أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين صالح .














المزيد.....

مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين صالح .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 10:20
المحور: الادب والفن
    


كتب د. قاسم حسين صالح : ((غاض العراقيون الحجاج في اكثر من موقف فخاطبهم بعبارته الشهيرة - يا أهل الشقاق ويا أهل النفاق ومساويء الأخلاق - ويعترف الحجاج بان العراقيين أتعبوه واصلعوا رأسه (( يا أهل العراق , أتيتكم وأنا ذو لمّة وافرة أرفل فيها فما زال بي شقاقكم وعصيانكم حتى حص شعري )) , ثم يستنتج : (( أن النفاق السياسي هو المقصود من وصف العراقيين به , بمعنى أن العراقيين يؤيدون في الظاهر من يستلم السلطة ويخفون عدم رضاهم عنه , ويمدحون الحاكم في وجوده ويذمونه في غيابه , ويظهرون للمسؤولين مشاعر الود والاحترام ساعة يلتقون بهم ويسلقونهم بألسنة غلاظ حين يغادرونهم , ما يجعلنا نصل الى ما يشبه النظرية : ان النفاق تشفر في جينات العراقيين , بمعنى اننا ورثناه وسنورّثه بعد ان تشّفر اكثر في زماننا الديمقراطي )) .

إن مقولة (( النفاق الجيني )) أو الوصم الجمعي لشعب بأكمله هي مقولة تسقط أمام التحليل النفسي والاجتماعي والتاريخي والموضوعي , ويمكن تفنيد ورفض هذا الادعاء حيث ان علم الجينات لا يورّث السلوك السياسي , فمن الناحية العلمية البيولوجية , السلوكيات السياسية والاجتماعية كالنفاق ليست طفرات جينية تُورث عبر الحمض النووي , بل هي سلوكيات تكيّفية يفرضها واقع القمع والاستبداد , كما ان سلوك التكيف تحت البطش او ما يُسمّى (( نفاقاً )) في زمن الحجاج أو المستبدين هو في الحقيقة (( آلية دفاعية للحيود والتكيف )) ,عندما يُقتل الإنسان أو تُقطع رأسه لمجرد كلمة , فتصبح مجاملة الحاكم أو إخفاء المشاعر وسيلة للبقاء على قيد الحياة , وهي غريزة إنسانية عامة وليست طبعاً عراقياً خالصاً , ثم لو نراجع تاريخ من التمرد والانتقاد حتى في تذكر خطبة الحجاج نفسها أن العراقيين (( شقوا عصاه وأصلعوا رأسه )) , ولو كانوا ينافقون بصفة مطلقة لما استعصوا عليه وأتعبوه , فالشقاق والثورة المباشرة والرفض العلني كان موجهاً للظلم والسلطة الغاشمة.

ان التقلّب مع الغالب ومداهنة السلطة موجودة لدى كافة الشعوب عندما تتغير موازين القوى أو يخاف الناس من البطش , وفي التاريخ العالمي هناك مثل الصحافة الفرنسية مع نابليون بونابرت 1815م , فحين سقط , وصفته الصحف التي كانت تسبح بحمده , بأقذرالكلمات والنعوت والأوصاف , فلما استطاع نابليون الفرار من المنفى , قالت عنه الصحف ان الوحش هرب من معتقله , وحين نزل الى ساحل فرنسا قالت هذه الصحف ان الكلب يريد العودة ليدنس ارضنا من جديد , وان قوات الجيش في طريقها للقبض عليه , فلما انضمت قوات الحكومة اليه وثبت لهم انه في طريقه الى العاصمة باريس , قالت نفس هذه الصحف , ان جلالة الامبراطور في الطريق , ولما دخل باريس , قالت ان الدنيا اشرقت بعودة الامبراطور الى عرشه العظيم , وهكذا وصفت فرنسا بأنها النموذج الأشهر عالمياً للتقلب السياسي .

