أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة ساكن الغيوم .















المزيد.....

مقامة ساكن الغيوم .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 14:54
المحور: الادب والفن
    


مقامة ساكن الغيوم :

كُنْتُ أصْغِي إلى حَدِيثِ (( البرودكاست )) للهويدراويّ الأنيق محمد السعدي , فاستَوْقَفَتْنِي فيهِ عبارَةُ (( ساكِن الغُيُوم )) , ذلكَ الوَسْمُ الروحانيُّ الذي خَصَّ بهِ ستالين الشاعرَ والروائيَّ الروسيَّ بوريس باسترناك , يومَ أُدْرِجَ اسْمُهُ في لَوائِحِ المَغْضُوبِ عليهم من أربابِ الفِكْرِ والأدَب , فما كانَ من الحاكمِ إلا أنْ شَطَبَ عِقابَهُ بكلمة: (( اتْرُكُوا ساكِنَ الغُيُومِ في سَمائِهِ )) , شَخَصَ ذِهْنِي حينَها إلى عملِهِ الخالِد (( دكتور زيفاجو )) روايتِهِ الملحميّةِ الفَذَّةِ التي تَبَوَّأتْ عَرْشَ الأدَبِ العالَمِيّ في القرنِ العشرين , وغَدَتْ عام 1965 شَاهِقَةً سينمائيةً من إخراج ديفيد لين , وبطولة عمر الشريف وجولي كريستي , مُتَوَّجَةً بِخَمْسِ جَوائِزَ للأوسكار, ولم تكن حماية ستالين لـ (( ساكن الغيوم )) سوى هدنة قصيرة مع القدر , إذ سرعان ما حاصرته السلطة يومَ حصدَ جائزة نوبل عام 1958 عن مأثرته (( دكتور زيفاجو )) ليُخَيَّر بين الجائزة أو الوطن , فاختار أن يرفض المجد العالمي ويحتضن تراب روسيا قائلاً: (( إن مغادرة الوطن بالنسبة لي تعادل الموت )) .

هناك محطات وأحداث درامية وثريّة في حياة بوريس باسترناك تحمل أبعاداً فلسفية وإنسانية وسياسية عميقة , وعالمها متشابك بين الأدب والسياسة والقدر , ومنها ملحمة نوبل والمأساة الإنسانية 1958, هذه الواقعة التي تُعدّ من أشد محطات حياته إيلاماً وتكثيفاً للدراما , عندما تم تهريب مخطوطة (( دكتور زيفاجو )) سرّاً إلى إيطاليا ونشرها لدى الناشر الماركسي جيانجياكومو فلترينلي بعد أن رُفضت في الاتحاد السوفيتي , وحين أُعلن فوزه بجائزة نوبل للأدب عام 1958 , أرسل في البداية برقية قبول مفعمة بالفرح , لكنه تعرض لحملة تخوين وتشهير شرسة من قبل (( اتحاد الكتاب السوفيت )) وهُدّد بالنفي والطرد من الوطن , أُجبر على إرسال برقيته الشجية الشهيرة للأكاديمية السويدية يرفض فيها الجائزة , (( بالنظر إلى المعنى الذي أُعطي لهذه الجائزة في المجتمع الذي أَنتمي إليه , لابد لي من رفض هذه المكافأة غير المستحقة التي حُظيت بها , أرجو ألا تأخذوا رفضي الخاضع لراحتي بروح غضب )) , وكتب خطابات مؤثرة لخروتشوف يرجوه فيها ألا يُنفى خارج روسيا قائلاً: (( إن مغادرة الوطن بالنسبة لي تعادل الموت , أنا مرتبط بروسيا بمولدي وحياتي وعملي )) .

