روبينس بيليدور: “بخصوص إشكالية الوجود: جوهر الحقيقة والحرية الإنسانية عند هايدغر” (2/1)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 02:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

في هذه المرحلة من الرحلة التي قمت بها بمحض إرادتي بحثا عن مفهومي الحقيقة والحرية في قارة الفلسفة، سنقوم سويا بقراءة مقالة مطولة (140 صفحة) كتبها روبينس بيليدور، الأستاذ الباحث بجامعة شيربروك الكندية، ونشرها على الحامل الورقي سنة 1996 وعلى الانترنيت سنة 2015 تحت عنوان: “بخصوص إشكالية الوجود: جوهر الحقيقة والحرية الإنسانية عند هايدغر”.
بدأ هذا النص بالإشارة إلى أن مسألة الحقيقة هي مسألة “معنى الوجود”. أصبحت متجذرة حتى في ماهيتها الأساسية كحقيقة الجوهر. ويعني الفيلسوف بالجوهر ما يميز شيئا ما باعتباره كذلك. هكذا، تم إدراك فكر الوجود، الذي اشتقت منه هذه المسألة في الأصل، منذ أفلاطون على أنه “فلسفة”، ثم حصل في ما بعد على اسم “الميتافيزيقا” التي ينظر إليها من أساسها كتفكير في الموجود بما هو موجود. إنها تساؤل يتجاوز الموجود الذي تتساءل عنه من أجل استعادته كما هو في مجمله لتحقيق مفهومه. وبالفعل، حيثما طرح السؤال عما هو الموجود، إلا ويقف مرئيا كما هو. وهكذا يكون التمثيل الميتافيزيقي مدينا بهذه الرؤية إلى ضوء الوجود. إنه (السؤال) يتوقف على أن يكون قبل كل شيء في ملكية المعرفة المطابقة للواقعي، ليصبح حدثا مرتبطا بحلول الوجود في الدازاين. إنما في الاختلاف بين الوجود والموجود يعثر على أصله. ولأن الوجود لم يُفترض قط من قبل التفكير الفلسفي كأصل لزمن وتاريخ العالم في هذا التفاعل الثنائي ببن الوجود والموجود، لم تكن حقيقة الوجود أبدا موضوعا للتفكير الموضوعاتي. لعرض هذا البحث الصعب عن مسألة حقيقة الوجود التي لها نفس البنية الدائرية التي لمسألة الوجود، قام الكاتب بإجراء تقطيع معين بدا له ضروريا للاستجابة لحاجتنا إلى فهم أوضح لفكر فيلسوفنا.
أليس هذا ما فعله هايدغر نفسه عندما عرض لأول مرة في كتاباته الأولى، من “الوجود والزمان” إلى “جوهر الحقيقة”، الجانب “المتعالي” لحقيقة الوجود، في حين أن أحدث أعماله، وهي تحتفظ بالنتائج السابقة، لكن عبر استعادتها على أساس أكثر أصالة، حققت منعطف — die Kehre — فكره وفق الجانب “المتعالي” لحقيقة الوجود. هنا أخبر الكاتب قراءه بأن مقالته ستأخذ في الاعتبار الأعمال الأولى فقط، وهذا يعني أنه لن يتطرق إلى المنعطف، لكنه سيركز على هايدغر الشاب وسوف ينتناوله كهلا في حديث لاحق. عندما نشر مارتن هايدغر الجزء الأول من كتابه “الوجود والزمان”، عام 1927، تعرض فجأة فكره، الذي تطور لفترة طويلة في صمت نشاط أستاذ جامعي، للضوء القاسي للوجود العام. في هذا السياق، أكد هايدغر، كما كتب بوغيلر في مقدمة “الوجود والزمان”، أن هذا الكتاب جعل فكر مارتن هايدغر، على ما يبدو، في طليعة الحركة الفينومينولوجية، التي كان يعلم أنه ينتمي إليها، وأنه أهله لأن يتقدم، بشكل أكثر عمومية، على كل الذين كرسوا أنفسهم للفلسفة.
أثار الكتاب إلى حد كبير ظهور مواقف أساسية: البعض رأى فيه محاولة، قام بها الإنسان أخيرا بشكل جذري لأجل غاية حسنة، للارتباط به وحده وبأكمله؛ بالنسبة للآخرين، قدم الكتاب مساعدة كافية لجعل خطاب الإنسان حول الله، أو حتى الكلام الموجه من الله إلى الإنسان، ملموسا بطريقة جديدة. بالنسبة إلى الكثير من الشباب الذين كانوا يبحثون عن طريقهم، أصبح “الوجود والزمان” مرشدا، فقط لأنه في وسط ديحور الثورات والحروب تعلموا رغم كل شيء، من هذا الكتاب، أن يموتوا — في هذا المعسكر أو ذاك — كيف يجربون موتهم الخاص. لا يمكننا أن نكلف أنفسنا بمهمة مكافحة أخطاء التأويلات. ما الفائدة من إظهار أن هايدجر قد أسيء فهمه، — ما ذا يمكن ان يقع،خلال المسار، لو احتقر ايضا نفسه ومٱله؟ قد نسأل أنفسنا: ما الذي يبرر أن هايدغر أسيئ فهمه؟ يمكننا الإجابة بإيجاز، آخذين النازية كمثال.
عدد كبير جدا من الشراح والقراء الذين يربطون أفكار الفيلسوف بانتماءه النازي، لا يوافقون أي شخص على اختياره فلسفة مارتن هايدغر كمسار فكري في الحياة العملية. ربما هناك، كما يشير بيير بورديو، أفكار قليلة محددة ومؤرخة بعمق مثل “الفلسفة الخالصة” لهايدغر. ما من مشكلة من مشكلات العصر، أوإجابة أيديولوجية من”الثوار المحافظين” على هذه المشاكل إلا وتوجد في هذا العمل المطلق، إنما في صورة متسامية وغير معروفة.
ومع ذلك، هناك عدد قليل من الكتب التي تمت قراءتها بطريقة هي كذلك لا تاريخية بشكل عميق. أكثر المستنكرين تصميماً على التنازلات التي قدمها مؤلف كتاب “الوجود والومان” للنازية هم بالذات من أهملوا دائمًا البحث في طياته عن أدلة أو اعترافات أو آثار قادرة على التأشير أو إلقاء الضوء على التزامات مؤلفه السياسية. هؤلاء المستنكرون لم يستطيعوا تجشم عناء السعي إلى معرفة ما كان يريده هايدغر من صيرورته نازيا، فضلوا التدقيق في أعمال الفيلسوف من أجل تسليط الضوء على ما اعتبروه جديرا بالدلالة على معاداة السامية، معتبرين أن العرق هو “وجود-الإنسان”. هذا هو التناقض الذي ننوي حله في نهاية حديثنا، حتى نظهر للقراء الكرام ما أراد تحقيقه من خلاله انتمائه إلى النازية، معتمدين على كلام هايدغر نفسه. المسألة الحاسمة والوحيدة هي معرفة مصدر هذا سوء الفهم، ومن أين يأتي. نظرا للطمأنينة أثناء مشيها نائمة عندما مرت الفلسفة. بجانب القضية الحقيقية والوحيدة في “الوجود والزمان”، لم يكن الأمر، كما أدرك هايدجر في حينه، يتعلق بتفسير خاطئ لكتاب ما، ولكن بهجراننا من قبل الوجود: فهم أصل هذا “الهجران”، البحث عن إمكانية الخروج منه، والاهتداء هكذا إلى مدخل يؤدي إلى ما يجب التفكير فيه والتوجه نحوه، تلك هي المهمة الآن. ما كان نيتشه يريده، من خلال تقاسمه، عبر “فكره الفريد”، من هذا القليل الذي يحجب، بحث عنه هايدجر أيضا في المقالات والندوات والدروس التي يتعين علينا مراجعتها والتي سنذكرها بالترتيب الزمني: “في جوهر حرية الإنسان”، دروس 1930؛ دروس حول استعارة الكهف ومحاورة ثياتيتوس لأفلاطون، شتاء 1931-1932. شيلينغ صيف 1936: مقالة حول جوهر الحرية الإنسانية ونظرية أفلاطون حول الحقيقة، 1942.
لا يمكن لقارئ كتابات هايدغر فهم فكره إلا إذا كان مستعدا لأن يدرك في كل مرة أن ما يقرأه خطوة لا بد من التفكير فيها وانه ما يسير هايدغر نحوه؟ ربما يتوجب فهم فكر مارتن هايدغر، يقول بوجيلر، ليس كطريق تؤدي إلى عدد من الأفكار، بل كمسار يقتصر على هذا الفكر الوحيد والمتفرد الذي يأمل المفكر في توقفه يوماً ما كنجم في سماء الكون: التوجه نحو نجمة واحدة، وهذا وحده”.
توجه على الطريق، وجود-على-الطريق، هكذا كان هايدجر دائما يتصور فكره. في نهاية الجزء المنشور من “الوجود والزمان”، قيل إن الصراع من أجل الوجود ما يزال يتعين القيام به، ولكن هذا يتطلب الاستعدادات: إنما نحو ذلك فقط يتوجه البحث الحالي.
نسيء دائما فهم فكر هايدجر عندما نعتبره طريقا نحو شيء جديد، أحدث ما في الحداثة. إن ما يميز الوجود-على-الطريق وفقا لهذا الفكر يتمثل على وجه التحديد في ما يفعله فقط لإخراج هذا الذي، لكونه سقط في غياهب النسيان، يدعم دائما كل فكر. هكذا لا ينتج هذا الوجود-على-الطريق شيئا جديدا ولا يمثل أبدا تقدما نحو ما لم يسبق له من قبل أن كان موجودا.
على خلاف ذلك، في هذا الفكر، الخطوة إلى الوراء، العودة إلى ما كان، إلى اللامفكر فيه من الأصل الذي يشكل الطريق إلى المستقبل. هذا المسار المؤدي إلى الخلف، هذه العودة التي ما تزال باقية هناك حيث توجد من قبل دائما هي الأصعب، هي “أكثر صعوبة بلا حدود” من سباقات الوعي العلمي-التقني المفتونة بالتقدم. ولأن الفكر الذي يذهب إلى الجوهر يسلك مسارا معينا، يحتحب عن الاهتمام العلمي، الذي يتوجه نحو النتائج االتي هي دائما الأكثر جدة ونحو خطوات التقدم التي خطاها البحث، فضلا عن التذوق الصحفي لما هو في ذلك الوقت على وجه التحديد الحديث والأكثر حداثة.
من المؤكد أن مسار فكر هايدغر يتميز بتبني مواقف نهائية، وبتحولات بطيئة التكوين وانتكاسات مفاجئة. هكذا إذن يمكننا، مثلا، أن نتساءل عن علاقة هايدغر الشاب باللاهوت المسيحي، وهي علاقة سوف يتم الحديث عنها في هذه المقالة؛ في حين لن يقول الكاتب أي شيء عن علاقة هايدغر اللاحق بلاهوت هولدرلين الأسطوري-الشعري؛ كما يمكن أيضا التشكيك في أحكام هايدجر السياسية ومحاولته فهم ما يحدث اليوم في تاريخ العالم.
قد نستطيع كذلك عند الاقتضاء إثارة مسألة المظاهر الغنوصية في “الوجود والزمان” ومسألة المحاولة اللاحقة للعودة إلى العصور القديمة، حيث “ما زال-العالم-وطنا” وحيث يقف الفكر إلى جوار الأسطورة والقول الشعري.
قد نتساءل حتى عن العلاقة التي يحتويها فكر هايدجر بمظاهر حديثة كاللاهوت “الجدلي” أو الفلسفة الوجودية. عادةً ما تحكم مثل هذه الأسئلة على علاقة هايدجر بـ… باسم الإجابة على الأسئلة النهائية للفكر والإيمان. لهذا السبب سيكون من غير المناسب محاولة وضع هايدغر على عجل في السياقات الحالية، أيا كانت، بل الجدير بنا أن نرى إلى أي مدى يقدم فكره نفسه ليس كشيء غريب عن عصرنا، بل ظاهر، ولكل ما فيه من راهنية. لا ينبغي لنا، يقول بوغلير، أن نستعجل إقامة جسر فوق هذه الخاصية غير العادية؛ يجب أن تنفجر الأخيرة أولاً بكل عمقها. في ما يتعلق بالإجابات على الأسئلة النهائية للمعرفة والإيمان، يمتنع هايدجر صراحةً عن أن ينسب إلى الفكر الادعاء المتعجرف بمعرفة حل الألغاز والإتيان بالخلاص. هو نفسه يريد فقط، كطالب مواظب، أن يفحص الفكر كما وجد حتى الآن لاكتشاف ما يحتويه من لا مفكر فيه، ربما لنتمكن من اكتشاف هكذا بطريقته مكان حقيقة الوجود كمكان للبناء والعيش في المستقبل.
ومهما يكن، يكفي أن هذه المقدمة لفكر مارتن هايدجر توضح ولو قليلاً، بالنسبة إلى مسار فكر الفيلسوف في مجمله، ما عبر عنه ذات يوم، خلال محادثة مع ضيف ياباني، عن ذلك بالطريقة التالية، في إشارة إلى مشوار محدد تماما للمسار: “لم اعمل سوى على لتباع مسار غير دقيق، لكنني تابعت. كان المسار بمثابة وعد بالكاد يمكن إدراكه، يبشر بانطلاق نحو الحرية، أحيانا غامض ومزعج، وأحيانا شبيه بالبرق، مثل لمحة مفاجئة، ما تلبث أن تحتجب مجددا لمدة طويلة عن أي محاولة للتعبير عنها.
في نهاية هذه المقدمة، ارتضى كاتب المقالة تقديم نصيحة متعلقة بالقراءة؛ مؤداها أن الإكثار من الهوامش والانهمام بها يحملان في طياتهما خطرا يتمثل في إرهاق الانتباه بالتنقل ذهابا وإيابا بين النص الرئيسي وأسفل الصفحات. ويبدو لنا أيضاً أن أ الطريقة الجيدة للمضي قدما هي قراءة الخطاب دون الاهتمام بالهوامش التي يمكن العودة إليها في النهاية. لم توجد هذه الهوامش لتأطير القراءة وتقييد المعنى بواسطة تعليق أحادي المعنى. لكنها، من الناحية العلمية والأكاديمية، لن تعدو أن تكون إحالات إلى مصادر ومراجع رئيسية أو ثانوية كان لا بد من اسشارتها خلال المراحل التي مر بها البحث.
في كلمة تمهيدية، تساءل روبنس بيليدور: هل إنجاز دراسة تتناول الحقيقة والحرية في جوهرهما أمر ممكن؟ في الوقت الذي تحرز فيه التكنولوجيا تقدما هائلا، حيث نتساءل عما إذا كانت الحقيقة ما تزال تحتفظ بمكانتها، إذا كانت الحرية موجودة بالفعل، ألا يكون المشروع بالفعل على وشك الإفلاس؟ لا شك أننا سوف نواجه المخاطر وسوف نخوض المغامرة. وهي مستبعدة كل فكرة مسبقة، لا تطمح هذه الظراسىة إلى تقديم رؤية تنبؤئة، بل الغرض والهدف الرئيسي منها هو إظهار أن الحقيقة والحرية في جوهرهما بحسب الفكر الهايدغري هما الشيء نفسه، ويشكلان بإطلاق البنية الوجودية للإنسان. هذا الإتسان باعتباره الكائن الذي هو نحن جميعا. ولكن، هل الحقيقة والحرية هما أيضا كائنان من بين كائنات أخرى؟ من السابق لأوانه الجواب على هذا السؤال الميتافيزيقي، الذي سنحصل عليه عندما نسائل الوجود وندركه كما هو في ذاته.
