صباح حزمي الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 09:15
المحور:
الادب والفن
ما هي قصة أغنية (( سرجي مرجي )) ؟ أغنية (( واحد اتنين.. سرجي مرجي.. إنت حكيم ولا تمرجي؟ )) , هي إحدى الأغاني الشعبية الشهيرة في التراث المصري التي رددها الأطفال لأجيال طويلة , ولها أكثر من تفسير وأصل تاريخي , فكلمة (( سرجي )) أصلها (( سركي )) , وهي كلمة ذات أصول تركية/شركسية دخلت مصر لتسجيل بيانات العمال والمزارعين في الحدائق والمروج , وكان الإقطاعي الشركسي يقف مع (( الخولي )) المسؤول عن البستان اوالحديقة , فيقول الإقطاعي رقماً (( واحد , اثنين...)) , فيرد الخولي بكلمة (( سرجي )) أي أنه مقيد في السجل , ثم يقول (( مرجي )) أي ادخل المرج أو البستان للعمل , واستخدمها المصريون فيما بعد للسخرية من طوابير التسجيل الطويلة .
وتعبيرا عن التلاحم الشعبي والكنائس في مصر القديمة , نجد في منطقة مجمع الأديان بمصر القديمة وتحديداً حول كنيسة (( أبي سرجة )) الأثرية ودير (( مار جرجس )) , ان لسان الأطفال دمج أسماء القديسين البارزين (( القديس سرجيوس والقديس مار جرجس )) ليتحول الاسم إلى (( سرجي مرجي )) ,وكانت الكنائس والأديرة تقدم المعونات والخدمات الطبية والغذائية للفقراء - مسلمين ومسيحيين على حد سواء - دون تمييز , فكان الفقراء والأطفال يقفون في طوابير طويلة للحصول على الدعم والأدوية , ليكملوا الأغنية بسؤالهم لمن يقدم الخدمة: (( إنت حكيم ولا تمرجي؟ ) (أي طبيب أم مساعد طبيب .
تاريخياً , خصوصاً في العصور الوسطى , كانت الكنائس والأديرة , بمثابة (( تكية )) لكل محتاج دون تمييز , فلم تكن المستشفيات ودور الإطعام بالانتشار الحالي , بل كانت أسوار الكنائس والأديرة الأثرية في مصر القديمة بمثابة ملاذ ومستوصف خيري مفتوح للجميع ,
(( الغلبان أديله لقمة )) , وكانت الأبواب تفتح لكل عابر سبيل , فقير , أو محتاج مسلماً كان أو مسيحياً , ليحصلوا على طعام ومساعدات تُوزع بالمجان من خير المكان , (( العيان أديله حقنة )) , وكان يتواجد هناك رهبان وأشخاص بارعون في الطبابة الشعبية والأعشاب , ومع تطور الزمن أصبحت هذه الدور بمثابة (( حكيم الصحية )) الذي يعالج المرضى , ولا ينسى العقل الجمعي المصري (( الجدعنة )) , فالمواطن المصري البسيط , حين كان يمرض أو يجوع , كان يقصد تلك المنطقة المباركة , وصاغ وجدانه الشعبي هذه الذكرى في مأثور أبدي يردده الأطفال في لعبهم , وهكذا تحولت أديرة وكنائس مصر القديمة في ذاكرة الأجيال إلى عنوان للرحمة , المحبة , والعيش المشترك الذي لا يعرف فرقاً بين مسلم ومسيحي , فكل محتاج كان يجد له حضناً دافئاً ولقمة هنية وعلاجاً شافياً.
مقامةُ السرْجي مَرْجي : في نَقْضِ الزَّمَنِ الطَّائِفِيِّ المَشْئُومِ .
