أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة المعاناة .














المزيد.....

مقامة المعاناة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 12:46
المحور: الادب والفن
    


مقامة المعاناة :

الصديق محمد السعدي (( أبا بيدر )) , مناضل صادق وصريح , يتوج مسيرة نضالية وفكرية حافلة بالثبات والصدق , نعلم جميعاً مرارة التجربة وقسوة الترحال بين الأوطان والأزمنة , والثمن الباهظ الذي يدفعه المناضل الحقيقي من روحه وذاكرته ليظل أميناً للمبادئ , اختلاف الرؤى الحزبية لا يزيدنا إلا احتراماً لمسيرته النزيهة , فالمعاناة الصادقة التي تجسدت في كتاباته تعكس الحقيقة الصلبة التي تنفع الناس وتبقى , بينما يذهب الزبد والتصفيق الزائف جفاءً , وستظل حكايته وذاكرته الحية إلهاماً لكل من يحمل وطنه في قلبه أينما حلّ.

عانى حين أكتشف ان قيادييه يقيمون علائق نفعية أنتهازية مع القتلة, ولا يأبهون بتصفية رفاقهم , من أجل الحصول على لحسة عسل من موائد السلطة, وعانى حين شاهد أعدام رفيقه بواسطة من حسبهم رفاقه بسبب شبهة غير مؤكدة , ثم تبين انه كان بريئا, وحين فشل بأثارة الموضوع مع المعنيين , وأكتشف لاأباليتهم , ثم وجد من ينصحه بالصمت , وكانت صدمته حين تعب المحققون بالحصول على أعتراف أو معلومة منه رغم أستخدام كافة الوسائل البشعة السائدة في دول العالم المتخلف, وصموده الرائع وتحمله كي يحمي أناس آووه وساعدوه , لدرجة جعلت الجلاد ييأس ويتخلى عن مواصلة التحقيق معه , ليتركه يختلي بنفسه ليرمم جروحه وآلامه , ثم ليفاجئه ذلك القيادي الرمز حين يفتح باب الزنزانة عليه مؤكدا للمحققين أنه ذلك الشخص الذي نجح بأنكاره , وعانى عندما أحتمي بحليف , ثم عرف انه باعه بقصد تصفيته ورفاقه, ونجى من القتل بأعجوبة, ليتسرب لاجئا في دروب الدول , كانت معاناته جزء من سفرنضاله الطويل .

في كل كتاباته , ومقابلاته , ورغم كل مامر به من عذابات , لم أره يشتم او يسب , وكان دائما مؤدبا في طروحاته حتى عندما يتكلم عن أشرس أعدائه ومعذبيه , وكان غالبا مايحاول تجسير العلاقة معهم في سبيل هدف سامي عاش من اجل تحقيقه وهو بناء الوطن وتنميته ليحتل مكانه في ركب الأمم , في حين رأينا ملونين لم يذوقوا جزء من عذاباته لايعرفون أدب الكلام والحوار , تراهم يسبون ويشتمون وهم الذين لاتعرف ماهي أهدافهم ولا حقيقة مواقفهم , وتلك هي احد امراض المجتمع العراقي المرتبك .

وهنا تنكشف الخديعة , فبينما يمارس أبا بيدر نضاله بصمت الأنقياء , ويتسامى عن الجراح ليصون جلال القضية , يتبوأ المشهد أصحاب الأصوات العالية والوجوه المتلونة , ممن لم يكتووا بنار زنزانة ولم يذوقوا مرارة التشريد , هؤلاء الذين جعلوا من الشتم والتخوين وسيلة ومن بذاءة اللسان منهِجاً , لا يعبرون إلا عن أفلاسهم الفكري وخوائهم الأخلاقي , إن الفارق بين صمود الصادق وصراخ المتسلق , هو الفارق ذاته بين من يحمل الوطن كوعد وبناء , ومن يستغله كشعار ومزاد .

