أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة كيمياء الوحل والوطن : مختبر السقوط الوطني بعد 2003 .















المزيد.....

مقامة كيمياء الوحل والوطن : مختبر السقوط الوطني بعد 2003 .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 10:21
المحور: الادب والفن
    


يقول طاهر عرابي : (( كيمياء الوحل , بركةٌ من وحلٍ لزج , أصفرُ مرتعبٌ من نفسه , يتمدّد مترنّحًا ويطلق فقاعات هواء , كأنها أنفاسُ سجينٍ أفلت عاريًا , مع كلّ فقاعة يرتجف الوحل , يخشى الشمس أن تكسّره إلى أشكالٍ هندسية , وتذروه غبارًا لا يعترف به أحد , حتى أرجلُ البطّ البريّ تُفزعه , والغبار فناءٌ لا رجعة منه , ولو جاء الطوفان، فلن يجمعه , الوحل لا يتذكّركيف تفاعل المطر مع أملاح الأرض , مَن غلب قوامه ؟ ومن انهزم فأنتج الخوف ؟ المطر يوقظ أملاح الأرض , ويترك للكيمياء أن تقول كلمتها , ثم يتبخّر , تاركًا البركة حزينة , بلا فراشات ولا ضفادع , تعاطفتُ مع المأساة , التقطتُ عصًا وتحسّستُ الوحل بحذر , ربّما تعثّر نبعٌ هنا , فصار بركةً تنتظر موعدًا آخر للبهجة , خطوتُ أفتّش عن نبعٍ خان النهر , لكنّ نساء الشياطين سبقنني , قفزن إلى الوحل وتعرّين من أحمالهنّ الأزليّة , البؤس , والشقاء , وكراهية الغاضبين , سبحن كأنهنّ في ماءٍ صافٍ , وأنا مقيّدٌ حتى الركبة في كيمياء الوحل , نسيتُ النهر , وتبدّدت رؤيتي , صرتُ عملاقًا في الوحل , أحمقَ مبتهجًا , والبركة الصفراء تضع قناعها على وجهي , أنا مقيّدٌ بحريّتي , رقصوا حولي بأجسادٍ شفّافة , بلا ندوب , لا ينفرون من رائحة الوحل الأصفر , قلتُ , أمسكوني لأراكم , ضحكوا , لو أمسكناك لعاد النبع وغرقنا , كانوا سعداء , يطلون نهودهم بملح الأرض , ويستهزئون بوجودي , حينها جاء الندم , كيف أشارك الشياطين بهجة الوحل؟ تمنّيتُ شمسًا تُبخّره , أو مطرًا يُغرقه , لكنّ الشمس هربت , واشتدّ المطر , وغصتُ في الوحل , صرختُ , أين خوفكم ؟ فضحكوا , الخوف ظلّ , لا يُرى ولا يُمسك , لكنّه يلبسك حتى العظم , اتّسعت البركة , وهبطت شياطين جديدة , صنعوا عرسًا, ووضعوا كرسيًّا , وزوّجوني من الخوف , والمطر يهطل , والوحل يمتدّ , لا أعرف , أأنتظر أن يجفّ , أم أخشى أن ينتهي؟ )) .

الوحل هو خليط ناتج عن امتزاج الماء بالتراب أو الغرين أو الصلصال , ويتشكل غالباً بعد هطول الأمطار أو بالقرب من المسطحات المائية , وهو الطين الرقيق الذي ترتطم وتغوص فيه الأقدام والدواب , وتَوَّحَلَ , تلطخ بالوحل , ويُقال (( تَوَّحَلَت سمعته )) كناية عن تلطخها بالدنس والسوء , وغرق في الوحل , تعبير مجازي يعني التورط في أعمال غير مشروعة أو مشاكل كبيرة , غالباً ما يُستخدم لفظ "الوحل" كرمز مجازي للتعبير عن السقوط الأخلاقي والمهانة التي تلحق بمن يخون وطنه. في الثقافة العربية والوعي الجمعي، ترتبط خيانة الوطن بالانحدار إلى أسفل الدرجات الإنسانية، حيث لا يجد الخائن أرضاً صلبة يقف عليها، بل يغرق في وحل العار والرفض المجتمعي.

يُنظر إلى الوطن باعتباره الشرف والهوية , والخروج عنه هو ارتماء في (( وحل )) التبعية وسقوط للقيم المبدئية , والخائن لا يجد احتراماً حتى من الجهة التي تحالف معها ضد وطنه , فيعيش منبوذاً ومحتقراً من الجميع , ولما كان التاريخ لا يرحم, تُسجل صفحاته أسماء الخونة في قاع مظلم (( أشبه بالوحل )) يلفه الخزي , بينما تخلد أسماء الأوفياء والمدافعين عن بلادهم , وباختصار , (( الوحل )) هنا هو الوصف الأدبي والمعنوي للحالة النفسية والاجتماعية التي ينتهي إليها كل من يبيع تراب وطنه لقاء مصلحة شخصية أو مادية عابرة.