كيف نمضي قدما لاكتشاف ما هي الحقيقة والحرية؟ استنادا إلى قراءة وتحليل نصوص هايدجر، سوف يقدم الكاتب تعريفات مختلفة للحقيقة والحرية عند هايدغر. وانطلاقا من التعريف التقليدي الحقيقة، سوف يبين أن هايدغر وضعه جانبا ليعود إلى الأصل ذاته، ليقول ما هي الحقيقة في جوهرها، وكذلك الحرية. سوف يقوم بالتحقق من التشابهات والاختلافات (إذا كانت هناك اختلافات) بين مختلف المقاطع حول هذه المسألة؛ بمعنى آخر سوف يعرض الرابط أو العلاقة الموجودة بين هذين المفهومين. ولأن هدفه الأسمى هو أن يبين أن الإنسان يستمد أساسه أو بنيته الأنطولوجية من الحقيقة والحرية، سوف يبين، من ناحية، كيف تبلورت توليفة الفكر الهايدجري حول الحقيقة والحرية؛ ومن ناحية أخرى، سوف يعرض، وهو يفكر في الإنسان من حيث جوهره، لتحليل موجز للحرية باعتبارها شرط إمكان ظهور كينونة الوجود، أي فهم الوجود كهدف أخير. وسوف يختتم مقالته، في مقام أول، مع القطب اللاهوتي للحقيقة وتوافق الرسالة الهايدجرية مع الرسالة الإنجيلية حول الحقيقة؛ وفي مقام، ثان، سوف يتعامل بإيجاز مع التزام هايدجر القومي الاشتراكي، نظراً لإصرار فكره على العلاقة بين-الحقيقة-الحرية.هذا ما سيقف عنده القارئ في الصفحات التالية. يقول هايدجر في كتيب له بعنوان “أسئلة” (الجزء الثاني، ص: 108): “إنما في فكر الوجود يدخل تحرير الإنسان من أجل الوجود، التحرير الذي يؤسس التاريخ، في الكلمة”. يؤمن هايدغر في قرارة نفسه بأنه في البدء كانت الكلمة التي ليست، في نظره، “تعبيرا” عن رأي، لكنها منذ الوهلة الأولى تعبير عن حقيقة الموجود ككل. الكلمة بما هي كلمة تتكلم. باعتبارها كلمة البدء، تفتح كل مجالات التساؤل التي تعترف الفلسفة بكونها تنتمي إليها: الكلمة تقول الوجود، الحقيقة، اللغة، المصير، الزمان.
في الفقرة الثانية من “الوجود والزمان”، يقول هايدجر إننا نتحرك قبلا ودائما في صلب فهم عادي وفضفاض للوجود، دون اعطاء أي جواب على السؤال المطروح بوضوح حول معنى الوجود ولسنا قادرين على تطوير هذا السؤال بما يناسب. يجب، في نظره، طرح هذا السؤال عدة مرات لأنه ينتمي منذ البداية إلى تاريخ الفكر الميتافيزيقي على شكل اللامفكر فيه؛ بل يجب رميه جانبا وطرحه من جديد، باسم علل موضوعية فيها تجد “الخاصية المبجلة” لأصل هذا السؤال أصلها.
أفلاطون، ارسطو، القديس توماس، لايبنتز، كل هؤلاء سموا الوجود وتحدثوا عنه دون أن يخلطوه بالموجود. لكن، بحسب هايدحر، نخلطه اليوم بالموجود، وإذا كان هناك خلط، فهو يقف فقط عند الحد الذي يقع فيه وعلى اعتبار أن ما أسماه اليونانيون ontos on أو alèthès on محدد منذ أفلاطون، وكذلك من قبل الوجود، لأن في الموجود يوجد موجود على نحو حقيقي أكثر. لكنهم لم يفكروا فيه انطلاقا من الاختلاف بين الوجود والموجود.
إنما فقط في نص تم الكشف عنه تحت عنوان “في ماهية الحقيقة” سنة 1934، طبع سنة 1943 ونشر سنة 1949، شرع هايدجر في التأمل، للمرة الأولى، عبر عودة إلى اليونان ومجاوزة التجربة اليونانية ذاتها، في الجوهر المحجوب عن المفكرين اليونانيين لما كانوا يسمونه الalèthèia، وأسموه في نفس الوقت تسمية الlèthè الذي تخرج منه الalèthèia. في هذا النص يصل الفكر إلى أعلى درجات تركيزه مع الجملة الأولى من الجزء السادس والتي تحمل عنوان “اللاحقيقة كانسحاب” (والتي سيتم لاحقا توضيحها أكثر). تمت ترجمة هذا العبارة في “أسئلة” (الجزء الأول، ص: 182) على النحو التالي: “التعتيم يرفض لalèthèia كشف الحجاب. إنه يرفض حتى كstérésis (حرمان) مع الاحتفاظ للalèthèia بما هو خاص بها”.
وفقا لجان بوفريه، الترجمة هنا غير أمينة، حيث تم بشكل تعسفي استبدال العبارة الألمانية noch nicht (دون أيضا) بالعبارة الفرنسية même pas (لا حتى). قال هيدجر بالفعل: “دون ايضا”. لو ترجمنا مرة أخرى عن طريق استبدال التعتيم بالانسحاب، نحصل إذن على: “الانسحاب يرفض لalèthèia أن تفقس دون أن تترك الأخيرة المجال فسيحا لأول حقوقها، إنما (الانسحاب) هو الذي يترك ما هو خاص به أكثر ينتمي إليها (alèthèia)”. وبعبارة أخرى، الانسحاب في حد ذاته يلعب دورا سلبيا في تجلي الحقيقة. في “الوجود والزمان”، الانسحاب الموصوف أيضا بالانسحاب من العالم (Entweltlichung)، يسمى من جهة أخرى Veefàllen، ما يمكن ترجمتها ب”انحطاط”. انحطاط مماثل بدأ في الفكر اليوناني بتثبيت الalèthèia على أنها تعني (مفتوح-بدون-انسحاب) لاإخفاء (Un-verborgenheit).
يجب أولاً أن نتعلم احترام “الإيجابي” في جوهرنا الخاص للalètheia وهذا ما سيحاول الكاتب القيام به. يجب أولا حل الأزمة الكامنة في أن الموجود الوحيد دائما، بل الوجود نفسه هو الذي يصبح جديرًا بالسؤال. لندرك أن كلمة krisis (أزمة) باللغة اليونانية تعني حكما، قرارا، اختيارا. وطالما ظلت هذه الأزمة معلقة، ما تزال بداية الحقيقة قائمة، غير مرئية في مأوى أصلها. وهذا هو الأصل الذي سيحاول الكاتب اكتشافه من خلال تتبع يؤدي إلى ماهية الحقيقة.
هوبعد عرض كلمته التمهيدية، انتقل روبنس بيليدور إلى الجزء الأول الذي أفرده لتقديم التعريفات المختلفة للحقيقة عند هايدغر، والذي بدأه بالإشارة إلى أن ما يهمه هنا بالدرجة الأولى مسألة جوهر الحقيقة وحرية الإنسان عند هايدغر، أي الحقيقة والحرية في وجودهما ذاته. من أجل شرح واضح للفكر الهايدغري، سيتم تعريف هذين المفهومين في كل جزء على حدة. في الجزء الأول سيبين الكاتب النهج الذي اتبعه هايدغر ليجعلنا نفهم ما هي الحقيقة في جوهرها، فيما سوف يتضمن الجزء الثاني دراسة الحرية. وعلى عتبة هذا الحزء، هناك توجه نحو الحقيقة وتساؤل حولها. وباقتفاء أثر هايدجر، سوف تكون البداية من التعريف التقليدي أو المفهوم الحالي للحقيقة.
يطرح النهج الهايدغري نفسه تحت بعد مثلث من الأبعاد: (1) بعد حملي أو بعد خبري، (2) بعد قبل حملي أو بعد كينوني، و(3) البعد الوجودي. لتفسير هذا النهج الثلاثي، بدأ الكاتب أولاً بالبعد الحملي منطلقا من حقيقة العبارة إلى الحقيقة الجوهرية وصولا إلى الحقيقة الحملية.
يتساءل هايدغر: ماذا نقصد عادة بكلمة “الحقيقة”؟ هناك، بحسبه، ثلاث أطروحات تميز التصور التقليدي لماهية الحقيقة والرأي الذي لدينا عن تعريفها الأساسي، وهي: (1) “مكان” الحقيقة هو العبارة، أي الحكم؛ (2) جوهر الحقيقة يكمن في “توافق” الحكم مع موضوعه؛ (3) أرسطو، أب المنطق، كان أول من نسب الحقيقة للحكم كما لو نسبها إلى مكانها الأصلي؛ وهو من روج لتعريف الحقيقة على أنها “اتفاق”. وهكذا، بحسب التصور المتداول، فإن “الصادق”، سواء كان شيئا أو حكما صادقا، هو ما وافق، ما توافق. ولكن مهما كان مكان الحقيقة، فإن طبيعتها واحدة. العبارة الصادقة والحقيقة يعنيان الاتفاق، ويكون ذلك على وجهين: أولا كاتفاق بين الشيء وما يفترض فيه، ثم كتوافق أومطابقة بين المقصود بالعبارة والشيء. لكن هذين الشكلين من الاتفاق ليسا منفصلين: فالثاني يفترض الأول؛ لأن العبارة الصادقة من المفترض أن تعبر عن الشيء كما هو، في حقيقته الخاصة. إن هذا التصور للحقيقة هو ما تم إيداعه في تاريخ الفلسفة، وتناولته طوال تاريخها. نجده مكثفا وموضحا في التعريف الكلاسيكي: “الحقيقة هي تطابق الشيء مع المعرفة” (Veritas est adœquatio rei et intellectus). مكثف أولاً، لأن الصيغة التي تقول (في كلمة تطابق) الطبيعة الفريدة للحقيقة، يمكن تحليلها بمعنيين يتوافقان مع “المكانين” اللذين تم تمييزهما سابقا: يمكن أن تفهم إما على أنها تطابق الشيء مع المعرفة، وإما على أنها تطابق المعرفة مع الشيء. عادة، يتم التعبير عن التعريف المذكور فقط في الصيغة: “مطابقة الفكر لموضوعه في الواقع الحسي” (veritas est adœquatio intellectus ad rem).
ومع ذلك، فالحقيقة مفهومة على هذا النحو، أو حقيقة الحكم، ليست ممكنة إلا على أساس حقيقة الشيء، على أساس تطابق الشيء مع المعرفة. وبعبارة أخرى، أيا كانت الطريقة التي نفسر بها الشيء، فيتعين عليه أن يكون أولا في حد ذاته معقولا، وهذا يعني أن يكون صادقا.
بطريقة واضحة، يستهدف هذان المفهومان جوهر الحقيقة التوافق مع… التفكير بالتالي في الحقيقة باعتبارها مطابقة. مع ذلك، أحد هذين التصورين لا ينتج ببساطة عن تحول الآخر. على العكس من ذلك، يتم التفكير في المعرفة (intellectus) والأشياء (res) بشكل مختلف في الحالتين. لمعرفة ذلك، علينا أن نبحث عن أصل هذا التعريف ومشروعيته. لذلك يجب علينا إرجاع التعبير الدارج عن المفهوم العادي للحقيقة إلى أصله المباشر، في القرون الوسطى. الحقيقة المفسرة كتطابق بين الأشياء والمعرفة (Adœquatio rei intellectum)، لم تعبر بعد عن الفكر الترسندنتالي الكانطي، الذي جاء لاحقا ولم يعد ممكنا إلا انطلاقا من الجوهر الإنساني باعتباره ذاتية، (رغم أن كانط هو الٱخر تناول الصيغة في “نقد العقل الخالص”)، الفكرة التي بموجبها “تتوافق الأشياء مع معرفتنا”. لكنها تعود إلى الإيمان المسيحي والفكرة اللاهوتية التي بموجبها لا تكون الأشياء، في جوهرها ووجودها، إلا لكي تتوافق مع الفكرة المُتصورة سابقا في الفهم الإلهي، أي في روح الله.
الأشياء منظمة وفقا للفكرة، متطابقة، وهي، بهذا المعنى، “صحيحة”. الفهم البشري هو أيضا كائن مخلوق. تلك ملكة وهبها الله للإنسان، يحب أن يكون الفهم البشري موافقا لفكرته. ولكن الفهم البشري لا يتوافق مع فكرته إلا إذا حقق في أحكامه تطابقا بين التصور والشيء، ويجب أن يكون الأخير، من جانبه، مطابقا للفكرة. هذه، في نهاية المطاف، مجرد نسخة لاهوتية من التصور الأفلاطوني للحقيقة الذي سيتم النظر فيه لاحقا. إذا كان كل موجود “مخلوقا”، فإمكان حقيقة المعرفة الإنسانية يتأسس على أن الشيء والحكم كلاهما مطابق للفكرة وهنا قادمان من وحدة خطة الخلق الإلهية، فهما بالتالي متناسقان مع بعضها البعض.
استمرارا لما قاله بيليدور في بداية الجزء الأول، أكد على أن الحقيقة كتطابق الشيء (المخلوق) مع العقل (الإلهي) تضمن الحقيقة كتطابق الفهم (البشري) مع الاشياء (المخلوقة). الحقيقة تعني في كل مكان وفي الأساس المطابقة، انسجام المخلوقات مع الخالق، “تناغما” محددا إذن بنظام الخلق. لكن هذا النظام، المنفصل عن أي فكرة عن الخلق، يمكن أيضا تمثيله بطريقة عامة وغير محددة كنظام للعالم. ماذا يحدث بمجرد التخلي عن فكرة الخلق؟ منطقيا، التعريف، من حيث التطابق، وحقيقة القضية، ينبغي الاعتراف من الآن فصاعدا بأنهما بدون أساس. وبدلاً من نظام الخلق المتصور لاهوتياً، ينشأ تنظيم ممكن لجميع الأشياء بواسطة العقل الذي، باعتباره مادة كونية، يمنح لذاته قانونه وهكذا يسلم بالمعقولية المباشرة للخطوات التي تشكل مساره (ما نعتبره “منطق الفكرة”).
من خلال التفكير بهذه الطريقة، يلمح هايدغر إلى “فينومينولوجيا الروح” لهيغل الذي رفض أيضا صراحةً التطابق، رفضا يعني بوضوح إلغاء التعريف التقليدي للحقيقة، وجاء هايدغر ليحذو حذوه. من ثمة لم يعد من الضروري أن نبرر على وجه التحديد أن جوهر حقيقة الحكم يكمن في تطابق العبارة.
إن استبدال نظام العالم بالنظام الإلهي يقدم ميزة مزدوجة: يسمح، من ناحية، بالتخلي عن ضرورة وجود أساس لحقيقة القضية في حقيقة الشيء، بتقليص “مكان” الحقيقة (أي قصر الأخيرة على مجال القضية وحده)، وتخليصه من كل تدخل لاهوتي؛ ويسمح، من ناحية أخرى، من خلال الاحتفاظ بفوائد هذا الأساس طي الكتمان، بعدم المساس بسلامة “طبيعة” الحقيقة. ومتى سعينا جاهدين مع فشل ملحوظ في شرح كيفية إثبات المطابقة، إلا ونقوم بافتراضها مسبقا باعتبارها جوهر الحقيقة. بالمثل، تعني حقيقة الشيء دائما مطابقة الشيء المعطى لمفهومه الأساسي كما يتصوره “العقل”. ما يسعى هايدغر إلى جعله مفهوما هنا هي هذه الحركة المزدوجة التي من خلالها أضفى تقليد معين المشروعية على تعريف الحقيقة كتطابق (من خلال تأسيس هذه التطابق في النظام الإلهي) ومنح لهذا الأخير بداهته؛ ليتلاشى بعد ذلك لصالح هذه البداهة بالذات، التي تم منذ ذلك الحين الاحتفاظ بها وحدها، على أعتبار أنها تأسست مع ذلك بطريقة سرية على أرضية لاهوتية تدعي أنها تخلصت منها.