كلنا قرأنا عن الانقلابات الرومانية وتغيير الولاء في لحظات , ففي روما القديمة , كان الشعب والمجلس يرفع الأكاليل للإمبراطور , وما إن يُقتل أو يُهزم حتى تُحطم تماثيله ويوصف بأقذر الأوصاف فيما يُعرف تاريخياً بـ (( لعن الذكرى )) , حدث هذا مع نيرون وكاليغولا وكومودوس , حيث كان الناس يهللون لهم في الصباح ويلعنونهم في المساء , وعند سقوط الشموليات في أوروبا الشرقية 1989م , وسقوط الاتحاد السوفيتي تحول الملايين الذين كانوا يشاركون في المسيرات المؤيدة ويصفقون للزعيم إلى الهتاف ضده وإسقاط تماثيله في ظرف 24 ساعة بمجرد زوال الخوف الأمني , وكذلك مايعرف بسلوك المداهنة في التاريخ البريطاني والأنغلو- ساكسوني , عندما ظهر مصطلح (( قسيس بري )) ليصف الموظف أو السائل الذي يغير مذهبه وولاءه السياسي مع كل ملك جديد - من كاثوليكي إلى بروتستانتي ثم عكس ذلك - لكي يحتفظ بمركزه , ودخلت أدبياتهم كرمز عالمي للانتهازية المصلحية.

إن ما يُوصف بـ (( نفاق العراقيين )) ليس جينات وراثية ولا خصلة أخلاقية حصرية , بل هو ظاهرة إنسانية نفسية تظهر لدى أي شعب يُحكم بالحديد والنار والترهيب , فالإنسان بطبعه يمارس (( التقية السياسية )) أو التكيف مع ظروف القمع لحماية حياته وعائلته , وما إن يزول الخوف حتى يظهر موقفه الحقيقي , والدليل أن الصحافة والمجتمعات الغربية الأكثر ديمقراطية اليوم مارست نفس النفاق والتقلب عندما واجهت سطوة الملوك والإمبراطوريات .

وفي عتابٌ من محبٍّ إلى الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح , وددت القول : كم كان المؤمل من قامةٍ علميةٍ وقلمٍ ونفسانيٍّ قدير بحجمكم - وأنت العليم بتعقيدات السلوك البشري أن تتناول ظاهرة التكيف السياسي في العراق بعين الأكاديمي الممحّص الذي يفكك مسببات الخوف والقمع ودوافع البقاء , لا بعين مَن يُصدر حكماً مطلقاً يُسقط فيه خصلة النفاق على جينات شعبٍ بأكمله , إن العتب عليك كبير يا دكتور , لأنك أعلم الناس بأن الجينات لا تورث السلوكيات السياسية , وأن السلوك الإنساني هو وليد بيئته وضغوطها , فما سُمي بالنفاق تحت وطأة سيف الحجاج أو بطش الاستبداد عبر التاريخ , لم يكن إلا آلية دفاعية غريزية للنجاة مارستها كافة شعوب الأرض - من الصحافة الفرنسية أيام نابليون إلى الرومان وأوروبا الشرقية - حين وُضعت بين خياري الخضوع الظاهري أو المقصلة , إن وصم شعبٍ عظيم بأكمله بتشفير النفاق في جيناته هو اختزالٌ قسريٌّ لتاريخٍ عريض من التمرد والرفض وتقديم التضحيات , وإسقاطٌ لكونية النفس البشرية التي تلتجئ للمداهنة حين تغيب الحرية ويسود الترهيب , كنا ننتظر من عالم النفس أن يشرح للمجتمع كيف يحرر روحه من آثار القمع , بدلاً من أن يمنح القمع شرعنةً جينيةً تُحبط الأجيال وتلصق بها ما ليس فيها.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الهسهسة .
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...
- مقامة ساكن الغيوم .
- مقامة التأويل .
- مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموا ...
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .
- مقامة الأبريق و العصفور.
- مقامة أمرأة مقتضبة .
- مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ ...
- مقامة المعتدة .
- مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أمان ...
- مقامة الكحل المغشوش .
- مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية ت ...
- مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق ال ...


المزيد.....




- جدل حول زيارة رئيس المخابرات المصرية السابق لإسرائيل قبل 7 أ ...
- الموسيقى متنفس أطفال غزة
- بعد مشاركته في احتجاج.. الهند تطلب من الممثل عمران خان مغادر ...
- -شوغر دادي- و-أنا مش عارفني- تفتتحان عروض موسم الرياض المسرح ...
- أربعة أفلام في شهر واحد.. البيتلز تراهن على عودة الجمهور للس ...
- «العزم» يعلن مرشحيه لوزارتي التخطيط والثقافة
- زيندايا تنضم لفيلم خيال علمي جديد من إخراج أليكس غارلاند
- ما علاقة موضة الكشكش بالشر؟ ممثلة بريطانية تحوّل أزياءها إلى ...
- المسرحي الغزي علي أبو ياسين ينال لقب -كاتب الشجاعة- لعام 202 ...
- فيلم -اغتراب- يتوج بالجائزة الكبرى لمهرجان تطوان وتنويه خاص ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين صالح .