صباح حزمي الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 18:16
المحور:
الادب والفن
أطلّت علينا الشاعرة العابرة للأفق , فاطمة الفلاحي - وهي التي تعتاد دوماً أن تكتب لقُرّاء المستقبل وتُسائل خوارزميات العصر - بمعينٍ جديد من مُبتكرات الكتابة , فبعد أن كانت السبّاقة في إرشادنا إلى عوالم (( الهايكو )) و(( الهايبون )) بكل ما فيهما من إيجازٍ وتكثيف , تفتح لنا اليوم باباً جديداً على طريقة (( الأَكْنَام Acrostic )) , تلك التي تُعرف في تراثنا المفهومي والجمالي بـ (( القصيدة الفقرية )) أو (( أسلوب أوائل الحروف )) , وهي استراتيجية تعبيرية وبنائية حِذْقَة , تعتمد على غزل النص بحيث تشكّل الحروف الأولى من أسطره أو كلماته المتتالية مفتاحاً لـ (( كلمةٍ سِرِّيّة )) أو (( جملةٍ مِعْمَارية )) تمنح النص بُعداً هندسياً ثانياً , ولئن شاع استخدام هذه الطريقة قديماً وحديثاً كأداةٍ ذهنية لتنشيط الذاكرة وتيسير استظهار المعارف المعقدة , فإنها ترتقي في يد المبدع لتغدو طرازاً فنيّاً فريداً من الشعرية المعاصرة , يمزج بين صرامة الشفرة البنائية وحرية التداعي الإبداعي.
وفي هذا السياق , أتحفتنا الشاعرة بلوحةٍ روحيةٍ تتجلّى فيها إشراقات الفناء في الذات والحلول في العشق الإلهي والوجداني , قصيدةٌ صيغت ببراعةٍ على طريقة (( الأَكْنَام )) لتتلاقاط الحروف الأولى من شطورها رأسياً وتشكل العِقد الفريد لـ (( صَ دْ فَة عُ بـُ و ر )) تلك اللحظة الفارقة التي تتماهى فيها الذات الإنسانية وتستحيل غياباً شاملاً في حضرة المحبوب:
ص: صبوت إليك حتى غبت عني ,
د: دنوت فصار هذا الكون غيما.
ف: فما نفسي سوى نفس غريب ,
ة , (تاء): تمطت في محبتك المنايا.
ع: عرفتك في جلال الصمت نورا ,
ب: به تمحو إذا تجلو الخطايا.
و: وجدتك في جراح الروح بلسما ,
ر: رأيتك حين لم أر لي بقايا.
إنها تجربةٌ تتجاوز التأنّق الشكلي والألعاب اللفظية إلى صلب التجربة الصوفية , حيثُ تشتبك هندسة الحرف بأشواق الرؤيا , ليغدو الكتمان في أوائل الحروف دليلاً هادياً إلى سرّ التجلي في نهايات الأبيات.
ولئن بدا أسلوب (( الأكروستيك )) , أو الشعر الحروفي, مظهراً تجريبياً معاصراً , فإن جذوره الضاربة في أفق التراث الإنساني تمتد إلى تقاليد شعرية وأدبية عريقة لدى ثقافاتٍ متعددة , بدءاً من المزامير القديمة وصولاً إلى آداب الشرق والغرب , وقد عرفت الآداب العربية هذا المنزع البنائي في صورٍ حروفية , وتوشيحاتٍ بديعية , وترتيباتٍ خبيئة , كانت تهدف إلى المزاوجة بين اللذة الذهنية والحمولة الوجدانية.
وفي قصيدة (( صدفة عبور )) , لا تقف هذه الحروف عند حدود (( التأنّق الشكلي )) بل تنتظم بحذقٍ لتصوغ عنوانها الداخلي , مانحةً النص وحدةً معمارية تتجاوز جمال اللفظ الظاهر إلى (( دلالة التكوين )) العميق , إذ تتعانق فيها حرارة الشوق اللائف مع سكينة التأمل الصوفي , وتتداخل حرقة التجربة العاطفية مع إشراقات الروح وهي تنقب عن حقيقةٍ مطلقة تتجاوز ضيق الذات إلى متسع التجلي , إنها قصيدةٌ مكثفةٌ في مبناها , باذخةٌ في معناها ودلالاتها , تجعل من العشق جسراً للتحول الداخلي والارتقاء الروحي , ومن الغياب الظاهري وسيلةً مثالية لاكتشاف الحضور الأعمق والأزلي للمحبوب.