هذا هو التحديد، الخالص ظاهريا، غير المؤسس مع ذلك، لماهية الحقيقة الذي راج في تاريخ الفلسفة من أقصاه إلى أقصاه، من أفلاطون إلى نيتشه. تمت صياغته أيضا بوضوح منذ بداية هذا التاريخ كما يلي: “تتمثل الحقيقة في تطابق (omoiosis) الكلمة (logos) مع الشيء (pragma). لهذا السبب جاز لـ”الوجود والزمان”، دون الدخول في تحليلات “في ماهية الحقيقة”، محاضرة ألقيت في بريمن عام 1930، أي بعد ثلاث سنوات من “الوجود والزمان”، أن يقتصر على تلخيص التعريف التقليدي للحقيقة من خلال الأطروحتين التاليتين:[(1) “مكان” الحقيقة هو العبارة (الحكم)؛ (2) ماهية الحقيقة تكمن في “توافق” الحكم مع موضوعه]. هذا النص (في ماهية الحقيقة) الذي جرى تنقيحه عدة مرات حتى عام 1943م تاريخ طبعته الأولى، احتفظ المؤلف دائمًا بنسخة منه منفصلة. يمكننا أن نقول إن هذه الصفحات العشرين تشكل الخيط الناظم لجميع كتابات هايدغر اللاحقة. ما يميزها، يتابع هو نفسه، هو أن الفتح الحاسم لـ”الوجود والزمان”، أي تأويل الوجود تحت أفق الزمان، لم يحدث فيها بشكل مقصود. هذا لا يعني أن هايدغر تراجع منذ عام 1930 عن “الوجود والزمان”، لكن ما يقوله لا يعني أنه بكل بساطة تتمة كتلك التي نتوقعها في رواية مسلسلة. تحت سطوة بداهة هذا المفهوم عن الحقيقة، وما أن يتم بالكاد النظر إليه في أسسه، حتى نسلم بأنه من البديهي كذلك أن يكون للحقيقة نقيضها وأن توجد اللاحقيقة. لاحقيقة الحكم (عدم المطابقة) هي عدم توافق الكلمة مع الشيء.
لاحقيقة (لاأصالة) الشيء تعني عدم توافق الموجود مع ماهيته. لذلك جرى فهم اللاحقيقة في كل مرة على أنها لااتفاق. هكذا إذن يسقط الأخير خارج ماهية الحقيقة. لهذا السبب يمكن إهمال اللاحقيقة، باعتبارها نقيضا للحقيقة، عندما يتعلق الأمر بإدراك الجوهر الخالص لهذه الأخيرة. أمام ذلك كله، كيف يمكننا تحديد الموقف الهايدغري بشكل صحيح؟ لم يسبق له أبدا أن أكد أن تصور الحقيقة الذي تم التذكير به للتو كان خاطئا: لكنه مشتق. لهذا ما تعلق الأمر إطلاقا عنده برفضه ولا حتى بتجاوزه، بل بتأسيسه. هذا العزم وحده يسمح لنا بفهم الأسئلة التي طرحها على التعريف التقليدي للحقيقة، والتي تتعلق كلها بشروط الإمكان عنده. الشرط الرئيسي والأول هو هذا: ما أن يصبح فعلا اللاهوت، الذي أسس سرا “التطابق”، مهجورا، يحق لنا أن نتساءل: ماذا تعني “المطابقة”؟، وبأي شيء هي ممكنة؟ سوف نرى أن مثل هذا التساؤل يوفر قوة دافعة حاسمة لرجوع متدرج، سوف يقود الحقيقة، خارج النظام الحملي، نحو النظام الكينوني، ثم خارج النظام الأخير، نحو النظام الوجودي (الأنطولوجي) الذي سيتعين علينا تحديده لاحقا.
إذا تبنى هايدغر مثل هذا النهج، فذلك يعني أن الحقيقة بالنسبة إليه ليست ذات إقامة أصلية في الحكم، ومثل متجول منعزل، تنطلق في طريقها نحو فتح هذه الإقامة الأصلية. ووفقا له، تستعير مطابقة الحكم مظهر إدراك ماهية الحقيقة بالاعتماد على أساس يحاول هايدغر اكتشافه.
والٱن، ماذا عن إلغاء التعريف التقليدي للحقيقة وأساس تمكين المطابقة؟. تمهيدا للإجابة على السؤال، طرح بيليدور سؤالا ٱخر: “ماذا يعني تطابق مع عبارة مع شيء؟ طالما أننا نريد احترام البيانات الأكثر بدائية للمعرفة، فالجواب لا يعتريه أدنى شك: الكلمة توافق الشيء، فهي مطابقة أو مناسبة إذا عبرت عن الشيء كما هو. يمكننا أن نتحدث عن التطابق بمعان مختلفة. نقول، مثلا، في حضرة قطعتين نقديتين من فئة خمسة سنتات: هناك تطابق بينهما. إنهما متطابقتان بتماثل مظهرهما. لديهما إذن هذا الجانب المشترك، ومن وجهة النظر هذه، فهما متماثلتان. دائما نتحدث التطابق عندما نقول مثلاً عن إحدى القطع النقدية: هذه القطعة النقدية دائرية. لم تعد العلاقة الآن قائمة بين شيء وشيء، بل بين عبارة وشيء.
يتساءل هايدغر عما يجعل الشيء والعبارة يتلاءمان؟، (هل) عندما يختلف بوضوح حدا العلاقة تختلف في مظهرهما؟ القطعة النقدية مصنوعة من المعدن، العبارة ليست مادية بأي حال من الأحوال. القطعة النقدية مستديرة، بينما العبارة لا خاصية مكانية لها. تتيح لك القطعة النقدية شراء شيء ما، بينما العبارة ليست وسيلة أداء. ولكن رغم كل هذه الاختلافات، يستخلص هايدغر، تتطابق العبارة المعنية، باعتبارها صادقة، مع القطعة النقدية. وهذا الاتفاق، وفق مفهوم الحقيقة المتداول، يجب أن يُنظر إليه على أنه مطابقة. ولكن كيف لما هو مختلف تماما، العبارة، أن تجعل من نفسها متطابقة مع القطعة التقدية؟ يجب أن تصبح هذه العبارة قطعة نقدية وهكذا تتوقف تماما عن أن تكون هي نفسها. هذا ما لا يمكن أن يحدث، يتابع هايدغر. في الوقت الذي يحدث فيه مثل هذا التحويل، فسيكون من المستحيل أن تستطيع العبارة، باعتبارها كذلك، أن تكون متطابقة مع الشيء. نحن نعلم أن أفلاطون كان يتصور الحقيقة على وجه التحديد على أنها تماثل في المظهر (Eidos)، في علاقة بالشكل المعقول الموجود مسبقا. ولتحقيق الملاءمة، يجب أن تبقى العبارة، أو حتى أن تصبح، ما تكون حقا. فيم تتمثب إذن ماهيتها، المختلفة جوهريا عن ماهية كل شيء؟
كيف يمكن أن تكون عبارة، مع الحفاظ على ماهيتها، متطابقة مع الٱخر، مع شيء؟ ولا يمكن أن تعني المطابقة هنا واقعة وجود شيئين من طبيعة مختلفة يصبحان فعلا متماثلين. وينبغي أن نستنتج من ذلك أن جوهر المطابقة يتحدد بطبيعة العلاقة القائمة بين العبارة والشيء. يقترح هايدغر ما يلي: طالما تبقى هذه “العلاقة” غير محددة ولا أساس لها في جوهرها، فكل نقاش حول الإمكان أو الاستحالة، حول طبيعة هذه المطابقة ودرجتها، يجري في فراغ. ترتبط العبارة المتعلقة بالقطعة النقدية بهذا الشيء من حيث أنه يستحضر ويقول ما هو مستحضر بحسب المنظور الموجه للنظر. لنفهم أن كلمة “استحضر” بمعناها الاشتقاقي تعني: “جعل [شيئا] حاضرا” أمامه، مع استبعاد أي فكرة عن التمثيل بالمعنى الذي يتلقاه هذا المصطلح عادة في الإبستيمولوحيا أو علم النفس. العبارة المستحضرة (اسم مفعول) لما تقوله عن الشيء المستحضر (اسم فاعل)، تعبر عنه كما هو. ال”كما هو” يهم الاستحضار وما استحضره. “استحضر” يعني أيضا، مع وضع جميع التحيزات “النفسية” و”الإبستيمولوجية” جانبا، واقعة ترك الشيء يظهر أمامنا كشيء.
هذا الذي يواجهنا إذن، في موقف من هذا القبيل، وجب أن يقيس مجالا منفتحا على لقائنا، بل عليه كذلك أن يبقى الشيء كما هو ويظهر ذاته في حال من الاستقرار، أي في موقفه. هذا الظهور للشيء باعتباره يقيس مجال اللقاء، يتم تحقيقه ضمن انفتاح لم تنشأ طبيعة انفتاحه بالاستحضار، ولكن الأخير استثمره وتولاه كمجال علائقي. إن علاقة التلفظ الاستحضاري بالشيء هي بمثابة تحقيق لهذه الإحالة التي يتم تنفيذها في الأصل وفي كل مرة كتنشيط لسلوك ما. كل سلوك، يؤكد هايدجر، إلا ويتميز بكونه، وهو يثبت نفسه ضمن المنفتح، متمسكا دائما بما هو ظاهر كما هو.
هذا الشيء الوحيد الذي يكون، بالمعنى الدقيق للكلمة، ظاهرا اعتبره الفكر الغربي في وقت مبكر “ما هو حاضر” { fi.as Anwesende ) وامتلكه لفترة طويلة تحت اسم “الموجود” (“das Seiende”). السلوك مفتوح على الموجود. كل علاقة {بواسطتها ننفتح على…) هي سلوك. الفاتحية [apérité] (التعبير عن فكرة الانفتاح) تختلف وفق طبيعة الموجود وطريقة السلوك. كل عمل وكل إنجاز، كل فعل وكل توقع إلا وينشأ في انفتاح مجال مفتوح فيه يتموقع الموجود بشكل صحيح ويجعل نفسه قادرا بشكل صحيح على التعبير عن ذاته كما هو وكيف هو. وهذا ما لا يحدث إلا عندما يقترح الموجود نفسه في التلفظ الذي استحضره، بحيث يخضع هذا التلفظ لتعليمة التعبير عن الموجود كما هو. هكذا إذن، بقدر ما يطيع التلفظ هذه التعليمة، بقدر ما يتطابق مع الموجود. التعبير الخاضع لهذه التعليمة مطابق (صحيح). يجب على العبارة أن تستعير مطابقتها من انفتاح السلوك. ذلك لأنه فقط بواسطة هذا الانفتاح يمكن أن يصبح الظاهر، بشكل عام، المعيار التوجيهي للأفهمة المناسبة.
لكن السلوك المنفتح نفسه يجب أن يقبل الاسترشاد بهذا المعيار. هذا يعني بالنسبة إلى هايدغر أنه يجب على السلوك أن يقبل الهبة المسبقة لهذا المعبار الموجه لكل استحصار. وهذا أمر متأصل في فاتحية السلوك. يمكن تأسيس الاستدلال المقنع على النحو التالي: “لكن إذا كان فقط من خلال فاتحية السلوك تصبح المطابقة (الحقيقة) للعبارة ممكنة، فإن ما يجعل المطابقة ممكنة له حق أكثر أصالة في اعتباره جوهر الحقيقة. وهكذا يسقط الإسناد التقليدي والحصري للحقيقة إلى الحكم (العبارة)، الذي يعتبر مكانها الأساسي الوحيد. إنها تقع أولا على مستوى انفتاح الوجود هنا باعتباره الوجود-في-العالم. الآن، بما أن الحقيقة الحملية تم هجرانها للتو، يجب أن نخطو خطوة اسفل النظام الحملي من خلال التوجه نحو النظام الأنطيقي (الكينوني) في صحبة هايدغر. لندرك أن الأنطيقي يعني الموجود بما هو موجود، كما هو، في حين أن المستوى الأنطولوجي، أي ما يجعل الوجود يكون كما هو، سوف ينضم إلى انفتاح الوجود-في-العالم كما هو.
وهو في بحث دائم عن أساس الإمكان الجوهري لفاتحية السلوك، يتساءل هايدجر: من أين يستمد التلفظ الاستحضاري تعليمة توجيهه نحو الشيء وتطابقه وفق قانون المطابقة؟ لماذا تعد هذه المطابقة شريكا في تحديد ماهية الحقيقة؟ كيف يمكن أن تتحقق الهبة المسبقة لمعيار؟ وكيف يتم إنتاج الأمر بالمطابقة؟ هذا ما لن يحدث إلا إذا جعلنا هذا التبرع المسبق أحرارا عند المنفتح بالنسبة إلى ما يظهر فيه وما سيربط كل استحضار. التحرر من إكراه المعيار لا يكون ممكنا إلا إذا كنا أحرارا تجاه ما هو ظاهر من داخل المنفتح. تحيل هذه الطريقة في التمتع بالحرية إلى الماهية التي أسيء فهمها حتى الآن للحرية التي سنعمل على التطرق لها في الجزء الثاني.
إن فاتحية السلوك، التي تجعل التوافق ممكنا، ترتكز على الحرية. وبأخذ هذا المرتكز كشرط أساسي، يمكننا القول أن ماهية الحقيقة هي الحرية. لكن هذا التأكيد على ماهية المطابقة ألا يحل “بداهة” محل أخرى؟ لا يمكن أن يتم الفعل إلا من خلال حرية الشخص الذي يفعل. هذا هو الحال أيضا مع فعل التلفظ بالاستحضار، ومرة ​​أخرى مع السلوك أو رفض “حقيقة”. ورغم ذلك، هذه الأطروحة لا تعني أنه من أجل استكمال العبارة، من أجل توصيلها أو استيعابها، يجب أن نتصرف دون إكراه، لكنها تقول: الحرية هي ماهية الحقيقة ذاتها.
ونعني هنا بـ “الماهية” أساس الإمكان الجوهري لما هو مقبول مباشرة وبشكل عام كمعروف.. إلا أننا لا نفكر بواسطة مفهوم الحرية في الحقيقة، ناهيك عن ماهيتها. وبما أن أساس إمكان المطابقة صار معروفا، فهل يجب أن نستنتج أنه تم التوصل إلى ماهية الحقيقة؟ ظاهريا، لا. في البحث عن هذه الماهية، يحق لنا أن نتناول البعد الثاني من النهج الهايدغري من خلال تسليط الضوء على الحقيقة الأنطيقية.
قلنا سابقا إن ما هو ظاهر، بالمعنى الدقيق للكلمة، ما هو موجود، اختبره الفكر الغربي في وقت مبكر على أنه “ما هو حاضر” وسماه منذ ذلك الحين لفترة طويلة ب”الموجود”. بهذا التأكيد، ندد هايدجر بالمشكلة التي واجهت تقليديا نظريات المعرفة: مشكلة “الجسر” الذي يربط الذات بالموضوع، النفسي بالجسدي، الوعي بالواقعي. ينطلق النهج الهايدغري برمته من الموجود إلى الوجود أو من الكينوني إلى الأونطولوجي. في القول بأن التلفظ هو تبيان الشيء نفسه دعم للأطروحة الديكارتية عن الذاتية. ما هي، بالفعل، “الذات” في التقليد الفلسفي، وريث ديكارت؟ إنها تتميز بـ “الوعي” الذي، وهو مرتبط بـ “الأشياء”، يستطيع تشكيل “التمثلات”. إذن للزوج ذات-موضوع كشرط للمعقولية زوج استعاري داخل-خارج: «خارج»، هناك أشياء وعالم، بمعنى آخر أشياء؛ “داخل” هو المأوى الراسخ، ملجأ الباطنية، حرمة الوعي. هذا التعارض المزدوج ذات-موضوع، داخل-خارج، يتوقف هو الٱخر على تعارض أكثر أصالة إنغلاق-انفتاح: إذا كان ال«خارج» ممتدا بلا تحفظ، فإن ال«داخل» انغلاق على ذاته، “تغليف” في النطاق الداخلي. يكفي أن يتطاير هذا النطاق الداخلي شظايا حتى يتم في نفس الوقت تقويض إحكام مثل هذين الزوجين المتعارضين بالمفارقة التاريخانية.
