنى مرؤوسيهم، "لكن من غير المحتمل رؤية الغطرسة التي تخاطب بها سيدة المجتمع امرأة من طبقة أدنى". والسبب في ذلك هو أن الفروقات في المكانة بين النساء أكثر هشاشة، ويمكن تعديلها أو إزالتها بسهولة. فعندما يمتلكن السلطة ليوم واحد، يصبحن ميالات إلى إساءة استخدامها.
هذه المنافسة الغيورة، وهذه المشاعر العدائية، لا تمنع النساء من التوحد ضد العدو المشترك، الذي لا يرغبن في استمالته إلا لأجل هزيمته: الرجل. هذه هي الفكرة التي تتبلور في مسرحية "ليسيستراتا" لأريستوفان. وهي أيضا ما عبر عنه فاغنر بنضارة آسرة في مقدمة "رباعية الخاتم". يستحضر القارئ ءلك التواطؤ التلقائي للأخوات الثلاث في إثارة عاطفة القزم ألبريش، دون إشباعها، والتسلية على حسابه؛ وقد يستحضر ضحكات فوغلينده، أو صرخة موشيلده التي تطمئن رفيقاتها بكلمة واحدة: "أضحك الآن على خوفي، العدو واقع في الحب". (Eheingold، الجزء الاول، الفصل الأول)
وبالفعل، يترك الشوقُ هذا القزمَ عاجزا أمام سخرية النساء، والذي أصبح، منذ لحظة لعنه للحب، سيدَ العالم.
وهكذا يعترف شوبنهاور مع شامفور بأن "النساء يتحدن في قضية واحدة، وأنهن مرتبطات بنوع من التحالف الضمني". وبهذه الطريقة، فإن مفهومهن للشرف يستجيب لمتطلبات روح الجماعة الحقيقية. وبما أن الرجل هو العدو المشترك الذي يجب هزيمته، فإن أول مبدإ من مبادئ الشرف الأنثوي هو أنه يجب حرمانه بلا رحمة من أي علاقات غير شرعية، وذلك لإجباره على الزواج كنوع من الاستسلام.
إن الفتاة الصغيرة التي تفشل في أداء واجبها تُدين نفسها بالخيانة العظمى ضد جنسها، فلو انتشر هذا الفعل، لتضررت المصلحة العامة، ولذلك تم نبذها من المجتمع، وتغطيتها بالعار، وهكذا وجدت نفسها قد فقدت شرفها. وعلى كل امرأة أن تتجنبها كما لو كانت ضحية وباء. والمصير نفسه ينتظر المرأة الزانية لأنها لم تلتزم بأحد شروط الاستسلام الذي وافق عليه زوجها. ومن المرجح أن يُثني نموذجها الرجال عن توقيع عقد مماثل، وخلاص جميع النساء يتوقف على ذلك. لذا، فإن مبادئ شرف المرأة ليست سوى تعبير اجتماعي عن إرادة الجنس البشري.