وفي سيرة الشاعر تتجلى المُلهمة والحبيبة (( أولغا إيفينسكايا )) - لارا الحقيقية - فشخصية (( لارا )) الساحرة في (( دكتور زيفاجو )) لم تكن خيالاً محضاً , بل كانت مجسدة في حبيبته ومساعدته أولغا إيفينسكايا , وتضحيتها وتحملها العذاب, حيث سُجنت أولغا ودُفعت إلى معتقلات (( الجولاج )) السوفيتية لسنوات , وتعرفت على التحقيق القاسي فقط للضغط على باسترناك ليعترف أو ليتراجع , وكان يُقال لها في السجن: (( أنتِ تعاقَبين لأنكِ ملهمة هذا الضال )) , وظل باسترناك يحمل شعوراً بالذنب والامتنان لها حتى آخر أيامه.

ويبرز موقف استثنائي يكشف فلسفة باسترناك وشجاعته النادرة أمام السلطة الباطشة , والمكالمة الهاتفية التاريخية مع ستالين 1934 , عندما اتصل به ستالين شخصياً عبر الهاتف يسأله عن رأيه في الشاعر (( أوسيب ماندلشتام () الذي اعتقل بسبب قصيدة هجاء وجهها لستالين , وبدلاً من أن يداهن باسترناك أو يتملق الحاكم , ودون أن يمتدح ماندلشتام خوفاً أو يذمه نفاقاً , قال لستالين بثبات: (( إن ماندلشتام أستاذ كبير في الشعر , ولكن المسألة ليست في الشعر يا رفيع الشأن , بل في الحياة والوفاء )) , وحين حاول ستالين إنهاء المكالمة , قال له باسترناك: (( أنا أود أن نتحدث معك عن الحياة والموت , فكَبَس ستالين السماعة.

ويتجلى البُعد الروحاني والفني في التحول من الموسيقى إلى الكلمة , حيث نشأ باسترناك في بيئة فنية رفيعة - والده رسام ووالدته عزفت البيانو للكاتب تولستوي - وكان مقدراً له أن يكون موسيقياً وعازف بيانو واعداً , وكان الموسيقار الكبير (( سكريابين )) ملهمه الأول , إلا أنه ألقى بالموسيقى جانباً فجأة متجهاً للكلمة والشعر , لأنه شعر أن الموسيقى لا تسع كتمان المشاعر في زمن الاضطراب , وأن (( الكلمة )) هي الوحيدة القادرة على مواجهة الفناء.

وحين توفي عام 1960 , منعت السلطات الإعلام السوفيتي من نعيِه باستثناء إعلان صغير جداً في صحيفة محلية , رغم ذلك , تقاطر الآلاف من القراء والشعراء والشباب إلى قرية (( بيريديلكينو )) ,حيث كان بيته ومقبرته , وحملوا جثمانه على الأكتاف , وصار قطار الموتى يغص بالورود والقصائد المتلوة جهاراً , وتحولت جنازته إلى مظاهرة أدبية , في تحدٍ هادئ وصارم للرقابة.