لكن هذا ما يحدث عندما يتم طرح “الوعي” باعتباره لا يشكل إلاىشيئا واحدا مع انفتاحه الخاص على العالم: منفصلا عن أي استعارة انغلاقية، يصبح من الاعلى إلى الأسفل ظهورا أو انفصالا عن الذات، قدرة على أن يكون خارج الذات، تعاليا. سوف ندرك بالطبع، في هذا الانفجار لـ “الشيء الذي يفكر” الديكارتي، ما أسماه هوسرل بمصطلح القصدية. تتمثل القصدية الفينومينولوجية أساسا، بالنسبة إلى هوسرل، في تحديد الفكر والوجود. فالوعي لا يعتبر الفكر صفة أساسية للشيء الذي يفكر. وعندما ينكر هوسرل أنه يمكن القول بأن الوعي يوجد أولا ويتجه نحو موضوعه في ما بعد، فإنه يؤكد في الواقع أن وجود الوعي ذاته يكمن في الفكر الذي ليس له شرط أونطولوجي. الفكر نفسه هو الأنطولوجيا. الوجود لم يعد وجودا لتلك الركيزة، بل وجودا للوعي ذاته. لكن عند هايدجر تنتقل تبادلية الوجود من الوعي باعتباره ارتباطا مقاصديا بالأنا المتعالي وبالموضوع كمستهدف إلى الوجود كانتماء متبادل للدازاين ولانكشاف الوجود.
في هذه النقطة، يقدم هايدجر نفسه كمتابع مخلص للفينومينولوجيا الهوسرلية. هذا هو المعنى الكامل لنصوص في”الوجود والزمان” يسخر فيها كاتبها من التصور المعتبر مكانيا بشكل تقليدي عن للمعرفة التي تفهم كحركة خروج من “ملجإ” الوعي، ثم عودة الذات “محملة بغنيمتها” إلى كل استعارات “التغليف”: لا يخرج الدازاين من نطاقه الداخلي، الذي سيتم تغليفه فيه، ولكن نمطه الأساسي في الوجود هو ما يجد نفسه دائما بالفعل في الخارج. يتعلق الأمر بتوضيح نمط وجود المعرفة، من خلال تحليل ظاهرة الحقيقة التي هي قلبها. لا تتضح الحقيقة بشكل ظاهر إلا في فعل المعرفة، عندما يقال عن هذه الأخيرة أنها صحيحة. إنما في هذه الظاهرة المحددة لمعرفه صحيحة،(لعبارة معطاة على أنها صحيحة) قام هايدغر بتوضيح علاقة المطابقة. وقد رأينا للتو أن هايدجر يدين العلاقة ذات-موضوع. التلفظ، بالنسبة إليه، لا يعني التمثيل بطريقة نفسية، ولا إعادة إنتاج صور سبقت مشاهدتها.
بالنسبة إلى هايدغر، التلفظ يعني أن تكون قريبا من الشيء الموجود. هو الموجود ذاته المشار إليه في العبارة. إن العلاقة الأنطولوجية للتلفظ بما هو هي إظهار الموجود. التلفظ هو وجود الشيء ذاته. ما يأتي لأن يقال هو أن الوجود المعبر بالنسبة إلى الشيء المعبر عنه هو إظهار للموجود، إنه يكشف غن الكائن الذي يرتبط به. “ظهور المعرفة لا يقوم على تطابق المعرفة مع الموضوع، لكنه يقوم على الوجود- الكاشف للموجود ذاته، بل على الوجود- المكشوف” الخاص به. يتأكد هذا الأخير بكون الشيء المعبر عنه، أي الموجود ذاته يظهر نفسه كما هو نفسه.
التأكيد يعني: إظهار الموجود في هويته. التأكيد يتم إنجازه على أساس ظهور الوجود. ولكن هذا لا يكون ممكنا إلا بقدر ما تكون هذه المعرفة التي تتلفط وتتأكد هي نفسها، من حيث معناها الأونطولوجي، الوجود-الكاشف للموجود الواقعي. عندما نقول إن العبارة صحيحة، فإننا نعني أنها تكشف عن الموجود في ذاته. إنها تعبر، تظهر، “تجعل مرئيا” الموجود افي وجوده المكشوف.
يجب أن يُفهم الوجود الحقيقي (wahrsein)، الحقيقة الأنطيقية (الكينونية) للعبارة على أنها “وجود-كاشف”. الحقيقة الأنطيقية أو الوجود-الحقيقي كوجود كاشف، ليست ممكنة إلا على أساس الوجود-في-العالم. اعترف هايدجر بهذه الظاهرة كتشكيل أساسي للدازاين. إنها أساس الظاهرة الأصلية للحقيقة التي من المناسب الآن سبر أغوارها من خلال تقديم بلورة البعد الثالث للنهج الهايدغري نحو الحقيقة الجوهرية حقا، وهي: الحقيقة الأنطولوجية.
في صدارة مطلب البعد الثالث المتمثل في الحقيقة الانطولوجية، قال بيليدور إنه لن يعرف كيف يكون من الصعب استيعاب مصطلح “أنطولوجي” المطبق على الفكر الهايدغري. مع ذلك، يبدو لنا من الضروري استخدامه هنا لسببين. من ناحية، يستخدم فيه هايدغر صفة “أنطولوجي” لوصف حقيقة “الموجود كما هو”، وليس من التعسف استخدام صفة “أنطولوجي” لوصف حقيقة “الوجود ذاته”، بشرط فهم هذا المصطلح، ليس في حمولته التاريخية والتقليدية، ولكن حصريا في اختلافه عن مصطلح “أنطيقي”، كما هو محدد هنا. ومن ناحية أخرى، لأن هذا التمييز يقترحه هايدغر نفسه صراحة حتى في كتيبه السابق قليلاً: “ماهية الحقيقة”. لم يتم هنا فحسب عرض المستويات المختلفة التي ميزناها للتو، بل تمت كذلك الإشارة إليها بأسماء خاصة. للتدليل على ما يقول، استخرج بيليدور من كتيب هايدغر بعض الاستشهادات وفق الترتيب التالي: (1) الحقيقة الحملية (الإسنادية): “الحقيقة
تعني اتفاقا، لا يعدو من جانبه كونه توافقا مع ما هو يظهر في الهوية باعتبارها فريدة من نوعها. (2) حقيقة القضية متجذرة في حقيقة (وجود-مكشوف) أكثر سموا في الأصل، في حالة شاخصة للموجود الذي هو قبل-حملي، ويسمى الحقيقة الكينونية (الأنطيقية)، والتي تستهدف الموجود الذي يتلاقى مع ذاته في العالم. (3) فقط لأن الوجود يكون مكشوفا، يصبح من الممكن للموجود أن يظهر. هذا الكشف الذي يُفهم على أنه حقيقة على الوجود، هو ما نعنيه باسم الحقيقة الأنطولوجية.
يجب ألا ننسى أن الكاتب انطلق من الحقيقة الحملية. وأظهر من أين تستمد هذه الحقيقة مصدرها، ثم استطاع، وهو يبتعد عنها شيئا فشيئا، أن بين بإيجاز لماذا تبدو الحقيقة الإسنادية وكأنها تحقق جوهر الحقيقة، وهو ما قاده إلى الحقيقة الأنطيقية. من خلال البحث عن أساس تمكين المطابقة، وجدنا أن هذا التمكين مؤسس على الحرية.
والآن، بعد ذكر المستويين المختلفين المذكورين أعلاه، أي “الأنطيقي” و”الأنطولوجي”، تكون الحرية التي يتحدث عنها “في ماهية الحقيقة” مرئية بوضوح ومحددة، من حيث ماهيتها، من خلال الموقع الذي تحتله في “شبكة الارتدادات”. بالفعل، إذا كان أحد المستويين هو مستوى “الموجود كما هو”، وإذا كان الآخر هو مستوى “الوجود نفسه”، فمن الضروري مطلقا أن يكون الوسيط والممر من أحدهما إلى الآخر يتمثل في “دع الموجود-يوجد”. هذه العبارة يجب أن تؤخذ بمعناها الصارم، وهذا يعني أنه يجب إعطاء أهمية متساوية لـ “دع” و”وجود”. لن يقدم الكاتب هنا والٱن صياغة وافية لهذه العبارة “دع الموجود-يوجد”، بل حسبه أن يتحدث عنها بإيجاز، وهو حريص على تقديم تحليل مفصل في موضع آخر. تمهيدا لهذا الغرض، طرح هذا السؤال: كيف نتفكر كشيء واحد الاقتران بين هاتين الكلمتين، “دع ووجود”؟
تفترض حقيقة الموجود حقيقة الوجود، ويجب على هذا الحدوث لوجود الموجود كما أنه يحوز موقعا متميزا، موقعا لا يمكنه أبدا خلق الوجود (أو محوه)، ولكن يستطيع أن يقبل (أو يرفض) استقبالا، ولهذا السبب لا ينفصل عن الوجود. هذا هو الموقع المميز الذي سماه هايدغر في كتابه “الوجود والزمان” الدازاين، والذي حدده هنا بشكل أضيق في كلمة حرية. هذه الحرية لا تعني حرية الإنسان تجاه الموجودات. إنها حرية الوجود، بالمعنى المزدوج لهذا المضاف: حرية يمنحها الإنسان للوجود، وبطريقة معينة، حرية يمنحها الوجود للإنسان – حرية الوجود في الحقيقة. وبهذا المعنى فهي مرتبطة بالدازاين (أي الوجود-هنا): ليس بمعنى أنها تنتمي إليه (كملكية)، ولكنها تشكله في ماهيته، لأنها تقول علاقة الدازاين بالوجود، وهي علاقة ليست شيئا ٱخر غير الدازاين نفسه. وعلى من يهتم بالدقة القصوى، ويسأل عما تكون بالضبط الحرية في علاقة بالدازاين، أجاب الكاتب بأنها صلة وصل تفصل وتوحد الـDa-sein في وسطه. الحرية، بالمعنى الدقيق للكلمة، هي ما ترخص للـ”الوجود” بأن يكون له “هنا”، لـSein بأن يكون له “Da”. ولأنها هي بالتحديد هذا الترخيص، الممنوح للوجود، بالوجود “هنا”، توضح وتحديد رجوعا ماهية الدازاين؛ أي ما أسماه هيادغر Ek-sistenz. “تعريف” الحقيقة كوجود-مكشوف ووجود كاشف ليس مجرد شرح لغوي لكنه جاء من تحليل سلوكات الدازاين التي اعتدنا أولا على وصفها بكونها “صحيحة”. الوجود الحقيقي كوجود-كاشف نمط من أنماط وجود الدازاين. لكن ما يجعل الشيء في ذاته ممكنا، هذا الكشف ينبغي تسميته “حقيقيا” بمعنى أكثر أصالة. الأسس الأنطولوجية-الوجودية للكشف ذاته تبين لأول مرة الظاهرة الأكثر أصالة للحقيقة. يعني الكشف عند هايدغر نمط وجود الوجود-في-العالم. هذا الأخير (العالم) يقبل كشيء مكشوف. إنه “حقيقي” بمعنى ثان. ويكون الدازاين حقيقيا، أي كاشفا. لكن هذا الاكتشاف للموجود الدنيوي يتأسس على انفتاح العالم. هكذا، إذن، يكون الانفتاح هو النمط الأساسي للدازاين الذي وفقه يكون (هنا)ه.
يتشكل الانفتاح بالعاطفة، بالفهم وبالكلام، كما يهم بشكل أصيل متبادل العالم، الوجود-هنا والوجود في ذاته. إنما معه، يواصل هايدغر، كان الوجود-المنكشف، وبالتالي إنما فقط مع انفتاح الدازاين يتم الوصول إلى الظاهرة الأكثر أصالة للحقيقة. بقدر ما يكون الدازاين في الأساس هو انفتاحها، وباعتباره منفتحا يفتح ويكشف، يكون “حقيقيا”. يوجد الدازاين “في الحقيقة”. لندرك أن لهذه العبارة معنى أنطولوجيا. وهو لا يقصد أن الدازاين، من الناحية الأنطيقيية، هو دائمًا أو حتى فقط في كل مرة خبير “بكل حقيقة”، بل إلى تشكله الوجودي ينتمي انفتاح وجوده الأكثر خصوصية. هذا الانفتاح الأصيل يظهر ظاهرة الحقيقة الأكثر أصالة. الانفتاح الأكثر أولية وكذلك الأكثر أصالة حيث يمكن للدازاين أن يكون قوة-وجود هو حقيقة الوجود. إنما فقط في سياق تحليل أصالة الدازاين سوف تحظى هذه الحقيقة بتعينيتها الأنطولوجية-الوجودية. المعنى الانطولوحي-الوجودي التام للقضية: “الدازاين موجود في الحقيقة” يقول في نفس الوقت، وبشكل أولي متبادل: “الدازاين موجود في اللاحقيقة”. إنما بالقدر الذي يكون الدازاين منفتحا يكون منغلقا كذلك؛ ومع ذلك إنما مع الدازاين المنكشف في كل مرة للموجود الدنيوي يتم فيها تغطية (إزالة) هذا النوع من الموجود الدنيوي المختفي في إمكان اللقاء الدنيوي.
الحقيقة (وجود-منكشف) يجب دائما أن تُنتزع من الموجود أولاً وقبل كل شيء. الموجود منتزع من السحب. في كل مرة، اكتشاف الحقائق، إذا جاز التعبير، يكون دائما بمثابة عملية اختطاف. يعبر اليونانيون عن ماهية الحقيقة باستخدام تعبير خاص a-lèthèia. لكن، بالنسبة لهايدغر، ليس من قبيل الصدفة أن يعبروا عنها بهذه الطريقة، لأنه بهذا النمط من التعبير عن الدازاين، يعلن عن نفسه فهم الوجود الأولي الذي سنوضحه باتباع الخيط الموجه للفكر الهايدغري مع إضاءة إجمالية للمذهب الأفلاطوني حول الحقيقة. في بداية هذه الفقرة الخاصة بمذهب أفلاطون حول الحقيقة، أكد بيليدور أن المعرفة بالعلوم، كما رأى هايدغر في بداية كتيبه “أسئلة 2″، عادة ما يتم ذكرها على شكل قضايا وتقدم للإنسان كمجموعة من النتائج التي يمكن فهمها بسهولة وكل ما عليه فعله هو استخدامها. إن “مذهب” مفكر بالنسبة إليه هو ما بقي، في كلماته، غير مصوغ، بل ما هو مفتوح، “معروض” للإنسان. فإذا أردنا أن نفهم ونعرف من الآن فصاعدا ما لم يقله مفكر مهما كانت طبيعته، يجب علينا أن ننظر في ما قاله. تلبية هذا المطلب تقتضي تناول كل “محاورات” أفلاطون وفحصها في علاقاتها المتشابكة. وبما أن هذا مستحيل، فسوف نسلك طريقا آخر يقود إلى ما ظل، في فكر أفلاطون، غير مصوغ. ما بقي غير مصوغ هو حركة دوارة في تعين ماهية الحقيقة، الموضوع الأساسي لدينا في هذه المحاولة. السؤال عما إذا كانت حركة التحول هذه قد حدثت بالفعل، وفيم تنتبت، وما الذي تستند إليه: هذا ما نود توضيحه بتفسير مختصر لـ”أسطورة الـكهف”.
ترد «أسطورة الكهف» في بداية الكتاب السابع من «المحاورة» ماهية المدينة الجوهر (بوليتيا، السابع، 514 أ إلى 517 أ، 7). هذه “الأسطورة” هي عبارة عن قصة يتقدم سردها خلال حوار بين سقراط وغلوكون. يروي سقراط القصة، ويعبر غلوكون عن دهشة يقظة. ولأغراض دراستنا، سيكون كافيا بالنسبة إلينا أن نختبر ماهية الحقيقة الأفلاطونية من خلال ممارسة تأويل “الأسطورة”.