إن أشرقت (( شمس الحقيقة والوعي الوطني )) , جفّ الوحل وتفتتت بناهم إلى غبارٍ منسيّ لا يحترمه تاريخ ولا أجيال , وانكشفت سوءاتهم الهندسيّة المزعومة , وإن جاء (( طوفان الغضب الشعبي والتغيير )) جرف البركة بما فيها , ومحا آثارهم إلى الأبد , فهم يعيشون في حالة ذعر دائم من المستقبل , يتمنون بقاء البركة الآسنة ليدوم وجودهم الطارئ , لكنهم يعلمون في يقينهم أن سنن التاريخ لا تبقي للوحل قواماً إذا ما استعاد النهر مجراه.

(( كيمياء الوحل )) ليست مجرد مادة في جغرافيا الأرض , بل هي توصيف لسرطان القيم حين يستشري في لحظات الانكسار الحضاري , والخائن - مهما تزيا بألقاب السلطة وسلطان النفوذ - يظل حريمه ذلك القناع الأصفر , ويبقى الخوف زوجه الأبدي , حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً , وتعود للأرض صلابتها وللنهر صفاء نبيعه.

في البدء , كانت الكلمة تبحث عن سيميائها الأولى , ومن رحم الرماد والصلصال , تنبثق المواقف والمباديء لتعيد تشكيل الوجود في مختبر الدهشة , ومفارقة الوجود الكبرى , حيث يتجاور الأدنى بالأعلى , ويتحول التراب بالرؤيا الوطنية إلى تبرٍ خالص , إنها رحلة في سبر أغوار الذات الإنسانية وصراعاتها , حيث لا يعود الوحل مجرد مادة أرضية , بل يصبح رحمًا للتحولات وصياغة الأسئلة الأخلاقية الكبرى , باسقاط نص (( كيمياء الوحل )) على المشهد العراقي بعد عام 2003 , وما رافقه من تحولات سياسية واجتماعية , وتحديداً تجاه من اختاروا الاصطفاف مع قوات الاحتلال أو توظيفه لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الوطن , من حيث التقاطع مع دلالات النص رمزياً ونفسياً لنجد التالي :

أولاً , الأرض الصلبة مقابل بركة الوحل (( الوطن والخيانة )) , فالوحل هو الخليط الرخو الذي تغوص فيه الأقدام ولا يقدم أرضاً صلبة للوقوف , وهو رمز السقوط الأخلاقي والمهانة , في حين ان الوطن يمثل (( الأرض الصلبة )) والهوية الجامعة والثبات على المبدأ , أما من تخلى عن صف وطنه وركب دبابات الغازي أو التحق بمشاريعه المشبوهة , فقد دخل في (( كيمياء الوحل السياسية )) ولم يحقق ثباتاً أو احتراماً , بل وجد نفسه يغرق في لزوجة التبعية والعمالة , بلا أرض حقيقية يقف عليها , وبلا سيادة وطنية يستند إليها.

ثانياً , (( أصفرُ مرتعبٌ من نفسه )) طبيعة الخائن النفسية , والوصف الساخر للوحل بأنه أصفر , مرتعب من نفسه , يطلق فقاعات خوف كأنفاس سجين , يخشى الشمس لأنها تكشف حقيقته وتذريه غباراً , وهو التجسيد الدقيق للحالة النفسية لمن خانوا وطنهم , فهم يعيشون حالة من الرعب المستمر من الحقيقة , ومن (( شمس الوعي الشعبي والتاريخي )) رغم ما قد يظهرون عليه من تبجح أو سلطة زائفة مستمدة من المحتل , إلا أنهم في قرارة أنفسهم مهتزون , يخشون نظرة المجتمع , ويحاذرون غضب التاريخ الذي لا يرحم , فقاعات الخوف لديهم هي تلك التصريحات المبررة لأفعالهم , والمحاولات اليائسة لغسل أيديهم الملوثة.

ثالثاً , (( نساء الشياطين تعرّين من أحمالهن )) , فقدان الحياء الأخلاقي , بدخول الشياطين إلى الوحل بتخفف وسعادة , كأنهم في ماء صافٍ , واستمتاعهم بالانغماس في القاع دون خزي , بما يمثل مرحلة (( التجرد التام من القيم والضمير )) , حين سقطت الدولة وسُحقت البنى التحتية , وجد المنتفعون والباحثون عن الغنائم الفردية أنفسهم في بيئة خصبة للنهب والاصطفاف المشبوه دون أي شعور بالذنب أو بالعار الوطني , لقد تخلوا عن أحمال الشرف الوطني والكرامة , وتأقلموا مع بيئة الاحتلال والفساد وكأنها بيئتهم الطبيعية.