ولا يقف البناء الحروفي في هذه القصيدة عند حدود الزينة الشكلية أو التأنق البديعي العابر , بل يتحول إلى إطارٍ وجوديّ يحتضن التجربة الوجدانية في أصفى حالاتها , إذ ترسم الحروف الأولى مساراً شعورياً متدرجاً , وتمنح الأبيات خيطاً ناظماً وترابطاً خفياً , حتى لتبدو القصيدة نسيجاً محكماً تتشابك خيوطه في الظاهر والباطن , وهنا بالذات تتجلى براعة الشاعرة واقتدارها الفني , كيف تُخضع الفعل الكتابي لنظامٍ حروفيٍّ محدد وشديد الانضباط , بينما تظل الروح حرةً طليقة في اندفاعها الشاهق نحو المطلق واللامتناهي؟
فعندما تفتتح الشاعرة تجربتها بقولها: (( صَبَوْتُ إليك حتى غبتُ عنّي )) , فإنها تضعنا مبكراً أمام جوهر (( المفارقة العشقية )) في التصوف , إذ كلما اشتدت صبابة العاشق وتوجهه إلى المحبوب , انزوت (( الأنا )) وتراجعت الذات عن مركزيتها , إن الغياب هنا ليس انقطاعاً أو عدماً , بل هو انحسارٌ مبارك للذات الفانية أمام حضورٍ مطلق يتجاوزها ويستغرقها , ثم يأتي (( الدُّنُوّ )) في البيت الثاني ليحيل هذا الكون إلى (( غَيْم )) , فتتعدل صلبة العالم المألوف وتبتعد جلموديتها , وكأن العاشقة تعبر من ضيق المحسوس والمادي إلى أفقٍ هلامي شفيف , تتلاشى فيه الحدود الحصينة وتسقط أمامه اليقينيات الظاهرة لحساب يقين الوجد والإشراق.
ثم نصل إلى ذروة الفناء في التجربة الصوفية , حين تبلغ القصيدة غايتها وعمقها الروحي الشاهق في قول الشاعرة: (( فَما نفسي سوى نفسِ غريبٍ )) , إذ لم تعد الذاتُ مطمئنةً إلى صورتها القديمة , ولا قارةً في حجبها المألوفة , بل غدت غريبةً عن أنائها الأولى , تنقب عن معنى أزليٍّ جديد لوجودها.
وهذا الاغتراب الوجداني يلامس صلب مفهوم (( الفناء )) في التراث الصوفي , حيث تتوارى الأنا المتضخمة وتنحسر النرجسية أمام سطوة المحبة وإشراقات المعرفة الروحية , في تجربةٍ رمزية فارقة تعبرعن التسامي على الأنانية والتحرر من سجن الذات , لا عن انعدام الوجود المادي أو المحو السلبي.
وتكتمل هذه الرؤية في الشطر التالي بعبارةٍ مشحونة بأعلى درجات التكثيف والمفارقة البلاغية المؤثرة: (( تَمَطَّتْ في محبتك المنايا )) , حيث يتجاور العشق والموت في عناقٍ صوفي بديع , فالموت هنا ليس غياباً نهائياً أو فناءً بيولوجياً , بل هو (( الموت الرمزي )) للأنات القديمة وشعائرها الضيقة , شرطاً لازماً وباباً بكرًا للعبور نحو التجدد الروحي , والانبعاث في رحاب المحبوب المطلق .
وتصل الإشراقةُ الوجدانية إلى أوجِ صفائها عند قولها: (( عَرَفْتُكَ في جلال الصمت نُوراً )) , حيث يتجرد الصمتُ هنا من كونه مجردَ فراغٍ أو صمتٍ سلبي , ليرتقي إلى مرتبة (( اللغة العُليا )) وباب المعرفة الأسمى , فالمحبوب في العرفانيات لا يُدرَك بالزخرف اللفظي أو القول الدارج , بل بما يتركه حضوره البهي من انشراحٍ وانكشافٍ داخلي.
ويبرز (( النور )) في هذا المقام رمزا للفتح والهداية والانجلاء , بينما تلوح (( الخطايا )) بوصفها تلك التراكمات والكدرات التي تثقل كاهل الروح وتغيم على بصيرتها , لتغدو المحبةُ بمثابة (( إكسير تطهير )) وقوة غفران تدسّ النقاء المفقود في جوهر الإنسان وتغسل أدرانه.