بعد قراءة هذه القصة بعناية، ما المعنى الذي تحمله إلينا؟ بدون حاجة إلى الذهاب بعيدا، يعطينا أفلاطون نفسه الجواب، لأن القصة يتبعها على الفور تأويل (517أ،8 حتى 518د،7). المسكن الذي على شكل كهف هو “صورة ” عن مكان الإقامة الذي ينكشف (يوميًا) لمن ينظر حواليه. النار المشتعلة في الكهف، فوق سكانه، يُفهمنا أفلاطون أنها “صورة” عن الشمس، بينما قبة الكهف تمثل القبة السماوية. تحت هذه القبة، يعيش أناس، مرتبطين بالأرض ومعتمدين عليها. ما يحيط بهم، على هذه الأرض، يشكل بالنسبة إليهم “الواقع”، أي ما يوجد. في هذا المسكن، يشعر الناس، حسب فكر أفلاطون، بأنهم “في العالم و”في منزلهم”، إنما هنا يجدون ما يثقون فيه. “الأشياء” المهمة في الأسطورة والتي تظهر خارج الكهف هي على العكس من ذلك صورة لما هو، في الأشياء الموجودة، موجود بشكل خاص؛ وهذا يعني، بحسب أفلاطون، أن ما يوجد به الموجود يظهر في “مظهره” أو “صورته” المحددة (Aussehen)، ( ترجمة للكلمة اليونانية Eidos). لنفهم أن هذا “المظهر”، بالنسبة إلى أفلاطون، ليس “ظهورا” بسيطا. ما زال لـ”المظهر” بالنسبة إليه نوع من المخرج، من خلاله يقدم شيء نفسه. منتصبا على “شكله”، هو ذا الموجود نفسه الذي ينكشف. يتوافق هذا الزوج الألماني الفرنسي مع Eidos أو Idea. الأشياء المعرضة لضوء النهار، خارج الكهف، حيث الرؤية حرة من جميع الجهات، ترمز في الأسطورة لـ”الأفكار”. وما يُرى على ضوء الشمس يمثل ما يمكن إدراكه بالفكر {Noûs).. من الواضح لدى أفلاطون أنه إذا كان نظر الإنسان لا يستطيع أن يصل إلى الأفكار؛ أي مظهر الأشياء، الكائنات الحية، البشر، الأعداد، الآلهة، فلن يستطيع أبدا أن ينظر إلى هذا أو ذاك على أنه منزل، أو شجرة، أو إله. هذه الطريقة في تفكير أفلاطون تجعلنا نفهم أن عالم الوجود والزمان هو النسخة الوجودية الهايدغرية لعالم الصور الأفلاطوني، من حيث أنه يحدد “ما تكونه” الأشياء.
بشكل عام، يتخيل الإنسان أنه يرى مباشرة هذا المنزل، وهذه الشجرة، وحتى كل ما هو موجود. في أغلب الأحيان لا يشك مطلقا في أنه يرى على ضوء «الأفكار» فقط كل ما هو دارج بالنسبة إليه، «واقعي» إذن. لكن كما يؤكد هايدغر في كتيبه: “كل ما يعتبر واقعيا بشكل صحيح، كل ما يمكننا رؤيته وسماعه وفهمه وحسابه على بشكل مباشر، ليس بالنسبة إلى أفلاطون إلا انعكاسا غامضا للأفكار، أي ظلا. هكذا التحق أهل الكهف جوهريا بالحياة اليومية ل”الوجود والزمان”، وديكتاتورية On. هذه الأشياء بلا تناسق، لكنها الأقرب إلى الإنسان، تشد بخناقه أسيرا كل يوم. يعيش في سجن ويترك وراءه كل “الأفكار”. وكما هو لا يعرف هذا السجن كما هو، فهو يعتبر المجال اليومي يقع تحت القبة السماوية باعتبارها المكان المناسب لهذه التجربة وهذا الحكم اللذين، هما وحدهما، يمنحان مقياسهما لكل الأشياء وعلاقاتها ويضعان قواعد لترتيبها وتناسقها. الأشياء المرئية من تلقاء ذاتها هي في الأسطورة كما قلنا: “صورة” “الأفكار”. غير أن الشمس تمثل “صورة” ما يجعل الأفكار مرئية. ولذلك فهي ترمز إلى فكرة الأفكار التي أطلق عليها أفلاطون تحت اسم “فكرة الخير”. ما الذي ظهر من خلال هذه المقاطع؟ ما الذي جعل هذه الأحداث ممكنة؟ من أين تستمد حتميتها؟ في السطور التالية، سوف يحاول بيليدور الإجابة على هذه الأسئلة جميعها.
من الكهف إلى ضوء النهار وبالعكس من الأخير إلى الكهف يقتضي تعويد العيون على الانتقال من الظلام إلى النور ومن النور إلى الظلام. في كل مرة تعاني العيون من اضطراب كبير، وذلك لأسباب متعارضة. “اضطرابان إثنان يحدثان اضطرابات للعين، وذلك لسببين. (518أ،2) ماذا يعني هذين الاضطرابين؟ يريد أفلاطون أن يبين لنا أن هناك إمكانين للإنسان. أولاً، يمكنه التغلب على جهل مستوى به بالكاد، ليصل إلى حيث يظهر له الموجود تحت ضوء نهار أكثر أهمية (في شكله الحقيقي): إذن، في الأوقات الأولى، لا يكون الإنسان متلائما مع ما لديه الاتساق الكامل للوجود. وبعد ذلك، يمكنه أيضا أن يرفض ويترك موقفا أسند للمعرفة الأساسية، ليفشل حيث يكون الواقع المشترك هو الغالب، ولكن دون أن يكون قادرا على قبول ما هو رائج ومعتاد في هذه الجهة على أنه حقيقي. لكن، في فكر أفلاطون، كما يجب على العين أن تتكيف، بطريقة بطيئة ومستمرة، سواء مع النور أو مع الظلام، كذلك يجب على النفس أن تتعوّد بصبر وتقدم طبيعي، على مجال الموجود الذي تجد نفسه مسلَّمة إليه. مؤيدل لأطروحة أفلاطون، يؤكد هايدغر أن مثل هذا التعود يتطلب قبل كل شيء تغيير الاتجاه الذي من خلاله توضع النفس كلها في خط جهدها الجديد، وبالمثل فالعين لا تستطيع أن ترى جيدا أو تنظر من جميع الجوانب إلا إذا تموقع الجسم كله في مكان مناسب. لنطرح هذا السؤال: لماذا من الضروري أن يكون الاعتياد على جهة معينة بطيئا ومستمرا؟ لأن تغيير الاتجاه يهم الإنسان في جوهره، ويحدث بالتالي في أعماق وجوده. هذا يعني أن الموقف الحاسم الناتج عن تغيير الاتجاه يجب أن يتحدد ويصبح سلوكا راسخا، انطلاقا من علاقة تدعم قبلا جوهر الإنسان. هذا التوجه الجديد، هذا التكيف لوجود الإنسان مع المجال الذي المخصص له في كل مرة، يشكل جوهر ما يسميه أفلاطون التربية (Paideia). بالنسبة إلى هايدجر، هذه الكلمة ليست قابلة للترجمة بشكل صحيح. حسب تعريف أفلاطون نفسه «païdeia» هي توجه الإنسان نحو تغيير وجوده بأكمله. كذلك الـpaïdeia هي في الأساس عملية انتقالية، أي من apaïdeusia إلى païdeia. وفقا لهايدجر، فإن المصطلح الألماني Bildung (“التكوين”) هو الذي يستجيب أفضل، رغم أنه لا يزال غير مكتمل، إلى payeia اليونانية. يقتضي التكوين تحويلا. إذا أعطينا لهذا المصطلح قيمته الدلالية وتخلينا عن معناه الخاطئ الذي كان ضحيته في نهاية القرن التاسع عشر. يكون لـBildung، كما يقول هايدغر، معنيان. أولا، فعل المكون (ein Bilden) الذي يطبع على الشيء خاصيته، وفقها يتطور. وإذا كان هذا التكوبن «يُعلم» (يطبع خاصية)، فهو كذلك لأنه في نفس الوقت يطابق الشيء مع وجهة نظر محددة تسمى لهذا السبب (Vor-bild). لذلك يمكننا أن نفهم أن “التكوين” (Bildung) هو في نفس الوقت طبع للشخصية وتوجيه مستلم من نموذج. ضد païdeia هو apaydeusia، وهو عدم التكوين. فيه (aaideusia) لا تطور في الموقف الأساسي يجد نفسه مستيقظا، لا نموذج فعال يتم اقتراحه. القوة الرمزية لـ”أسطورة الكهف” يتمحور حول غرض جعل جوهر اللابيديا قابلا لأن يرى ويعرف من خلال الأشكال المحسوسة للقصة المروية. وفي نفس الوقت أراد أفلاطون استبعاد سوء التأويل وإظهار أن جوهر البايديا لا يتمثل في سكب معارف بسيطة في نفس غير مهيأة. أما التكوين الحقيقي، في رأيه، فهو على العكس من ذلك، يسطو على النفس ذاتها وبأكملها ويبدلها، وذلك بأن يقود الإنسان أولاً إلى مكان جوهره وتعويده على ذلك. أراد أفلاطون في “أسطورة الكهف” تسليط الضوء على جوهر البايديا، وهذا ما تقوله لنا بوضوح جملة من المقدمة افتتح بها الكتاب السابع: “بعد ذلك، اعرف كيف تكتشف، في طبيعة الأشياء المعاشة والمجربة (والتي ستكون موصوفة)، رؤية (جوهر) “التكوين”، وكذلك رؤية عدم التكوين، وكلتاهما لا تنفصلان وتتعلقان حتى بأساس شرطنا الإنساني”.
وبعبارات أفلاطون الواضحة، تفتح أمامنا صور «أسطورة الكهف» وجهة رؤية لجوهر “التكوين”. التأويل الذي سوف نقوم به لـ”الأسطورة” يجب أن يقودنا نحو ماهية الحقيقة. ألا نفرض على «الأسطورة» تأويلا غريبا عنها؟ ألن يجازف هذا التأويل بالتسبب في ممارسة عنف على النص، ويتحول إلى تأويل خاطئ؟ لنقبل هذا المظهر في هذه اللحظة إلى أن يحل اليوم الذي تتشكل فيه لدينا قناعة بأن فكر أفلاطون خضع لتغيير يتعلق بماهبة الحقيقة وأصبح القانون الخفي لما يقوله لنا. تبعا للتأويل الذي فرضته علينا اليوم المحنة التي كانت، في زمن أفلاطون، تنتمي إلى المستقبل، لا تحكي لنا «الأسطورة» فقط، بلغة مفهومة، عن وجود التكوين، بل تمنحنا أيضا نظرة ثاقبة إلى التغيير في ماهية “الحقبفة”.
بالنسبة إلى هايدغر، إذا كانت “الأسطورة” تقوم بالأمرين معا، فمن الضروري أن توحد العلاقة الأساسية بين “التكوين” و”الحقيقة”. تتمثل العلاقة في أن ماهية الحقيقة وطبيعة تغيرها هما اللذان جعلا “التكوين” ممكنًا لأول مرة، وهذا يحدث حتى في داخل بنيته الأساسية. ولكن ما الذي يجمع بين “التكوين” و”الحقيقة” في وحدة ماهوية؟ ومجموعة أصلية؟ تشير كلمة païdeia إلى تغيير الإنسان الاتجاه في علاقة مع انتقاله، من مجال ما يقدم نفسه إليه أولاً إلى مجال آخر يظهر فيه الموجود ذاته، ويعتاد عليه الإنسان ويتلاءم معه. هذا الانتقال ممكن لأن الأشياء الظاهرة للإنسان تتغير، وكذلك الطريقة التي ظهرت بها. فلابد إذن أن يتغير كل ذلك، بما فيه ما كان عند الإنسان ظاهرا، “لا متحجبا”، وكيفية لاتحجبه.
لفظة ” اللاتحجب” تقابلها في اليونانية أليثيا (alèthèia)، وهي الكلمة التي تُترجم إلى”الحقيقة”. منذ زمن طويل، كانت “الحقيقة” تعني في الفكر الغربي اتفاق التمثل المفكر مع الشيء، تطابق الفكر والواقع. ومع ذلك، لن نكتفي پأن نترجم “حرفيًا” الكلمتين païdeia وalèthèia، لنحاول على العكس من ذلك أن نفكر، انطلاقا من المعرفة اليونانية، في الجوهر الخالص لما تحيل عليه الكلمتان المراد ترجمتهما: إذن، “تكوين” و”حقيقة” يؤكد هايدغر، يجتمعان في وحدة ماهوية. وإذا أصبح من الضروري أن نأخذ على محمل الجد المحتوى الدلالي الأساسي لكلمة “أليثيا”، ننقاد بعد ذلك إلى أن نسأل أنفسنا ما هي نقطة البداية التي وصل منها أفلاطون إلى مفهومه عن ماهية اللاتحجب. ومن يريد الإجابة على هذا السؤال يجد نفسه عائدا إلى المحتوى المحدد ل”أسطورة الكهف”. يوضح الجواب بدوره كيف تتعامل “الأسطورة” مع جوهر الحقيقة. اللامتحجب ولاتحجبه يدلان على ما هو عند كل مرة في مكان إقامة الإنسان حاضر على نحو مكشوف. لكن “الأسطورة” تحكي لنا قصة تتعلق بالانتقالات من إقامة إلى أخرى. ثم، بشكل عام، يتم تقسيم هذه القصة وفقا لأربع إقامات مختلفة تشكل تدرجا صاعدا ونازلا يمثل أربعة درجات عرضها بيليدور على النحو التالي. سوف نلاحظ أن درجة “قابلية الرؤية” هي التي في كل مرة تحدد مستوى الوصول إلى “الحقيقة”.
في الدرجة الأولى، يعيش الرجال بالسلاسل في الكهف وهم مفتونون بهذا الذي يدركونه مباشرة. ينتهي وصف هذه الإقامة بالتأكيد المتمبز: “لأن الرجال المقيدين بهذه الطريقة لا يعتبرون كاللامتحجب على الإطلاق شيئا اخر سوى ظلال الأشياء” (Rep.515c,1-2). وفي الدرجة الثانية نشهد إزالة السلاسل. السجناء الآن أحرار بمعنى من المعاني، لكنهم يظلون حبيسي الكهف. يمكنهم الآن الالتفات فيه إلى جميع الجوانب. يصبح من الممكن بالنسبة لهم رؤية الأشياء المنعكسة نفسها التي كانت في السابق تمر خلفهم، كما نصت هذه الجملة: “هؤلاء الذين لم يشاهدوا سوى الظلال تمكنوا بهذه الطريقة من الاقتراب قليلاً من الموجود (Rep.515d,2). الأشياء نفسها تظهر جوانبها بطريقة معينة، أي من خلال وهج نار اصطناعية خارج الكهف، ولم تعد محجوبة بالظلال التي تعكسها. تستأثر الظلال برؤية من لا يعرف سواها، فتنزلق هكذا أمام الأشياء ذاتها. أما إذا تحرر النظر من قبضة الظلال إلى الإنسان يتمكن الإنسان من الوصول إلى المنطقة الخاصة “بما هو أكثر انكشافا” (515د،6) وومع ذلك، يجب أن يقال عنه: “ما رآه على الفور من قبل (الظلال)، سيعتبره أفضل انكشافا مما يظهر له الآن صراحةً من قبل الآخرين”.لماذا؟ لأن وهج النار الذي لم تعتده عيناه يبهره. وهذا الوهج يمنعه من رؤية النار نفسها وملاحظة كيف يضيء نورها الأشياء، وقبل كل شيء، يجعلها تظهر. كما لا يمكن للرجل المبهور أن يدرك أن ما رآه لم يكن سوى الظلال التي تعكسها الأشياء على ضوء وهج هذه النار نفسها. وصحيح أن الإنسان المتحرر يرى الآن شيئاً آخر غير ذلك الظلال، لكنه يرى كل شيء في ارتباك عام. وعلى النقيض من هذه الأشياء، تبرز الأشياء، المرئية بفضل انعكاس النار التي لا تُعرف ولا تُرى، في أشكال محددة جيدا.
