ليلى شهيد تسلم الروح لباريها بعد حياة مفعمة بالنضال من أجل فلسطين


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 00:22
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية     

وُلدت ليلى شهيد في لبنان عام 1949، في وقتٍ مُحيت فيه بلادها من خرائط العالم. وطوال حياتها، ناضلت بلا كللٍ من أجل تحرير بلادها، مُضحيةً بكل ما أوتيت من قوة. فقد ضحّت ليلى شهيد بحياتها من أجل وطنها.
فرغم أن إيلي برنافي، الذي كان سفير إسرائيل لدى فرنسا حين كانت هي المندوبة العامة الفلسطينية في باريس، رآها “خصمًا عنيدًا، مُفعمًا بالحماس والشغف”، إلا أنه أقرّ قائلًا: “إنها قومية، ولكن معها، السلام ممكن”. تُجسّد ليلى شهيد، الوجه الدائم لفلسطين في فرنسا ولاحقًا في الاتحاد الأوروبي، البراعة الدبلوماسية والعفوية.
اضطرت للانتظار حتى بلغت الأربعين من عمرها قبل أن تطأ قدمها أرض فلسطين. عن عمر للغ 76 عامًا، لفظت انفاسها الأخيرة يوم الأربعاء 18 فبراير، في منزلها بمنطقة غارد الفرنسية. كانت تبلغ من .
روت في عام 2005 أن طفولتها في بيروت كانت غنية بحكايات “ألف ليلة وليلة”، وأنها، وهي مرأة مثقفة، كانت تحمل في قلبها إحباطًا عميقًا سببه شعورها بأنها انخرطت في السياسة بدلًا من أن تسلك طريق الأدب. كانت والدتها تهدئ نوبات الربو الليلية التي كانت تعاني منها، إذ كانت تروي لها بلا كلل قصة شهرزاد، بالإضافة إلى قصص عائلتها وتهجيرها.
قالت في مقطع اوتوبيوغرافي: “عندما كنت طفلة، كانت أمي تبكي طوال الوقت. نشأت وأنا أشعر وكأنني محرومة من تاريخ والديّ، بينما كنت في الوقت نفسه أستوعب تاريخهما. كنا سنعود للعيش في فلسطين.”
ثم هناك القدس، موطن أجدادها، حيث كان جدها رئيسًا للبلدية في مطلع القرن العشرين. أما والدها، فكان أستاذًا في الطب.
في الخامس من يونيو عام 1967، قبل أيام قليلة من بلوغها الثامنة عشرة، خاضت ليلى شهيد امتحانات شهادة البكالوريا في الكلية البروتستانتية ببيروت. كان ذلك اليوم الذي اندلعت فيه حرب الأيام الستة.
بعد أن فُجعت بالهزيمة العربية واحتلال القدس الشرقية، انضمت إلى حركة فتح وتطوعت في مخيمات اللاجئين اللبنانيين بعد حصولها على شهادة في علم الأقروبولوجيا. تذكرت بعد أربعين عامًا في صفحات مجلة “باري ماتش”: “لم أجرؤ على إخبار أصدقائي من الطبقة البرجوازية اللبنانية، الذين كانوا يرتادون النوادي الليلية، أنني أقضي وقتي في مساعدة عديمي الجنسية. لكن هناك، تعرفت على قصص أمي. كانت تلك المخيمات هي فلسطيني”.
بعد ذلك بعامين، في مؤتمر طلابي في عمّان، لفتت انتباه ياسر عرفات. متحدثة بالفرنسية، ودودة، وذات أسلوب صريح بشكل لافت، واصلت رحلتها في باريس، حيث أسست شبكة من المثقفين والأكاديميين وصناع الأفلام الذين خدموا قضيتها. في عام 1982، سافرت إلى صبرا وشاتيلا مع صديق عمرها جان جينيه خلال المجازر في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. وقد أهدى لها لاحقًا روايته “أربع ساعات في شاتيلا”.
بعد زواجها من الكاتب محمد برادة عام 1978، استقرت في المغرب، حيث عاشت عشر سنوات قبل أن تُعيّن رسميًا ممثلةً لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1989. بدأت مسيرتها في أيرلندا، ثم انتقلت إلى الدنمارك وهولندا، وأخيرًا إلى فرنسا. أصبح وجهها مألوفًا لدى الفرنسيين، الذين تعرفوا على هذه الدبلوماسية النشيطة والمتحمسة، القوية والودودة في آنٍ واحد، بصوتٍ يجمع بين الخشونة والعذوبة.
خلال الانتفاضة الأولى، شعر عرفات بضرورة الاعتراف بدور المرأة في المقاومة بتعيينها في مناصب مهمة. تذكرت في 2001 أنها كانتُ الوحيدة التي قبلت هذا التكليف.
بعد أسابيع قليلة من أحداث 11 سبتمبر، رافقتها صحيفة “ليبراسيون” في رحلتها عبر فرنسا، مُلبّيةً كل دعوة من البلديات والجمعيات. أجابت على الأسئلة، وشاركت تجاربها، وأحيانًا في حوار مع مفكر يهودي.
عن هذه اللقاءات، قالت: “هكذا حافظت على إنسانيتي: كيف لي، بعد كل هذه السنوات، ألا يغمرني اليأس التام من جدوى عملي، لولا هذه اللقاءات غير المتوقعة؟”
في عام 2015، تملك ليلى شهبد الإرهاق، فقررت الاستقالة، موضحةً أنها تغادر بشعور من “الحزن والغضب”. بعد أن شهدت دورة تاريخية – الأمل في السلام في نهاية الانتفاضة الأولى، واتفاقيات أوسلو، والزخم الدبلوماسي الذي تلاها – استسلمت لنوع من الإحباط السياسي، مفضلةً تكريس نفسها للعمل الثقافي مع الشتات الفلسطيني.
ولكن بعد عشر سنوات، في عام 2025، اعترفت قائلةً: “قلتُ إنني سأتقاعد في عام 2015، لكن المرء لا يتقاعد من قضية يدافع عنها”.
عند اعتراف فرنسا الرسمي بفلسطين، قالت إنها شعرت “بالرعب” من هجمات 7 أكتوبر. انخرطت من جديد في النضال قائلةً: “الاعتراف ضروري، بل ضروري للغاية، ولكنه غير كافٍ. لقد اعتمدت قضية فلسطين على هذا الاعتراف طوال قرن من الزمان، وذلك ببساطة لأن العالم قد تم إيهامه بأن فلسطين أرض بلا شعب، وهذا زيف! هذا الاعتراف يعيدنا إلى جوهر المشكلة، ألا وهو الاعتراف بالشعب وأرضه.”
قبل بضعة أشهر، قالت لمجموعة من الصحافيين الفرنسيين: “ليس لديّ أبناء. جميع أبناء فلسطين هم أبنائي”. إذن، من هذه الحياة الثرية، وهذه التجارب المؤثرة، كان بإمكان ليلى شهيد، الكاتبة المحبطة، أن تؤلف كتابا: “لا أستطيع الكتابة، لأنه عندما أكتب، تأتي إليّ ثلاث لغات: لغة التعليم (الفرنسية)، ولغة المشاعر والطفولة (العربية)، ولغة الدبلوماسية (الإنجليزية)”.