وقفنا الآن على رأي النساء في الرجال؛ وعلمنا أنهن، رغم تنافسهن، يتعاون في المسعى نفسه. ولكن إلى أي مدى يُتوّج النجاح جهودهن؟
الزواج، كما رأينا، فخٌّ نصبته لنا الطبيعة. لا ينبغي للاستثناء هنا أن يُخفي القاعدة: فإذا تزوج بعض الرجال بدافع الحسابات، فإن معظمهم يفعل ذلك بدافع الحب. إنهم يُقدمون، في لحظة نشوة كرم، على هذا العقد المجحف الذي سيُعيق حياتهم بأكملها. وهم الخطيب من القوة بحيث يتغلب على تردادته، بل وأحيانا على يقينه من خيبة الأمل الوشيكة. هذه الخيبة حتمية. لقد قالها شيلر من قبل: "الوهم زائل، أما الندم فخالد. عندما تدق الأجراس داعيةً الضيوف إلى وليمةٍ بهيجة، يرقص تاج العروس برشاقةٍ على شعرها؛ ولكن، يا للأسف! مع أبهى مظاهر الحياة، يذبل ربيعها أيضا. مع الحجاب، مع الحزام، تتلاشى الأوهام. الماضي يرحل، أما الحب فيبقى. الزهرة تذبل، أما الثمرة فتنضج." وهكذا، تذبل الزهرة حالما تفقد فائدتها. لماذا؟ لأن الطبيعة لا تهتم إلا بالثمرة. ما قيمة آمالنا المحبطة، وأحلامنا المحطمة، وسعادتنا المكسورة، أمامها، بعد أن تُلبّى إرادتها؟
هذا ما يخبرني به صوتها الحزين والمهيب،
وفي قلبي أكرهها،
وأرى دمنا ينساب في موجته، وموتانا تحت عشبه
يغذّون جذور الغابات بعصارتهم.
(فيني، قصائد، ص 196). هذا هو الشعر المُعذَّب الكامن وراء صيغ شوبنهاور المجردة.
إذا كان ثمة مأساة في رؤية الحب يخدع الناس، والزواج يُديم معاناة الإنسان، فإنّ الشهامة تُظهر لنا انتصار المرأة في مظهرها المُضحك. لقد تحدثنا عن الدراما؛ والآن، ها هي الكوميديا.
بحسب شوبنهاور، لا يسعنا إلا أن نسخر من شهامتنا الفرنسية القديمة و"تقديسنا الأحمق للمرأة". "هذا هو التفتح الكامل للحماقة الجرمانية المسيحية". بعد هذه التصرفات السخيفة، هل ينبغي أن نتفاجأ من غطرسة النساء، ومن وقاحتهن المعتادة؟ "إنهن يذكرننا، بصراحة، بقرود بنارس المقدسة، التي تدرك تماما كرامتها المقدسة وحرمتها لدرجة أنها تعتقد أنها فوق القانون". إذا كان شوبنهاور يحكم على النساء بقسوة (ويبر)، فإنه يفقد كل ضبط للنفس عندما يتحدث عن
السيدة (فرو، "الروح"). يقول لنا إن المرأة، الجنس التابع أو الأدنى (sexus sequior) عند القدماء، لم تُخلق بأي حال من الأحوال لإلهام التبجيل
وتلقي الولاء. عواقب هذا الموقف الخاطئ واضحة للغاية. من المستحسن
أن يُعاد هذا الكائن البشري من الدرجة الثانية في أوروبا إلى مكانته الطبيعية، وأن تُلغى صورة السيدة، التي كانت موضع سخرية في جميع أنحاء آسيا، والتي كانت روما واليونان تسخران منها أيضاً. سيكون لهذا الإصلاح، من وجهة نظر سياسية واجتماعية، فائدة حقيقية. إن مبدأ القانون السالي واضحٌ وجليٌّ لدرجة أنه يبدو من غير الضروري صياغته. إن ما يُسمى بحق "السيدة" الأوروبية هو نوع من الكائنات التي لا ينبغي أن توجد. يجب ألا يكون في العالم إلا ربات بيوت، مكرسات لأعمال المنزل، وفتيات صغيرات يطمحن إلى أن يصبحن ربات بيوت، مُدرَّبات لا على الغرور، بل على العمل والخضوع. ولأن هناك سيدات في أوروبا، فإن نساء الطبقة الدنيا - أي الغالبية العظمى - هنّ أكثر استحقاقاً للشفقة بكثير مما هنّ عليه في الشرق.
(يتبع)
---------------------------------
رابط النص الأصلي: N_03_Fauconnet.pdf
(*) يشير هذين المصطلحين إلى فصيلين سياسيين في العصور الوسطى بإيطاليا: الأول مؤيد للبابا والثاني للإمبراطور الروماني المقدس.