إنها تتصف أيضا بنوع من الاتساق الملحوظ، والذي يجب، بالنسبة إلى الإنسان المتحرر ان يكون “منكشفا أحسن”، لأنه مرئي بشكل واضح. لهذا السبب تعاود كلمة alèthès الظهور عند نهاية وصف الدرجة الثانية، وفي هذه المرة عند صيغة التفضيل alèthèstera، الأشياء “المنكشفة أحسن”. في الظلال، يؤكد هايدغر، نجد حقيقة أكثر جدارة بهذا الاسم. ذلك أن الإنسان المتحرر من سلاسله يخطئ مع ذلك في تقدير ما هو حقيقي لأنه لا يتمتع بالحرية، وهي شرط “لا غنى عنه” لحسن التقدير. يمكن إذن أن نلاحظ جيدا أن الحقيقة والحرية لا تنفصلان، طالما أن الكائن البشري المتحرر يمكنه
الوصول إلى الحقيقي. إن إزالة القيود في الدرجة الثانية جاءت بتحرر معين؛ لكن حرية الحركة لا تسمح لنا بالتمتع بالحرية الحقيقية. هذه الأخيرة لا يمكن الحصول عليها إلا في الدرجة الثالثة. هنا، الإنسان المتحرر من سلاسله تم في نفس الوقت نقله إلى خارج المغارة، إلى “الهواء الطلق”، حيث تكون، طوال النهار، قابلة لأن ترى. من الٱن فصاعدا، لم يعد يدرك المظهر الحقيقي الذي تظهر به الأشياء على ضوء الوهج المصطنع والمضطرب للنار خارج الكهف. الأشياء نفسها الحاضرة هنا، تحت ضوء الشمس، بيقين وضمانة من شكلها الأصيل. الفضاء الحر، الذي وجه إليه الإنسان المتحرر، ليس لامحدودية لمجرد امتداد، بله اعتماد محدود خاص بما هو واضح ومشرق، ويدرك هو أيضا بواسطة الرؤية.
إن مظاهر الأشياء في حد ذاتها، أي الـEidè، تشكل الماهية التي على ضوئها يظهر لنا كل موجود بعينه على أنه هذا أو ذاك؛ ولأنها تظهر فقط بهذه الطريقة يصبح الشيء الظاهر لامتحجبا وفي المتناول. يتم تحديد المستوى الذي تم الوصول إليه بعد ذلك على سلم الإقامات مرة أخرى وفقًا لـ”اللامتحجب”، لهذا السبب، يتعلق الامر في الحال، عند بداية وصف الدرجة الثالثة، بما سمي الآن “اللامتحجب” (516أ،3).
هذا اللامتحجب هو منكشف alèthèsteron,، وهو أكثر انكشافا من الأشياء المضاءة بشكل مصطنع مقارنة بظلالها. إن المنكشف المتوصل إليه إذن هو الأكثر انكشافا في الوجود، إنه انكشافك alèthèstata. يمكننا بعد ذلك أن نفهم أن القدرة على رؤية الحقيقة وجها لوجه، ليست فقط شرطا للحرية، ولكنها تشكل جوهرها. التحرر الحقيقي هو الصمود على توجه يظل به الإنسان متجهًا نحو ما يظهر على وجهه الحقيقي وينكشف، وقد ظهر هكذا، إلى أقصى حد. لا وجود للحرية إلا إذا كانت مثل هذا التوجه. لكن الأخير هو أيضًا الوحيد الذي يدرك كينونة الـpaïdeia كانتقال.
لا تنتهي حكاية أفلاطون، كما قد نميل إلى الافتراض، بوصف الدرجة العليا المقابلة للخروج من الكهف. على العكس من ذلك، تعتبر حكاية نزول الرجل المتحرر إلى الكهف نحو هؤلاء المقيدين جزء لا يتجزأ من “الأسطورة. يجب على الرجل المتحرر الآن أن يقود هؤلاء بدورهم إلى المناطق العليا وفصلهم عن “اللامتحجب” لوضعهم أمام “المنكشف إلى الحد الأقصى”. لكن المحرر لم يعد يتعرف على نفسه في الكهف. يجازف بالخضوع إلى “الحقيقة” التي يؤمن بها، أي الركون إلى ادعاءات “الواقع” العادي، المقبول كواقع أوحد ووحيد. يخاطر مخاطرة حقيقية بحياته، كما رأينا ذلك في مصير سقراط، معلم أفلاطون. النزول إلى الكهف والمعركة بداخله بين المحرر والسجناء المناهضين لكل تحرر يشكلان الدرجة الرابعة في الأسطورة والتي (بها) تكتمل وتختتم.
بصريح العبارة، لا وجود لكلمة alèthès في هذا الفصل من الحكاية. إلا أنه، عند هذه الدرجة كذلك، ينبغي أن يتعلق الأمر بنوع اللامتحجب الذي يميز المنطقة تحت أرضية المزارة مرة أخرى. ما يظل أساسيا لدى “اللامتحجب” ليس فقط أنه يجعل، بطريقة من الطرق، متاحا ما يظهر او أنه يحتفظ به منفتحا في ظهوره، بل هو أن اللامتحجب يتجاوز باستمرار حجب متحجب. على اللامتحجب، وفق قول هايدغر، أن ينتزع من احتحابه، أن يخطف ويسرق منه، إذا جاز التعبير. لاحظ هايدغر أن الاحتجاب، فعل الاختفاء، عند الإغريق، يهيمن منذ البداية على ماهية الوجود، كذلك إذن يميز الموجود في حضوره، وانفتاحه (“حقيقة”): لهذا تميزت الكلمة التي ترادف عندهم الـveritas عند الرومان والـwahrheit عند الألمان بa كزائدة (a-lèthèia). تعني الحقيقة في الأصل ما تم انتزاعه من الاحتجاب الذي يمكن أن ينقسم إلى عدة أنواع: احتباس، الوقوع في مكان ٱمن، التفاف، استرجاع، تحجب، تقنع. اللاتحجب يحيل دائما على اللامتحجب المنظور إلبه كمنفتح بفضل ضوء الفكرة.
كل فكرة، كل مظهر شيء، يسمح برؤية ماهية الشيء المعني. هكذا، كما أوضحنا سابقا، بالنسبة إلى الفكر اليوناني، فإن “الأفكار” تجعل ممكنا ظهور الشيء كما هو وأن يكون حاضرا بما له من ديمومة. إن جوهر أي فكرة يكمن بالفعل في كونها تسمح بالظهور، تجعل هذا الظهور قادرا على منح نظرة عن المظهر. باعتبارها لاتحجبا، تبقى الحقيقة سمة أساسية للموجود نفسه. لكن، بوصفها دقة في “النظرة”، فإنها تصبح سمة سلوك معين للإنسان تجاه الأشياء الموجودة. ومع ذلك، كان أفلاطون مجبرا على الحفاظ، بطريقة معينة، على “الحقيقة” كخاصية للموجود، لأن هذا الأخير، كشيء حاضر، يمتلك الوجود في حالة ظهوره: بيد أن الكينونة تجلب معها اللاتحجب. يظهر اللاتحجب باعتباره السمة الأساسية للموجود نفسه. ومع ذلك، يجب أن يكون جوهر الحقيقة مفكرا فيه بطريقة أكثر أصالة. هكذا لا نستطيع أبداً أن نفترض اللاتحجب بالفعل بالمعنى الذي منحه إياه أفلاطون، أي عن طريق إخضاعه للفكرة. لماذا؟ إليكم الحواب.
مفهوما فقط بمعنى أفلاطون، فإن اللاتحجب يظل ملتزما بعلاقة مع البصر والفكر واللغة. يعني قبول هذه العلاقة التخلي عن جوهر اللاتحجب. لا محاولة لتأسيس جوهر اللاتحجب على “العقل”، على “الروح”، على “الفكر”، على “اللوغوس”، على أي نوع من “الذاتية”، قادرة على إنقاذ جوهر اللاتحجب. ذلك إذن أن ما يجب تأسيسه، جوهر اللاتحجب نفسه، لم يتم استجوابه، أو استنكاهه، أو تبيانه. الجوهر الأصلي للحقيقة يكمن دائما في غموض أصلها الذي سنوضحه قبل ختم هذا الجزء الاول من دراسة روبنس بيليدور.
بينا للتو، في تأويل “أسطورة الكهف” لأفلاطون، أن الحقيقة، منذ الأصل، تعني: ما انتزع من الاحتجاب. الحقيقة هي هذا الانتزاع، الذي هو دائما في وضع كشف الحجاب. لكن مسألة جوهر الحقيقة، يؤكد هايدغر، لا تبلغ مجالها الأصلي إلا في اللحظة التي يسمح فيها النظر المسبق إلى كامل جوهر الحقيقة بأن يحتضن لاتحجب الأخيرة التأمل في اللاحقيقة. إن اختبار لاماهية الحقيقة لا يسد ثغرة ثانوية، لكنه يشكل خطوة حاسمة نحو الموقف المناسب لمسألة ماهية الحقيقة. لكن، كيف ندرك التمييز بين لاماهية وماهية الحقيقة؟ إذا لم يستنفذ جوهر الحقيقة في تطابق العبارة، فإن اللاحقيقة، هي كذلك، لا يمكنها أن تكون مساوية للاتطابق الحكم.
لنستمر في تفسير ماهية الحقيقة لكي نوضح في التالي أن الحقيقة واللاحقيقة تنتمي الواحدة منهما إلى الأخرى بشكل متبادل. لقد شددنا في تحليلنا حول الحقيقة الإسنادية على أن ماهية الحقيقة هي الحرية (Cf.p.18).
بصريح العبارة مرة أخرى، سوف نلقي الضوء على كامل جوهر الحقيقة في الجزء الثاني، لكن ما دامت مهمتنا هي فهم ماهية اللاحقيقة وتبيان الانتماء المتبادل لهذه الأخيرة مع ماهية الحقيقة، يبدو لنا من الضروري الرجوع إلى مفهوم الحرية الموصوف في نهاية الحديث عن الحقيقة الإسنادية. تمت إماطة اللثام عن ماهية الحقيقة فظهرت على أنها حرية. نرمز إلى هذه الأخيرة بعبارة “دع الكينونة توجد” التي تكشف الحجاب عن الموجود. كل سلوك منفتح يتم بترك الموجود يكون مع أخذ موقف إزاء هذا الموجود الخاص أو ذاك. منحت الحرية مسبقا كل سلوك للموجود في كليته، وباعتبارها تترك للاتحجب هذا الموجود في كليته وكما هو. “دع الكينونة” للموجود، المولد لتوافق (الدازاين) مع الموجود في كليته، يخترق ويسبق كل سلوك منفتح يتم فيه. سلوك الإنسان مخترق بكشف الموجود في كليته.
بشكل ملموس، ظل هايدغر في حركية “الوجود والزمان” حيث كل إمكان لملاقاة الموجود تتأسس على انفتاح الدازاين الذي يحتوي الكينونة كما هي.
مع ذلك تبدو عبارة “في كليته” بالنسبة إلى الاهتمام والحساب اليوميين مثل اللامفهوم واللامتوقع. اللامفهوم لا يسمح بالوصول إليه انطلاقا من الموجود الذي ظهر لتوه، سواء انتمى هذا الأخير إلى الطبيعة أو التاريخ. ورغم أنه يخترق كل شيء باستمرار، من خلال موافقته، فإنه يبقى هو نفسه غير المحدد وغير القابل للتحديد. وهذا هو السبب وراء الخلط في أغلب الأحيان، بحسب هايدغر، بين ما هو الأكثر شيوعا والأقل وضوحا. لنفهم أن ما يصل إلينا هكذا (من موافقته) ليس شيئا، بل هو، على العكس من ذلك، إخفاء للوجود في مجمله. بقدر ما يترك “دعه يوجد” الكينونة للموجود اللامحدد الذي يحيل إليه في سلوك معين، وبالتالي يكشف عنه الحجاب يخفي الوجود في كليته. من حيث ذاته، “دعه يكون” هو في حد ذاته إخفاء. في الحرية الوجودية للدازاين يتحقق إخفاء الموجود في كليته، وهو ما يعتبر تعتيما. وفي الوقت نفسه، تظهر اللعبة المعقدة للاتحجب-تححب الأليثيا المرتبطة بالفرق الذي لا يمكن اختزاله ولا الانفلات منه؛ سيتم توضيح هذا العلاقة لاتحجب-تحجب في فصل لاحق، أما الٱن فينبغي أن نتساءل عن التعتيم ونسأل أنفسنا عما يكون بينما نحاول فهم جوهر اللاحقيقة. وهكذا نبدأ بالحديث عن اللاحقيقة باعتبارها إخفاء. يرفض التعتيم لاتحجب الأليثيا. لا يقبله حتى ولو كان stérésis (حرمانا)، مع الحفاظ للأليثيا بما هو خاص بها. التعتيم هو إذن، عندما نفكر فيه انطلاقا من الحقيقة كلاتحجب، خاصية ما لا يكون لامتحجبا، وهكذا تكون اللاحقيقة الأصلية الخاصة بجوهر الحقيقة باعتبارها أليثيا. إن تعتيم الوجود في مجمله لا يؤكد نفسه كنتيجة تابعة للمعرفة المجزأة دائما بالوجود، ولكنه شرطها ذاته. تعتيم الوجود في مجمله، اللاحقيقة الأصلية، أقدم من كل كشف عن هذا الموجود أو ذاك. إنه أقدم من الأمر “دعه يكون” ذاته، الذي، وقد أزال الحجاب، يخفي بالفعل، ويتخذ موقفاً في علاقة بالإخفاء.
ومع ذلك، يجب علينا أن نسأل أنفسنا: ما الذي يمكن أن يحتفظ به الأمر “دعه يكون” من هذه العلاقة بالإخفاء؟ كما أكد هايدغر، لا شيء غير إخفاء الموجود كما هو، معتم في مجمله. هذا الإخفاء للموجود كما هو، يسميه هايدغر لغزا. لا يتعلق الأمر بأي سر معين يؤثر على هذا الشيء أو ذاك، بل يتعلق بهذه الواقعة الفريدة، وهي أن اللغز (أي إخفاء ما هو ممتحجب) في حد ذاته، يهيمن على الدازاين البشري. هكذا يحدث أن الإخفاء، في الأمر “دعه يكون” الكاشف والذي في نفس الوقت يخفي الموجود في كليته، يظهر كشيء متحجب في المقام الأول. الدازاين، كما هو موجود، يولد اللاتحجب الأول والأكثر امتدادا، اللاحقيقة الأصلية. إن اللاماهية الأصلية للحقيقة هي اللغز كما تم التنصيص عليه أعلاه. إن مصطلح اللاماهية لا يعني بعد هذا الفارق الدقيق في الانحطاط الذي نربطه به بمجرد أن تدرك الماهية ككونية، كإمكان للكوني وأساس له. تهدف اللاماهية هنا إلى الماهية الموجودة مسبقا. مع ذلك، تشير اللاناهية عادة إلى تشويه الماهية المنحطة قبلا. بكل هذه المعاني، رغم ذلك، ظلت اللاماهية مرتبطة دائما من حيث الجوهر بالماهية، وفق جهات متناسبة، ولا يصبح أبدا غير ضروري بمعنى مهمل. لكن الحديث عن اللاماهية واللاحقيقة بهذه الطريقة يصطدم بالرأي الذي ما زال رائجا ويبدو كتراكم قسري لـ “مفارقات” تعسفية. ولأنه من الصعب إزالة هذا المظهر، فإننا ننبذ هذه اللغة التي ليست متناقضة سوى لدى الحس المشترك. بالنسبة لمن يعرف، على الأقل، أن “لا” في اللاماهية الأصلية للحقيقة، باعتبارها لاحقيقة، يشير إلى المجال غير المستكشف لحقيقة الوجود (وليس الموجود فقط). الحرية باعتبارها “دعه يكون” هي في حد ذاتها أمر لا مفر منه، علاقة يعاد حلها، أي علاقة غير منغلقة على نفسها. كل سلوك، يقول هايدغر، يرتكز على هذه العلاقة ويتلقى منها توجيه [النهوض] إلى الموجود ولاتحجبه. لكن من هنا، تختفي هذه العلاقة ذاتها بالاختفاء من حيث أنها تشجع على نسيان اللغز وتختفي في هذا النسيان.