رابعاً , (( كيف أشارك الشياطين بهجة الوحل؟ )) , تلك أزمة الضمير المتأخر , في لحظة الإيقاظ والإدراك المتأخر للذات حين يكتشف الشخص أنه مقيد في الوحل ويحيط به الراقصون في القاع , فيتمنى شمسًا تبخره أو مطرًا يغمره , لتعكس هذه اللحظة حالات الندم أو المراجعات المتأخرة التي اعترت بعض من غرّر بهم أو تورطوا في بدايات الاحتلال ثم أدركوا فداحة الجريمة بحق الوطن , أو حتى العزلة النفسية العميقة التي يعيشها هؤلاء الخونة وهم يرون أنفسهم منبوذين حتى من قبل الجهة التي استعملتهم (( إذ غالباً ما يلفظ المحتل أو المستعمر عملاءه بعد انتهاء دورهم )) .

خامساً , (( زوّجوني من الخوف )) , وهي نهاية الخائن الحتمية , عندما تتسع البركة ويُصنع عرس من افتضاح الأمر , والخوف من زوال المظلة الأجنبية التي تحميه , يظل سجيناً لبركته الآسنة , معلقاً بين رغبة جفافها التي تكشف سوءته , وبين الخوف من نهايتها التي تعني حتمًا سقوطه الكامل.

خلاصة القول , يقدم نص (( كيمياء الوحل )) أدق توصيف معنوي ونفسي لـ (( سقوط الخيانة )) ,حيث لا يعود الصراع مجرد صراع سياسي عابر , بل هو تحول جوهري في طبيعة الإنسان حين يتخلى عن طهره وثرى وطنه , ليرضي شهوة المصلحة اللحظية , فيبقى أسيراً لبركة صفراء لزجة يلفها العار والنسيان , بينما يبقى الوطن - رغم الجراح - هو النهر العالي الذي يتجدد والنبع الذي لا يموت , وفي أغوار هذا النص كيمياءٌ أعمق , تُسفر عن وجوهٍ أخرى للمأساة حين نُقلّب صوره على جمر الواقع العراقي.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة وهج السنابل في ريح العراقيل : مكائد الصغار وعطاء الكبا ...
- مقامة آلاء وترند الموالاة : حين تختلط العقيدة بالتبعية وتضيع ...
- مقامة عنترة في حضرة الدرويش : تراتيل النصل المباح.
- مقامة الشغف .
- مقامة نبيذ لوعة الأنتظار .
- مقامة خيانة الوسيط : احتجاب الدعاء وأنانية العشق , قراءة في ...
- مقامة دموعٌ لا تبكيها الأغاني : حين يتكلم صمتُ الرجال .
- مقامة الأنف : عندما تُعرّي السريالية غرور البيروقراطية .
- مقامة خلخلة التابوهات : قراءة نقدية في نص رنيم نزار.
- مقامة الأَكْنَام : بين هَنْدَسَةِ اللَّفْظِ وَإِشْرَاقَةِ ال ...
- مقامة مندلي التي أحب .
- مقامة الغباء موهبة : النظرية البونهوفرية في آفة الحماقة والغ ...
- مَقَامَةُ الروُحِ وَأَخْلَاقُ المَسَافَة : صديقي الذي لا يُخ ...
- مقامة الأصطلام في دبلوماسية السهروردي.
- مقامة جذور الحزن العراقي : قلق التاريخ وطقوس الوجع الباقي .
- مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .
- مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس ...
- مقامة باهيزة .
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...
- مقامة الهسهسة .


المزيد.....




- خمسون عاماً على انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
- مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
- -أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان
- رومانيا تتصدر برنامج السوق الأمريكي للأفلام بوفد سينمائي موس ...
- -رسمت المقبرة الجماعية-.. نازحة من الفاشر توثق ما رأته بالفح ...
- احتفاء واسع في الأوساط الفنية الأمريكية بفوز عبد الرحمن السي ...
- الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي ...
- أصالة نصري تكشف تفاصيل سرقة مجوهراتها خلال جولتها الأميركية ...
- أنغام تثير الجدل بسبب رائحة التدخين على المسرح
- مهرجان القاهرة السينمائي يفتتح دورته الـ47 احتفاءً بيوبيله ا ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة كيمياء الوحل والوطن : مختبر السقوط الوطني بعد 2003 .