حَدَّثَ الحَارِثُ بْنُ هَمَّامٍ قَالَ : طَافَتْ بِيَ الذَّاكِرَةُ فِي أَرِقَّةِ النَّهْرَيْنِ , فَتَذكَّرْتُ ما كَانَ يَتَرَدَّدُ عَلَى أَلْسِنَةِ الصِّبْيَانِ فِي أَيَّامِ الصَّفَاءِ والإِخَاءِ , يَومَ كَانَ البَلَدُ أُمّاً لِلْجَمِيعِ , لا تَسْأَلُ الزَّائِرَ عَنْ عِقْدَتِهِ وَلا الـمُحْتَاجَ عَنْ نِحْلَتِهِ , يومَ كَانَتْ (( الأعَظَمِيَّةُ )) تَعْطِفُ عَلَى (( الكَاظِمِيَّةِ )) , وَتَشْبَكُ (( الْكَرْخُ )) يَدَهَا فِي يَدِ (( الرُّصَافَةِ )) , وَتَلْتَقِي الصَّلَوَاتُ فِي (( الْكَرَّادَةِ )) وَ(( شَارِعِ الرَّشِيدِ )) بَيْنَ مَآذِنِ الـمُسْلِمِينَ وَكَنَائِسِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالوَفَاءِ , لا يَسْأَلُ الـجَارُ جَارَهُ عَنْ مَذْهَبِهِ , بَلْ عَنْ صِحَّتِهِ وَسَكَبَةِ جَارِهِ , ثُمَّ انْثَنَيْتُ أَنْظُرُ فِي سِفْرٍ مِنْ تُرَاثِ الكِنَانَةِ , فَرَأَيْتُ أُغْنِيَةَ (( سَرْجِي مَرْجِي )) تُعَبِّرُ عَنْ رُوحِ الـمُوَاطَنَةِ والتَّكَافُلِ , حَيْثُ كَانَ القَدِيسَانِ (( سَرْجِيُوسُ )) وَ(( جِرْجِسُ )) يَلْتَقِيَانِ فِي وِجْدَانِ المِصْرِيِّينَ عُنْوَاناً لِلْمَلْجَأِ الـمَأْمُونِ , فَيَقِفُ الفَقِيرُ الـمُسْلِمُ وَالـمَسِيحِيُّ صَفّاً وَاحِداً , لا يَسْأَلُ الـحَكِيمُ فِيهَا عَنْ دِينِ الـمَرِيضِ , بَلْ عَنْ مَوْضِعِ الأَلَمِ وَسَبَبِ الـمَرَضِ , فَفَاضَتْ عَيْنِي بالدَّمْعِ السَّكُوبِ , وَقُلْتُ: يَا لَلْعَجَبِ , كَيْفَ صَارَ التَّأْرِيخُ عِنْدَنَا يُكْتَبُ بِالـمَقْلُوبِ؟ .
لَقَدْ كَانَتْ (( سَرْجِي مَرْجِي )) فِي التُّرَاثِ كِتَاباً لِلتَّسْجِيلِ فِي مَارِجِ الخَيْرِ , ثُمَّ صَارَتْ نِدَاءً لِلْعَيْشِ الـمُشْتَرَكِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الوَطَنِ الـوَاحِدِ , لا فَرْقَ بَيْنَ كَنِيسَةٍ وَمَسْجِدٍ , أَمَّا فِي عِرَاقِ مَا بَعْدَ الغَزْوِ , فَقَدْ انْقَلَبَ الـمَفهُومُ وَتَغَيَّرَتِ التُّخُومُ : فَبَدَلاً مِنْ (( السَّرْكِيِّ )) الَّذِي يُدَوِّنُ الأَسْمَاءَ لِلْعَمَلِ وَالعَطَاءِ , صَارَ (( السَّرْكِي )) فِي بَلاطِنَا عِمَامَةً مُزَيَّفَةً أَوْ كِرَافَاتاً مُسْتَوْرَدَةً , وحَاكِماً يَتَفَقَّدُ أَلْقَابَ النَّاسِ وَهُوِيَّاتِهِمْ عَلَى الـهَوِيَّةِ , يَقِفُ عَلَيْهَا (( أَبُو المُحَاصَصَةِ )) وَ(( سَيِّدُ الطَّائِفَةِ )) , يَتَفَقَّدَانِ أَلْقَابَ النَّاسِ وَأَسْمَاءَ الأَجْدَادِ فِي الكُنُوشِ والهُوِيَّاتِ لِيَفْرِزَا بَنِي الوَطَنِ بَيْنَ مُشَرَّدٍ وَقَتِيلٍ , وَيَقْسِمَا الدَّائِرَةَ وَالمُؤَسَّسَةَ كَأَنَّهَا غَنِيمَةٌ بَيْنَ أَهْلِ التَّمْكِينِ وَالتَّضْلِيلِ , وَبَدَلاً مِنْ (( المَرْجِ )) الَّذِي كَانَ يَسَعُ الرَّاعِيَ وَالمُحْتَاجَ , صَارَتْ المُرُوجُ وَالبَسَاتِينُ فِي دِيَالَى وَدِجْلَةَ أَرَاضِيَ مَحْظُورَةً يُدِيرُهَا (( مَقْوَلُ الأَزَمَاتِ )) وَ(( أَمِيرُ الدَّمِ )) فَمَنْ كَانَ مِنْ فَرِيقِهِما فَلَهُ الأَمْنُ والـمَالُ وَالـوَظِيفَةُ , وَمَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِما فَلَهُ الـجَلاءُ أَوْ الإِذْلاَلُ .