رغم أن الإنسان يرتبط باستمرار بالموجود، فإنه عادة ما يقتصر على مثل هذا الموجود أو ذاك بخاصيته المكشوفة. هذه المثابرة تجد دعمها، غير المعروف بالنسبة إليها نفسها، في العلاقة التي بها لا ينفتح الإنسان فحسب، بل في نفس الوقت ينغلق، أي أن الإنسان يتشبث بما يمنحه له الموجود بحيث انه يبدو من تلقاء ذاته ويظهر في ذاته. حتى في الوجود الملحاح يسود لغز الحقيقة، كماهية منسية، وهكذا أصبحت “غير ضرورية”. على هذا النحو، بينا أن الحقيقة واللاحقيقة تنتميان الواحدة إلى الأخرى من خلال تقديم الأخيرة كإخفاء، كحدث أساسي يسقط، في غياهب النسيان الذي ينتفي فيه لغز الدازاين. وباعتبار الإنسان نساء للموجود في كليته، يخطئ بشأن الماهية الحقيقية للمقاييس التي يتعاطى معها في الحياة اليومية؛ لماذا يقع في الخطإ؟ وأخيرا، بقي لنا أن نتساءل عن أصل خطإ الإنسان قبل أن نختم هذا الفصل عن ماهية الحقيقة. الخطأ بشري errare humanum est، تقول المقولة اللاتينية. يمكن ترجمة هذا العبارة بطريقتين: (1) الخطأ بشري، أو (2) الخطأ يقع في نطاق الإنسان. ولكن ما الذي يجعل الخطأ يدخل في نطاق الإنسان؟ الجواب في تحليل القطب الثاني للاحقيقة.
إذا نظرنا إلى اللاحقيقة كتيهان، نجد أن الإنسان بوصفه ملحاحا (كما هو موضح ومفهوم أعلاه)، يلتفت نحو ما هو أكثر شيوعا في الموجود. لكنه لا يستطيع أن يلح إلا من خلال كونه منفتحا بالفعل، أي أنه يأخذ الموجود كما هو كمقياس إرشادي. الإنسانية، رغم ذلك، تبتعد عن اللغز بواسطة أخذ معيار خاص بها. هذا التحول الملحاح إلى ما هو شائع وهذا النفور المنفتخ من اللغز يقول لنا هايدجر إنهما يسيران جنبًا إلى جنب. إنهما نفس الشيء الواحد. كما يخبرنا هايدجر بأن هذه الطريقة في التحول والابتعاد تنتج في النهاية عن اللاضطراب القلق الذي يتميز به الدازاين. إن الاضطراب الذي يهرب من اللغز ليختبي في مجريات الواقع، ويدفع الإنسان من شأن يومي إلى آخر، بجعله يغيب عن اللغز يسمى: التيهان (irren بالألمانية). الإنسان يتيه وفق قول هايدجر. لا يقع الإنسان في التيه عند لحظة معينة. إنه لا يتحرك إلا في التيه لأنه ينغلق وهو ينفتح، وهكذا يجد نفسه تائها. إن التيه الذي يتحرك فيه الإنسان ليس له شكل الوادي الذي يمتد على طول طريقه ويسقط فيه أحيانا؛ على العكس من ذلك، التيه جزء لا يتجزأ من صميم تكوين الدازاين الذي ترك له الإنسان التاريخي.
إن إخفاء الوجود في كليته، المتحجب في حد ذاته، يعلن عن نفسه في لاتحجب الموجود الخاص الذي، كنسيان للإخفاء، يشكل التيهان. هذا الأخير ينفتح على مجال مفتوح بالنسبة إلى كل نهج مضاد للحقيقة الأساسية. التيهان هو مسرح وأساس الخطإ. ليس خطأ عرضيا، ولكنه إمبراطورية هذا التاريخ حيث، تتشابك، مجتمعة، كل طرائق التيه، ذلك هو الخطأ. لكل سلوك، حسب هايدجر، طريقته في التيه، تتوافق مع فاتحيته وعلاقته بالموجود في كليته. يمتد الخطأ انطلاقا من سوء التقدير والأغلاط والزلات الأكثر شيوعا، حتى الضلالات والتجاوزات في مواقفنا وقراراتنا الأساسية. ما كان في العادة وفي المذاهب الفلسفية يعد خطأ، أي لاتطابق الحكم وزيف المعرفة ليس سوى طريقة، أكثر سطحية، من طرق التيهان. هذا الأخير الذي يجب على الإنسانية التاريخية أن تتحرك فيه حتى يكون سيرها منخرفا، هو عنصر أساسي في افتتاح الدازاين.
يهيمن التيه على الإنسان ويدفعه إلى أن يضل. لكن عن طريق الضلال يساهم التيهان كذلك في ظهور هذا الاحتمال بأن يمتلك الإنسان وسيلة الاستفادة من انفتاحه والتي تتمثل في عدم الاستسلام للتيه. ولا يستسلم له إذا كان من المحتمل أن يخوض تجربة التيه كما هو وأن يسيء فهم لغز الدازاين. هكذا إذن يكون لاتحجب الموجود كما هو، في نفس الوقت، إخفاء للموجود في مجمله. إنما في هذا التزامن بين اللاتحجب والإخفاء يعلن التيهان عن نفسه. إخفاء المنحرف والتيه ينتميان إلى الماهية الأصلية للحقيقة.
في ختام هذا الجزء الأول من كراسته هاته، ذكر بيليدور بإيجاز بالخطوات التي اتبعها حيث انطلق من المفهوم الشائغ للحقيقة، أي الحقيقة الإسنادية وبين أن الحقيقة ليست لها إقامة أصلية في الحكم ما دامت تنبثق من حقيقة أكثر أصالة تسمى الحقيقة القبحملية أو الحقيقة الأنطيقية التي تجد جوهرها فيها الحرية. من هنا، واصل الكاتب طريقه من خلال تبيان أن الحقيقة الأنطيقية تجد إقامتها الأصلية في الحقيقة الأنطولوجية التي هي الحقيقة الأساسية الوحيدة حقا. وبما أن هذه الكراسة مهمتها التطرق لماهية الحقيقة وحرية الإنسان، حق للكاتب أن يتناول في الفصل الثاني التعريفات المختلفة للحرية وفقًا لهايدغر.
وإذ نتعامل مع ماهية علاقة، لا نريد معاينتها أو إقامتها هنا وهناك على أساس أنها واقعة. وحتى لو كان الأمر كذلك، فيجب علينا أولاً أن نعرف ما هذا الذي يجب بعد ذلك معاينته. ولكن إذا نظرنا إلى علاقة في جوهرها، فهل يجب علينا أيضا، كما في حالة المعاينة، أن نلتزم بأعضاء هذه العلاقة؟ خلال التعامل مثلا مع جوهر "اللاهوية"، هل يجب علينا أن نلتزم بهذه الطاولة وبهذا المصباح؟، أو هل نعاين، بالإضافة إلى هذه الأخيرة، لاهويات أخرى (البيت والشجرة، المثلث والقمر، الخ..)؟ يمكننا ان نجيب كما هايدجر بلا. لإدراك جوهر اللاهوية، لا يهم أن نعرف على اي لاهوية محددة لأي لامتماثل محدد نبقي أعيننا ثابتة ونأخذها كنموذج. ومن ناحية أخرى، ما يزال يتعين علينا أن نبقى تحت النظر الأعضاء النسبية لأننا لا نستطيع تجاهل هذه. الأعضاء. هكذا، من خلال تحديد جوهر علاقة، لا نكون بالتأكيد مجبرين، كما في حالة معاينة علاقة محددة وفي متناول اليد بين موجودات-هنا-أمام محددة، على أن نلتزم بهذه الأعضاء النسبية المحددة، ولكن يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار بدقة هذه الأعضاء النسبية كما هي، أي- أي كنسبية، في علاقتها ذاتها.
لا يهم ما إذا تم تشكيلها فعليا بهذه الطريقة أو تلك - هذا الاحتمال لمحتواها لا يعني أنه لا يبالي، في توضيح جوهر الوجود النسبي كما هو، بأن يأخذها بعين الاعتبار أم لا. لذلك لنحاول قدر الإمكان تطبيق ذلك على مشكلتنا. في السؤال عن ماهية الحرية الإنسانية - على الأقل طالما أننا نأخذها كأساس للمفهوم السلبي - نسائل استقلال الإنسان عن العالم وعن الله. لا نسعى إلى إثبات ما إذا كان هذا الإنسان أو ذاك مستقلاً عن هذا العالم أو ذاك، عن هذا الإله أو ذاك، ولكننا نسعى إلى جوهر استقلال الإنسان كما هو تجاه العالم والله كما هما.
إنما بالضبط عندما نريد إدراك جوهر هذه العلاقة، هذا الاستقلال، يجب علينا أن نسائل جوهر الإنسان وكذلك جوهر العالم والله. ما إذا وكيف يمكن إجراء مثل هذا المساؤلة ودعمها، يبقى ذلك رهينا بتوضيح لاحق. لنحتفظ ببساطة من التأملات المذكورة أعلاه، بما يلي: من الاستقلال كعلاقة سلبية، يبنبثق،إذا جاز التعبير، هذا الذي يكون تجاهه الاستقلال، ولكن لا يترتب على ذلك أن اعتبار جوهر الاستقلال يمكن أن ينبثق أيضًا من اعتبارهذا الذي يكون تجاهه الاستقلال ما يكون. بل على العكس تماماً: لأن الاستقلال تجاه كذا-وكذا.. علاقة، لأنه يعود إليها باعتبارها كذلك أن تكون مرتبطة بالعالم والله، ولهذا السبب على وجه التحديد يجب أيضا أن يؤخذ هذا ال "عن ماذا" يكون الاستقلال في الاعتبار، يدرج في الثيمة. باختصار، ما ينطبق على المحتوى الأساسي للعلاقة، ابتعاد، انفصال عن .. - لا ينطبق على الاعتبار الأساسي لهذه العلاقة نفسها التي سنقوم بتوضيحها لاحقا.
تمهيدا لهذا الوعد، نتناول البعد الثالث من خلال التوضيح الصوري لـ”الحرية الإيجابية” عن طريق الإشارة إلى “الحرية” المتعالية” و”الحرية العملية” عند كانط. وحتى الآن، بعد ان بينا المهمة والثيمة وطريقة تناولها، توقفنا عند المفهوم السلبي للحرية. وليس من قبيل الصدفة أننا بدأنا من هذه "الحرية السلبية". بالفعل، حيثما تنشأ معرفة بالحرية، تُعرف هذه الاخيرة أولاً بالمعنى السلبي، كاستقلال عن.. هذا الفرض للحرية السلبية، وربما للسلبي بشكل عام، يفترض أن الوجود-الحر يختبر كصيرورة-حرة من إكراه أو رباط. يؤكد هايدجر أن الانعتاق، رفض السلاسل، طرد القوى المهددة تجربة أساسية للإنسان، من خلالها تأتي الحرية بالمعنى السلبي إلى وضوح المعرفة.
سلط هايدجر الضوء على هذه التجربة في تاويله للقصة الرمزية عن الكهف حيث كشف أفلاطون عن العلاقة الحميمة بين المعرفة والحرية. أمام هذا التحديد الواضح نسبيا، وحتى الأحادي المعنى والأكيد على ما يبدو، للحرية السلبية، تبدو سمة الحرية الإيجابية تبدو على العكس غامضة ومتعددة المعاني. إن "تجربة" هذا الأمر عائمة، خاضعة لتغيرات خاصة. ليست فقط التصورات الخاصة عن الحرية الإيجابية هي التي تكون متنوعة ومتعددة النعاني، ولكن حتى مفهوم الحرية الإيجابية بشكل عام غير محدد، وهذا بالخصوص إذا قصدنا الٱن مؤقتا بالحرية الإيجابية الحرية اللاسلبية.
يفيدنا الخطاب الهايدغري بأن الحرية اللاسلبية يمكن أن تعني شيئين: (1) حرية إيجابية في مقابل حرية سلبية؛ (2) حرية ليست لا سلبية ولا إيجابية، لا هذه ولا تلك. سنختار هنا، كما فعل هايدجر، بالنسبة لبقية تحليلاتنا التحضيرية، مفهوما محددا جيدا عن الحرية الإيجابية.
بحسب هايدغر، تعني الحرية السلبية.. حرية من .. الإكراه، أن تكون منعتقا، بمنأى عن هذا الإكراه. الحرية الإيجابية لا تعني مثل هذا الابتعاد عن ..، بل تعني تحولا إلى..؛ تتمثل الحرية الإيجابية في أن تكون حرا لأجل.. أن تقوم منفتحا لأجل..أن تترك ذاتك تتحدد ب.. أن تتحدد وتتوجه إلى.. هنا مرة أخرى ، تصبح عودة الروح التي تحدث عنها أفلاطون مضيئة. الحرية الإيجابية، بهذا التعريف، تتضمن فكرة أن تحدد تصرفك الخاص من تلقاء ذاتك، أن تعطي أنت بالذات قانونا لتصرفك. إنما بهذا المعنى للتحديد الذاتي فهم كانط بشكل إيجابي الحرية، ثم، بعمق اكثر، ك"نشاط ذاتي- (عفوي) مطلق". حددها ك"قدرة" في الإتسان على أن "يتحدد من تلقاء ذاته".
الإتيان على ذكر كانط في هذا السياق يجب أن يفهم جيدا: لم يكن ذلك من أجل إنتاج حجة ما نعرف أنها مستقاة من ٱراء الفلاسفة، بل فقط لأن كانط يشغل، في تاريخ مشكلة الحرية، مكانة متميزة. فكانط هو الذي وضع، لأول مرة وعلنا، مشكلة الحرية في علاقة جذرية بمشكلات الميتافيزيقا الأساسية. بالطبع، انطوى هذا الظهور للمشكلة في بعدها الأصيل - كما هو الحال دائما وحتما في مثل هذه اللحظات الحاسمة - على انكماش أحادي الجانب. يحتل التصور الكانطي للحرية، كما سبق وأن قلنا، مكانة متميزة ضمن المشكلات الفلسفية.
بدون شك، في هذه الحالة، ضمن تاريخ اللاهوت المسيحي منذ بداياته، بلغت مشكلة الحرية عمقا خاصا، عن ذلك ترتبت عدة حوافز إيجابية أو سلبية، كما أن التأويل اللاهوتي لم يكن بإمكانه أن يكتمل دون تأثير التأويل الفلسفي (القديس بول، القديس اوغسطين، لوثر). وقد كان توصيف الحرية السلبية كمستقلة عن الله كافيا ليحيلنا إلى الرابطة الوثقى بين السؤال اللاهوتي والسؤال الفلسفي. لكننا لن نتحدث عن ذلك في هذه اللحظة، حسبنا في هذه الحالة أن نأخذ المفهوم الكانطي عن للحرية، فقط باعتباره مثالا يجب أن يسمح لنا بتوضيح الحرية الإيجابية ومفهومها، وهذا مرة أخرى حتى نكتسب نظرة واضحة عن المنظور الأبعد لمشكلة الحرية وعن مهمتنا.