ثم تتوج الشاعرة هذه الرحلة برؤيةٍ شفائية جليلة حين تقول: (( وَجَدْتُكَ في جراح الروح بلسمًا )) , وهي صورةٌ بديعة تنقل الحب من دائرة الانفعال العاطفي العابر إلى فضاء (( الترميم الروحي والوجداني )) , فالمحبوب هنا ليس مجردَ موضوعٍ للوجد أو ملاذٍ للشوق , بل هو ملاذُ عافية , وطاقةُ شفاءٍ مطلق تعيد للروح الجريحة قدرتها على التسامي والتصالح مع أوجاعها , واحتمال وطأة العالم وشجونه.
وتصل التجربةُ الروحية إلى أوجِ ذروتها الدلالية , واللحظةِ الحاسمة في مسارها الإشراقي , عند البيت الأخير الذي تختتم به الشاعرة إبحارها: (( رَأَيْتُكَ حين لم أَرَ لي بقايا )) , ففي هذه اللحظة بالذات , عندما ترتفع (( الأنا )) عن ادعاء الملكية أو التوهم بالاكتمال الذاتي , وتضمحل أوهام الوجود المستقل , تنفتح أمام البصيرة إمكانية (( الرؤية الجديدة )) الشاملة , إنها مفارقة الكشف العرفاني الباهرة , أن يكون المحوُ الشرطَ الوحيد للإثبات , وأن يغدو انعدام الصورة القديمة بدايةً بكرةً لاكتشاف حقيقةٍ أعمق وأزليّة , حيث يصبح العبور من ضيق الذات المنغلقة خروجاً مباركاً إلى سعة المعنى ورحاب المطلق.
وهنا يتجلى عنوان النص (( صَدْفَة عُبُور )) ليس مجرد شفرةٍ حروفيّةٍ جُمعت من أوائل الأبيات , بل (( مفتاحاً تأويلياً )) يُفكّك أسرار الرؤية كُلّها , فالصدفة التي تبدو للناظر الظاهري مجرد رمشة عينٍ أو سوانح اتفاق , تخفي في باطنها تحولاً وجودياً كاملاً , والعبور الذي يظنه المارّ لحظةً خاطفة , يتكشف عن حدثٍ جوهريٍّ زلزال يزلزل أركان الذات القديمة , ويُعيد تشكيل الوجود والوعي من جديد.
ختاماً , تتجلى (( صَدْفَة عُبُور)) كلوحةٍ شعريةٍ نادرة تُتوّج الاقتدار الفني , وتنجح بحذقٍ مشهود في التوفيق بين الاقتصاد اللغوي والتكثيف الروحي , وبين صرامة الانضباط الحروفي وانسيابية الوجد العارم , لقد استطاعت المبدعة فاطمة الفلاحي أن تُحيل الحرف من قيدٍ هندسيٍّ صلب إلى (( عتبةِ إشراق )) , وأن تجعل من الحب رحلةَ ارتقاء , ومن الغياب محكّاً واختباراً للكشف الصوفي , ومن الفناء الرمزي للذات نافذةً أثيرية يطل منها الصفاء الأبدي.
إنها تجربة كتابية تعتمد على (( جماليات الهمس )) لا (( ضجيج الصراخ )) , فتومئ أكثر مما توضح , وتوحي أكثر مما تشرح , تاركةً للمتلقي مساحةً رحبة كي يشاركها تجربة (( العبور )) , ويتدرج من الظاهر اللفظي للنص إلى باطن المعاناة الوجدانية , وفي عمق جمالياتها , تهمس لنا القصيدة بالحقيقة الخالدة , إن بعض اللقاءات والصدف لا تعبر في هامش أيامنا مروراً عابراً , بل تعبر إلى أعمق أركان أرواحنا , لتُعيد تشكيل وعينا , وتغير الطريقة التي نرى بها ذواتنا والعالم.
فما أبهى أن تكون (( الصدفة )) بوابةً لبداية عبورٍ وجودي , وما أجمل أن يستحيل الحبُّ نوراً هادياً لا ندّعي حيازته أو امتلاكه , بل نتعلم في جنبات حضرته الهيبة , وكيف نتجاوز ضيق أنائنا المنغلقة لنصغي بنقاءٍ كامل إلى نداء الروح الأزلي .
صباح الزهيري .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