وكانَ (( ساكنُ الغيومِ )) ينسجُ من الشَّجَنِ والضَّبابِ أبديَّةً لا تطالُها أيدي الرُّقَباءِ , وكأنهُ يَهْتِفُ في إحدى شَذَراتِهِ الشعريّة : (( دَعُوني أذُوبُ كما يَذُوبُ الثَّلْجُ في الرَّبيع , وأتَوارَى خَلْفَ سَتَائِرِ الغَيْمِ بَعِيداً عَنْ ضَجيجِ المَقَاصِلِ والأرْصِفَة , فما أَنَا إلاّ حَالِمٌ أَعَارَ العَالَمَ عَيْنَيْهِ , ولَمَّا أبْصَرُوا حُزْنَهُ , بَكَوْا )) , لِيُؤَكِّدَ أنَّ خُلُودَ الشَّاعِرِ ليسَ في الحُظْوَةِ عِنْدَ السَّلاطِينِ , بَلْ في أَنْ يَبْقَى صَوْتُهُ نَقِيّاً كالهَواءِ فوقَ قِمَمِ السَّحاب , وفي غَمْرَةِ التَّحَدِّي ومُواَجَهَةِ العُزْلَةِ الفِكْرِيَّة , يَتَجَلَّى نَفَسُهُ التَّراجِيدِيُّ في مقطعِهِ الشَّهيرِ من قصيدة (( هاملت )) , حينَ يقفُ على مَسْرَحِ الحَياةِ مُعْزَلاً إلا مِنْ كِلْمَتِهِ , فيقول : (( خَمَدَ الهُتَافُ , ودَخَلْتُ خَشَبَةَ المَسْرَحِ أُطَالِعُ القَدَر , إنَّ اللِّيْلَ المُنْتَصِفَ يَنْظُرُ إليَّ عَبْرَ آلافِ المَنَاظِيرِ المَشْهُودَة , غيرَ أنَّ المَسَارَ القَاسِيَ قَدْ حُدِّدَ , وَلا مَفَرَّ مِنِ انْتِهَاءِ الشَّوْط , إنَّ عَيْشَ الحَيَاةِ لَيْسَ شَبِيهاً بِعُبُورِ حَقْلٍ مِنَ الـوَرْد )) , وَهيَ لَفْتَةٌ عَمِيقَةٌ تُخْتَصَرُ فيها مَأْسَاةُ الأَدِيبِ الصَّادِقِ في الأزْمِنَةِ الصَّعْبَة , ولم يكن حبُّه إلا امتداداً لسُمُوِّهِ فوقَ الغَيْم , حيثُ يَمْتَزِجُ العِشْقُ بالتَّأَمُّلِ الرُّوحِيّ , فيناجي طَيْفَ المُلْهِمَةِ قائلاً : (( أنتِ لَسْتِ جَسَداً يُطَاوِعُ الزَّمَن , بل أَنْتِ العَاصِفَةُ التي تَهَزُّ جُذُورَ شِعْرِي , والرَّبِيعُ الذي يَنْبُتُ رَغْمَ صَقِيعِ المَنَافِي , إنَّنِي حينَ أُحِبُّكِ , لا أَعْشَقُ امْرَأَةً فَحَسْب , بَلْ أُعِيدُ لِلْعَالَمِ بَرَاءَتَهُ الأُولَى التي سَلَبَتْهَا المَفَاهِيمُ والأَيادِي العَنِيفَة )) , لِتَغْدُوَ المَرْأَةُ عِنْدَهُ هِيَ الوَطَنُ البديلُ والمَلاذَ الأَخِير.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة التأويل .
- مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموا ...
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .
- مقامة الأبريق و العصفور.
- مقامة أمرأة مقتضبة .
- مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ ...
- مقامة المعتدة .
- مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أمان ...
- مقامة الكحل المغشوش .
- مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية ت ...
- مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق ال ...
- مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .
- مقامة الظل الظليل وتِرْيَاقُ الخَافِقَيْن : عَلَى حَافَةِ ال ...
- مقامة اقتلوني ومالكاً : عندما يغدو اقتلاع النظام ثورةً للوجو ...
- الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة ...
- مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .
- مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .
- مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.


المزيد.....




- كيف حوّلت فنانة سورية عمارة دمشق القديمة إلى أزياء رقمية؟
- خبيرة روسية تسلط الضوء على جهود صون التراث الثقافي غير الماد ...
- استمرار ترميم أكثر من 500 موقع تراثي في موسكو ضمن أكبر برنام ...
- تايلور سويفت تتربع على عرش جوائز -إم تي في- برقم قياسي جديد ...
- -صفوف الغيتو-.. دورات اللغة تتحول إلى فخ لرسوب أبناء المهاجر ...
- -سويوزمولتفيلم- الروسية تواصل تسويق رسومها المتحركة عالميا و ...
- نجمة هوليوود مونيت مازور تواجه 3 لصوص ملثمين في منزلها الفاخ ...
- تربية نينوى تصقل مواهب المعلمين الأدبية بورشة تخصصية في الشع ...
- الفن يمنح أطفال غزة وشبابها مساحة لاستعادة ذواتهم وسط دمار ا ...
- بعد 4 سنوات من طعنه.. الكاتب سلمان رشدي يكشف في فيلم وثائقي ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة ساكن الغيوم .