يتصور كانط، كما قلنا، الحرية كقوة لتحديد الذات ضد الميول الطبيعية، أو باعتبارها "نشاطا ذاتيا مطلقا". بالنسبة إلى هايدجر، في هذا التعريف أو ذاك لا شيء سلبي. بالتأكيد ومع ذلك فهما لا يعنيان نفس الشيء ولهذا السبب ميز كانط بين الحرية "بالمعنى الكوني" والحرية "بالمعنى العملي". يؤكد هايدجر على أن هذا التمييز الكانطي لا يتقاطع بأي حال من الأحوال مع الفارق بين الحرية السلبية والحرية الإيجابية، بل هو بدوره يقع على جانب الحرية الإيجابية، أو اللاسلبية أفضل. لننتقل الٱن إلى تأويل كانط للحرية الكونية والحرية العملية. لنتساءل أولاً: ماذا يعني كانط بالحرية الكونية والحرية العملية؟ هو أجاب على هذا السؤال كما يلي: «إنني أقصد بالحرية بالمعنى الكوني القدرة على المبادرة من تلقاء الذات لحالة (حرية) التي لا تخضع سببيتها بدورها، وفق قانون الطبيعة، لسبب آخر يحددها بالنسبة إلى الزمن. والحرية بهذا المعنى أ فكرة متعالية خالصة. الحرية تعني إذن: قوة المبادرة الذاتية لحالة. هذا ما يشرح لنا المفهوم الكانطي عن الحرية المذكور أعلاه، باعتبارها "نشاطا ذاتيا مطلقا": المبادرة من تلقاء الذات، بشكل عفوي، العطاء من تلقاء الذات بحرية، العطاء بعفوية مطلقة.
الحرية باعتبارها عفوية مطلقة هي الحرية بالمعنى الكوني – فكرة متعالية خالصة. ما تعنيه هذه التحديدات الأخيرة سيتم توضيحه لاحقا. لكن قبل ذلك دعونا نطرح السؤال الثاني: ماذا تعني الحرية "بالمعنى العملي"؟ نقصد بالحرية بمعناها العملي استقلال الإرادة في مواجهة إكراه ميول الحساسية. الحرية بالمعنى العملي هي الاستقلال، هذا بالضبط ما تذرعنا بانه سمة من سمات المفهوم السلبي للحرية. لكن ألم نقل إن المفهومين الكانطيين عن الحرية --- المتعالية والعملية --- لم يكونا سلبيين؟ بالتأكيد؛ لكن التعريف المذكور للحرية العملية يأخذ بدون منازع هذه الأخيرة بمعنى سلبي. إذا نظرنا عن كثب، نرى أن كانط يفسر كذلك الحرية بالمعنى العملي من خلال استدعاء اللحظات التي اتينا على ذكرها أولاً عند تسمية المفهوم الكانطي عن الحرية. “إن إرادة الإنسان… [حرة]، لأن الحساسية لا تجعل أفعالها ضرورية، ولكن لأن في الإنسان قدرة على أن يتحدد من تلقاء نفسه، بمعزل عن إكراه الميول الحساسية". "الإرادة" (Willkür) لا تعني هنا غياب الفرامل والقانون، ولكن تعني قوة الإرادة. تم هنا ذكر الحرية السلبية، ولكنها أيضا شيء آخر: القدرة على التعين من تلقاء الذات. لكن أليست هي شيء واحد متحد مع العفوية، وبالتالي مع المفهوم الكوني للحرية؟ في هذه الحالة قد يمثل المفهوم الإيجابي، والمفهوم العملي، على العكس من ذلك، الاستقلال عن الحساسية، قد يمثل المفهوم السلبي.
لكن هايدغر يخبرنا بأن الأمر ليس كذلك. ولا شك في أننا لن نلاحظ ان كانط، في تعريفه للحرية بالمعنى العملي، يذكر الاستقلال عن الميول الحسية. ليس بدون سبب أن يوجد تحليله بأكمله في "نقد العقل الخالص"؛ أي في المؤلف الذي موضوعه الفهم الخالص، القوة النظرية للإنسان، و ليس الفهم العملي، البراكسيس بمعنى العمل الأخلاقي والسياسي. تبعا لذلك، قبل اختزال الموقف الكانطي في التعريف المذكور للحرية العملية باعتبارها استقلالاً عن المحسوس، فمن المناسب أن نسأل: كيف يحدد كانط الحرية بالمعنى العملي بينما هو يتعامل موضوعاتبا مع البراكسيس، مع الأخلاق، وبالتالي مع"نقد العقل العملي"؟ وبعبارة أكثر حدة: كيف يدرك كانط الحرية العملية، الأخلاقية، بينما أصبح العنصر الأخلاقي بالنسبة إليه مشكلة ميتافيزيقية في كتابه "أسس ميتافيزيقا الأخلاق"؟ بالفعل، في بداية القسم الثالث من هذا المصتف، يكتب كانط: “الإرادة نوع من سببية الكائنات الحية، باعتبارها معقولة، وستكون الحرية
الخاصية التي للسببية لتكون قادرة على التصرف بشكل مستقل عن الأسباب الخارجية التي تحددها؛ كما أن الضرورة الطبيعية هي الخاصية التي لسببية كل الكائنات الفاقدة للعقل لتكون محددة للتصرف تحت تأثير الأسباب الخارجية".
في هذا النص يظهر "الاستقلال" من جديد. ومع ذلك، يؤكد هايدجر، يعبر كانط الآن عن نفسه بشكل أكثر وضوحا، مضيفا: "التعريف الذي تم تقديمه للتو سلبي، وبالتالي فهو، من أجل فهم جوهره، عقيم؛ لكن ينتج عنه مفهوم إيجابي عن الحرية اكثر غنى وخصبا". نرى ذلك هنا بوضوح: إذا كان يتعين الآن أن ندرك أن مفهوما إيجابيا عن الحرية تم ربحه، فمن الواضح أنه سيكون مفهوما عمليا. لنتساءل: “فيم تتمثل حقا حرية الإرادة، إن لم تتمثل في الاستقلال الذاتي، أي في الخاصية التي لإرادة الوجود لتكون هي نفسها قانونها"؟ المفهوم الإيجابي للحرية يعني: استقلالية الإرادة، تشريعا ذاتيا. والحرية بالمعنى العملي ليست سالب الحرية بالمعنى المتعالي، بل هي نفس الحرية بمعناها العملي وقد انقسمت إلى حرية سلبية وحرية إيجابية؛ حرية إزاء الميول الطبيعية وتشريع ذاتي. ولكن، يتساءل هايدجر، ماذا عن الحرية بالمعنى المتعالي، عن العفوية المطلقة، إن لم تكن هي الحرية العملية إيجابا مقابل الحرية العملية سلبا؟ العفوية المطلقة، ألسنا هنا أمام معادل للاستقلال الذاتي؟ سواء في هذه أو تلك، هناك، بالفعل، ذات، هوية ذاتية، تلقاء نفس، إلخ.. . يتيح لنا هيدجر أن ندرك أن الحريتين كلتيهما مترابطتان بشكل واضح، لكنهما لا يمتزجان. لنلق نظرة فاحصة.
العفوية المطلقة، تعني... قدرة على مبادرة ذاتية لحالة واستقلالا ذاتيا: تشريعا ذاتيا لإرادة عاقلة. في العفوية المطلقة (الحرية المتعالية) لا يتعلق الأمر بإرادة وقانون، بل بمبادرة ذاتية لحالة؛ أما في الاستقلال الذاتي، على العكس من ذلك، فالأمر يتعلق بموجود محدد، إلى جوهره تنتمي الإرادة والبراكسيس. لذلك لا يتم الخلط بين أحدهما والآخر، ومع ذلك، هناك هوية ذاتية على كلا الجانبين: إنهما ينتميان إلى بعضهما البعض. ولكن كيف؟ وبماذا يكون هذا الانتماء المشترك واضحا؟ بهذا المعنى يكون التحديد من تلقاء النفس عند التصرف كتشريع ذاتي، مبادرة-من-تلقاء-الذات لحالة في مجال معين لتصرف إنساني من كائن عاقل بشكل عام.. وهذه الحرية هي أساس إمكان الفعل الأخلاقي. وبالتالي فإن الاستقلال الذاتي نوع من العفوية المطلقة، تحدد الثانية الجوهر العام للأولى. إنما على أساس هذه السمة الأساسية للعفوية المطلقة، كما يؤكد هايدجر، يكون الاستقلال الذاتي ممكنا. بعبارة أخرى، العفوية المطلقة هي مفهوم أوسع بكثير من مفهوم الاستقلال الذاتي. إذا لم تكن هناك عفوية، فلن يكون هناك استقلال ذاتي أيضاً. يتأسس الاستقلال الذاتي، في إمكانه، على العفوية المطلقة، والحرية العملية على الحرية المتعالية. بهذا المعنى يقول كانط نفسه بصريح العبارة في كتابه “نقد العقل الخالص": "من الجدير بالملاحظة قبل كل شيء أن على هذه الفكرة المتعالية عن الحرية يرتكز المفهوم العملي لهذه الحرية، وأن الحرية المتعالية هي التي تشكل، في الحرية العملية، النقطة الدقيقة للصعوبات التي أحاطت حتى الآن بمسألة إمكانها".
هكذا لا تكون الحرية المتعالية متناسقة مع الحرية العملية كما هو الحال مع الحرية السلبية، لكنها مقيدة بالحرية العملية كشرط لإمكانها. ولهذا يفتتح القسم الثالث من كتاب هايدجر "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" بهذا العنوان: "مفهوم الحرية هو مفتاح تفسير استقلالية الإرادة". تحديد الحرية الإيجابية ك"استقلالية" ينطوي على مشكلة خاصة مرتبطة بصعوبة كانت دائمًا ملازمة له ويجب علينا الآن توضيحها من أجل المضي قدما نحو موضوعنا: ماهية الحرية الإنسانية. يجب علينا، من وجهة نظر توضيح الحرية الإيجابية ومشكلتها كما قدمناه للتو بموازاة التمييز الكانطي، أن نطرح سؤالين. (1) هل يتجلى الامتداد الأساسي للإشكالية في الحرية الإيجابية بشكل عام؟ (2) إلى أين يشير هذا الامتداد؟ بتعبير ٱخر: أي منظور يفتح؟ لنحاول الإجابة على هذين السؤالين. كون امتداد مشكلة، مرتبطا بالحرية الإيجابية، من الممكن إظهاره بإيجاز وسهولة في ارتباط بسؤالنا (2). بالفعل، كما رأينا، الحرية الإيجابية، باعتبارها عملية، تساوي الاستقلال الذاتي. هذا الأخير يتأسس من حيث إمكانه في العفوية المطلقة (الحرية المتعالية). بهذه الحرية، نكون قد انسقنا إلى شيء آخر.
كون الحرية المتعالية تنشأ جنبا إلى جنب مع الضرورة الطبيعية، هذا ما يظهر امتدادا، هذا الامتداد أساسي لأن ما يضاف إليه - العفوية المطلقة - يتم وضعه كأساس للحرية العملية، أي كهذا الذي تتأسس (الحرية العملية) عليه. يعبر كانط عن وجود مثل هذه العلاقة بين الحرية العملية والحرية المتعالية على النحو التالي: “إلغاء الحرية المتعالية من شأنه أن يدمر في الوقت نفسه الحرية العملية كلها". إمكان هذه يتوقف على إمكان تلك. لذا فقد تمت الإجابة على السؤال الأول بالفعل. ولكن أي منظور يفتح مع هذا الامتداد؟ يتم تحديد المنظور بوضوح بواسطة مناط المشكل الذي يظهر كتمكين للحرية العملية (الاستقلال الذاتي)، لما يسميه كانط “العفوية المطلقة”. ماذا يعني هذا؟ أين هي إذن المشكلة الحقيقية؟ لنقلها مرة ثانية: العفوية تعني "من-تلقاء- ذات"، من تلقاء ذات لمبادرة من "سلسلة من الأحداث". لنفهم هذا جيدا؛ العفوية المطلقة تساوي: المبادرة "من تلقاء-ذات تماما" إلى سلسلة من الأحداث، المبادرة إلى حدث ما؛ أي جعله ينتج عن نفسه. وما يسمح لشيء ما أن ينتج عن ذاته يشكل، في نظر كانط، السبب. في مسألة العفوية، المبادرة، السماح-بالنتج، يتعلق الأمر إذن بمسألة السبب. وجود-سبب لسبب هو ما يسميه كانط: السببية. بهذا المعنى يتحدث أحيانا بشكل مباشر عن "سببية السبب". ومع ذلك، لا تعني سببية سبب سبب هذا السبب، بل تعني وجود-سبب: الواقعة والكيفية التي يكون بها سبب سببا. لكن، وفقا لكانط، كل تجربة، أي كل معرفة نظرية بالطبيعة في-متناول-اليد (Vorhandenheit) تخضع لمبدإ قانون السببية.
هذا المبدأ الذي بموجبه يكون موجودا ما معطى في التجربة سببا لآخر، بعبارة أخرى؛ قانون وجود-سبب هذا يعبر عنه وفق عنوان المماثلة الثانية في الطبعة الأولى من "نقد العقل الخالص"؛ ألا وهو: "كل ما يحدث (يبادر إلى الوجود) يفترض شيئا يعقيه وفق قاعدة". ويوضح كانط لاحقا: “…سببية سبب ما يحدث أو يتبادر تبادرت هي أيضا، ووفقا لمبدأ الفهم، فهي تحتاج بدورها إلى سبب. في كل مرة، يكون وجود- سبب لسبب يعقب بدوره سببا سابقا؛ بمعنى آخر (في الطبيعة)، ليس هناك وجود-سبب لسبب لا يبادر من تلقاء نفسه. على العكس من ذلك، تكون حالة مبادرة من تلقاء ذاتها (سلسلة من الأحداث) - لنعن بها: مبادرتها من-تلقاء-ذاتها الجذرية - بالتالي وجود-سبب مختلفا تماما عن سببية الطبيعة: سببية مختلفة تماما. هذه السببية - العفوية المطلقة - يسميها كانط: السببية بواسطة الحرية. ويبدو من هذا، كما يستنتج هايدجر، أن العنصر الإشكالي في العفوية المطلقة هو مشكلة السببية، وجود-سبب. هكذا يتصور كانط الحرية باعتبارها قوة وجود-سبب خاص وبارز. المنظور الذي ينفتح بالتالي مع الامتداد الأساسي لمشكلة الحرية العملية - أي وصع الاستقلال الذاتي كعفوية مطلقة هو إذن منظور مشكلة السببية بشكل عام.
السببية بمعنى العفوية المطلقة، أي وجود-سبب بمعنى المبادرة الجذرية من تلقاء الذات لسلسلة من الأحداث شيء لا نصادفه في التجربة، أي بالنسبة لكانط، في المعرفة النظرية
بالطبيعة التي في-متناول-اليد (Vorhandenheit). ما نتمثله في العفوية المطلقة يقع خارج نطاق الموجود الذي في المتناول عن طريق التجربة، يتجاوز (transcendere) هذا النطاق. هكذا، تكون الحرية باعتبارها عفوية مطلقة الحرية المتعالية. وفق الموقف الهايدجري، الحرية الإيجابية باعتبارها مؤسسة على العفوية المطلقة (الحرية المتعالية) تضم في ذاتها مشكلة السببية بشكل عام، وهذا إلى حد أكبر سبب قوي لتأكيد كانط على أن الحرية العملية ترتكز على الحرية المتعالية وأن هذه الاخيرة تشكل سببية خاصة جدا. إذا حافظنا على المنظور الذي حددناه من خلال التوجه إلى كانط، وهذا يعني ما يلي: إن التساؤل عن ماهية الحرية الإنسانية، وبالتالي التساؤل في كنهها، وإمكانها الداخلي وأساس هذا الأخير - التساؤل أيضا عن ماهية الحرية، دلالته هي: جعل ماهية سببية للوجود-السبب. هكذا، تتلفى كل أسئلتنا التحضيرية جوابها. تساءلنا فعلا: (أ) هل يتضمن مفهوم الحرية الإيجابية امتدادا أساسيا للإشكالية؟ (ب) أي منظور ينفتح؟ لكن الارتباط الداخلي بين هذين السؤالين يكشف كذلك عما يلي: تندرج مشكلة ماهية الحرية الإنسانية في المشكلة الموجهة للفلسفة. هكذا يتم استنفاد الاستعدادات اللازمة لتناول موضوعنا، الذي سيتم توضيحه في السطور التالية.
(يتبع)
المرجع: RUBENS BÉLIDOR, A propos de la problématique de l Être: L’ESSENCE DE LA VÉRITÉ ET DE LA LIBERTÉ HUMAINE CHEZ HEIDEGGER