إن أدب الحوار والتسامي الذي يلتزمه أبا بيدر ليس ضعفاً ولا استكانة , بل هو سلوك الواثقين بصدق مسيرتهم , هو مدرك تماماً أن معركة بناء الوطن لن تُربح بالأحقاد المتبادلة ولا بالشتائم التي تُغذي أمراض مجتمعنا المنهك , بل بالتصارح الشجاع مع الذات وتوثيق الحقائق بلا تزييف , لقد أدرك بعد كل هذا السفر الطويل أن الجلاد لا يُهزم بجلاد آخر , وأن الوطن لا يُبنى بإعادة إنتاج الكراهية , بل بترسيخ الوعي ونقاء السريرة .

هكذا تقف شهادة محمد السعدي لتفضح العفن المتراكم في الممارسات النفعية , وتضع حداً فاصلاً بين الذهب الخالص والزبد الذي يذهب جفاءً , ستظل معاناته , المقرونة ببدانة أخلاقه ورقي خطابه , وثيقة تاريخية ودرساً بليغاً للأجيال , أن المناضل الشريف قد يخسر جولة أمام الانتهازية , لكنه يربح ذاته وشرف التاريخ , ويبقى إلهاماً حياً لكل من يرسم غداً يليق بالعراق وأهله .

وهنا تجلت الحقيقة عاريةً بلا رتوش , ففي الوقت الذي ظل فيه أبا بيدر قابضاً على جمر المبادئ , يتسامى فوق الطعنات ويبني أسرار صموده بأدب العظماء , كان أدعياء النضال ممن لم يذوقوا قسوة الزنازين ولا مرارة التشريد يتصدرون المشهد بالضجيج , ويمارسون إسقاطات عجزهم الفكري بالإساءة والتخوين والسباب , إن هذا التباين الشديد يكشف عمق الأزمة التي تعاني منها ساحتنا , أزمة التمييز بين من يحرق روحه ليضيء درب الوطن , وبين من يحرق قيم المجتمع ليضيء ذاته المتورمة , لقد أثبتت مسيرته أن شرف الخصومة ورقي الحوار ليسا عجزاً , بل هما سلاح النبلاء لمنع السقوط في مستنقع الأحقاد , لتظل شهادة محمد السعدي شواخصَ حية تفضح زيف المتلونين , وتؤكد أن زبد الشتائم والمزايدات سيمضي جفاءً , بينما يبقى النضال الصادق والموقف النبيل وحدهما ما ينفع الناس ويمكث في أرض الذاكرة .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...
- مقامة ساكن الغيوم .
- مقامة التأويل .
- مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموا ...
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .
- مقامة الأبريق و العصفور.
- مقامة أمرأة مقتضبة .
- مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ ...
- مقامة المعتدة .
- مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أمان ...
- مقامة الكحل المغشوش .
- مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية ت ...
- مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق ال ...
- مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .
- مقامة الظل الظليل وتِرْيَاقُ الخَافِقَيْن : عَلَى حَافَةِ ال ...
- مقامة اقتلوني ومالكاً : عندما يغدو اقتلاع النظام ثورةً للوجو ...
- الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة ...
- مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .


المزيد.....




- -مليون كتاب للبنان-.. مبادرة تعيد الحياة إلى المكتبات التي د ...
- انتخابات الكنيست: صراع التمثيل العربي في مواجهة قرارات الشطب ...
- سيئول تدخل الإرشاد الصوتي الكوري إلى -الهرم الثقافي-: المتحف ...
- بيت المدى والجمعية العراقية العلمية للفنون يفتحان ملف غياب ا ...
- معرض عمّان الدولي للكتاب.. الإعلامي سلام مسافر يوقع كتابه -ا ...
- كلية التربية بعدن تختتم دورة في مسرح الدمى.. حين تتحول الدمى ...
- أزمة مهرجان الموسيقى العربية.. اعتذارات متتالية لأحمد سعد ور ...
- فرقة الموسيقى العربية بالقاهرة تحيي حفلاً غنائياً بعنوان «في ...
- كيف أصبحت دولة مسلمة من أبرز مصدري الكهنة الكاثوليك؟
- بـ3.75 ملايين حجر.. جدارية فسيفسائية بالسلط الأردنية تسعى لد ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة المعاناة .