وَبَدَلاً مِنْ سُؤَالِ الصَّبِيِّ البَرِيءِ : (( إِنْتَ حَكِيمْ وَلا تَمَرْجِي؟ )) , صَارَ السُّؤَالُ الحَاكِمُ عِنْدَ أَبْوَابِ الـمُسْتَشْفَيَاتِ وَمَفَارِزِ التَّفْتِيشِ , وفِي خَزْنَةِ النَّظَّارَةِ وَأَرْقِمَةِ المَفَارِزِ(( مَا حَسَبُكَ ؟ وَمَنْ شَيْخُكَ ؟ وَإِلَى أَيِّ طَائِفَةٍ يَرْتَقِي نَسَبُكَ ؟ )) , فَإِنْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ (( المَذْهَبِ المَرْضِيِّ )) عِنْدَ أَهْلِ النَّفُوذِ شُفِيتَ , وَإِنْ كُنْتَ مِنْ غَيْرِهِ دُعِيتَ بِالـمَارِقِ وَأُقْصِيتَ , فآهِ مِنْ زَمَنٍ غَابَتْ فِيهِ (( الجَدَعَنَةُ البَغْدَادِيَّةُ )) الَّتِي كَانَتْ تَمْلَأُ الدَّرَابِينَ وَالأَسْوَاقَ في مَحَلَّاتِ الكَرْخِ وَالرُّصَافَةِ , يَوْمَ كَانَ الجَارُ يُمَشِّي الجَارَ فِي الـشَّدَائِدِ , وَلا يَعْرِفُ المَسْجِدُ فَرْقاً عَنِ الدَّيْرِ فِي إِطْعَامِ الـجَائِعِ وَنُصْرَةِ المَظْلُومِ , ويَوْمَ كَانَ الـمَسِيحِيُّ يَسْقِي جَارَهُ الـمُسْلِمَ فِي رَمَضَانَ رَحْمَةً , وَالـمُسْلِمُ يَحْرُسُ دَيْرَ جَارِهِ إِجْلَالاً , وَيَقِفُ الصَّابِئِيُّ وَالإِيزِيدِيُّ مَعَهُمَا فِي صَفِّ الإِنْسَانِيَّةِ الرَّحِيبِ.
لَقَدْ حَوَّلَتِ المَحَاصَصَةُ المُرُوجَ الخَضْرَاءَ إِلَى صَحَارَى جَرْدَاءَ , وَحَوَّلَتِ التَّكِيَّةَ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَضِنُ الغَرِيبَ إِلَى (( مُؤَسَّسَاتٍ طَائِفِيَّةٍ )) تُوَزِّعُ الحُقُوقَ بِحَسَبِ الرَّصِيدِ السِّيَاسِيِّ وَالعَشَائِرِيِّ , لا بِحَسَبِ الإِنْسَانِيَّةِ وَالآدَمِيَّةِ , فَيَا حَسْرَتَا عَلَى (( حَكِيمِ الصِّحِيَّةِ )) الَّذِي تَطَوَّرَ ِنْدَنَا لِيُصْبِحَ (( تَاجِرَ الـمَقَابِرِ )) , وكَانَ يُدَاوِي الجِرَاحَ بِلا ثَمَنٍ , وَيَا حَسْرَتَا عَلَى زَمَنٍ صَارَ فِيهِ البُسْتَانُ قَفْراً , وَالسَّرْجِيُّ سَجَّاناً , وَالمَرْجِيُّ حَاجِباً عَلَى أَبْوَابِ المُوَاطَنَةِ المَغْصُوبَةِ , فَيَا حَسْرَتَا عَلَى عِرَاقٍ كَانَ يَسَعُ الجَمِيعَ , وَيَا حَسْرَتَا عَلَى زَمَنٍ صَارَ فِيهِ الـبُسْتَانُ قَفْراً , وَالسَّرْجِيُّ سَجَّاناً , وَالـمَرْجِيُّ حَاجِباً عَلَى أَبْوَابِ الـمُوَاطَنَةِ الـمَغْصُوبَةِ .
تُمثّل هذه المقامة محاولةً أدبيةً لاستدعاء التراث الشعبي الشفاهي (( أغنية (( سرجي مرجي )) , وتوظيفه كأداة نقدية للمشهد السياسي والاجتماعي في عراق ما بعد عام 2003 , تكمن القيمة الفنية في إجراء (( إزاحة دلالية )) للمفردات التراثية , فبينما كانت (( سرجي مرجي )) في الوجدان الشعبي المصري رمزاً للتكافل الاجتماعي , والعيش المشترك حول كنيسة (( أبي سرجة )) ودير (( مار جرجس )) , وسجلاً مفتوحاً للعمل والإطعام , أُعيد إنتاجها هنا لتكون مرآةً ساخرة تُعرّي آليات (( المحاصصة الطائفية )) وتقسيم الوطن إلى إقطاعيات ومحامٍ فئوية , وتستند المقامة إلى بناء بلاغي كلاسيكي قائم على السجع غير التكلفي , والمقابلة (( الموازنة بين زمني الصفاء والفرقة )) , وتوظيف الأماكن البغدادية والعراقية كرموز للهوية الوطنية الجامعة في مواجهة الرموز الساخرة المستحدثة (( أبو المحاصصة , سيد الطائفة , مقاول الأزمات )).
صباح الزهيري .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