أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الهسهسة .














المزيد.....

مقامة الهسهسة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 10:01
المحور: الادب والفن
    


مقامة الهسهسة :

يقول مجيد السامرائي (( يهسهس الضوء في مسامات روحي )) , وهي عبارة شاعرية جميلة جداً , وتفيض بالرقة والعذوبة , وصورة بلاغية مبتكرة , تجمع بين الصوت والحركة والوجدان , والـهَسْهَسَة في اللغة هي الصوت الخفي , مثل صوت حركة الثياب أو صوت الريح الخفيفة بين أوراق الشجر , استخدامها هنا مع (( الضوء )) يعطي الضوء صفة حسية حركية , وكأنه كائن لطيف يتحرك بهدوء شديد , اما (( مسامات روحي )): فالروح لا مسامات مادية لها , لكن التعبير يرمز إلى التخلل العميق , وتعني أن هذا الضوء - الذي قد يرمز للأمل , أو الحب , أو الطمأنينة , أو الإلهام - لم يلامس السطح فقط , بل تغلغل في أعمق تفاصيل النفس والوجدان.

هذه الكلمات تشبه بداية قصيدة أو خاطرة , تعبر عن لحظة تجلٍّ أو سلام داخلي , وحين يحين الحين وقت الهسهسة المضيئة , فأن كل ما أعرفه كما تقول ريم النقري (( أن للضوء أصابع ناعمة تدسها الشمس في جيوب الظلال حين تنسحب من حفلة النهار , وما أعرفه أيضا أن الماء يتذكر شكل الكأس الذي احتواه ويبكي حين يسكب في النهر ويقول للسمكة خذيني إلى بيتي الاول , وأن الأيام تتنفس من ثقب في جيب (( الله )) فيتسرب العمر على شكل غبار على أكتاف المارة , وايضا أن الأبواب تحلم أن تكون نوافذ لترى أكثر وتغلق أقل , وأنني كلما كتبت - كل ما اعرفه - نسيت شيئا وأصبحت أخف قليلا حتى صرت بحجم همسة بحجم ما تبقى من وطن يصلي على ركبتين من دخان )) .

لابد ان أبي نواس كان مهسهسا حين قال : (( لقد فتنتني لثغة موصلية *** رمتني في تيار بحـر هـوى اللثغِ , تقول وقد قبلت واضح ثغرهـا*** وكان الذي أهوى ونلت الذي أبغي , تغفق , فشغب الخمغ من كغم غيقتي**يزيدك عند الشغب سكغاً على سكغِ )) , ومعنى البيت الأخير (( ترفق فشرب الخمر من كرم ريقتي ** يزيدك عند الشرب سكراً على سكرِ )) , ولكن الهسهسة مع اللثغة فعلت فيه الأفاعيل .

وذات كأس , قرأت هسهسة لمَقاماتٌ بين الظِّلِّ والضَّوءِ , لسعد محمد مهدي غلام , ناح فيها على وزن مقام النهاوند : (( ظلٌّ يسبقني إلى الرصيف )) , رصيفٌ , وأنتَ مع الظلِّ واقفْ , وظلُّكَ يسبقُ خطوكَ , ثمّ يعودْ , كأنَّ الطريقَ اعترافٌ شفيفْ , يُرتَّلُ , ثمّ يخفتْ فلا , لستَ وحدكَ , نصفُ خطاكَ هنا ونصفٌ تذروهُ ريحٌ خفيفةْ , كأنَّكَ لم تكتملْ بأطرافِ صمتٍ كثيفْ , تُنصتُ لعبورٍ خفيّْ , كأنَّ العبورَ صلاةٌ قصيرةْ ولا صوتَ فيكَ يُقيمْ , وتنظرُ نحو النوافذِ , صفوًا فتنشقُّ صورتُكَ الآنَ فيها على مهلٍ , ثم تميلْ , كأنَّ الزجاجَ تعبْ من انكسار الملامحِ فيكْ , فكم أنتَ حرٌّ, بلا شاهدٍ , كأنَّ الحريةَ الآنَ , أن لا يراكَ أحدْ ولا أحدٌ يتفحّصُ صدعَ العيونِ , ولا أحدٌ يستدلُّ عليكَ إذا ما انصرفتْ .

والهسهسة في مداها الأقصى , ليست سوى استجداء لطيفٍ لسكينةٍ لا تُشترى , ومناجاةٍ صامتةٍ بين المرء وظله حين تهدأ جلبة العالم , إنها تلك النغمة الخفية التي تتسلل إلى السطور دون استئذان , فيستحيل بها الحبر إلى همسٍ رفيع , والورق إلى مرآةٍ صافية تجلو ما تراكم على أحداق السنين من عجاج , هي استراحة المحارب الأديب , يضعُ سلاحه الفكري جانباً , ويتفرغ للإنصات إلى نبض الكلمة وهي تشق طريقها نحو الضوء , تنفض عن الكينونة ما علق بها من انكسارات , وتكتب التاريخ الشخصي بالندى لا بالحديد.

أتهيأ لأصدار كتابي السادس وربما السابع ايضا , وأنا الان اقترب من ربى الثمانين , كلما انجز كتابا أعده حفل زفاف جديد , أميل الى السكينة ولا أرى ان كل معركة يجب ان تخاض , يهسهس الضوء في مسامات روحي , ويتجلى لغزا بقلب طموحي , وأنا أرى في كتبي - عبر إطلالة سردية معلنة غير سرية - مأثرة كتلك التي وقعت لي بعد أجتثثاثي وبقيت شامخا بوجه الليالي , وهكذا , حين يستوي العمر على عرش نضجه , تغدو الكلماتُ صلاةً في محراب الشموخ , وينقلب كل سفرٍ أُنجِزَ إلى أفقٍ يشرقُ بالتحدي والجمال , لم تكن السنون المتتابعة إلا صقلاً للروح وزيادةً في صفاء الرؤية , وما كانت تلك المقامات سوى شهادةٍ حية على قلمٍ لم ينكسر وشعلةٍ لم تتطفأ , إنها هسهسة العزيمة التي تحول الظلال إلى ضياء , وتعلن بأعلى صوت الشغف أن المبدع لا يشيخ , وأن كل كتابٍ يصدر إنما هو إعلان حبٍّ جديد للحياة , ووثيقة شرفٍ تُكتبُ بحبر الصمود.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...
- مقامة ساكن الغيوم .
- مقامة التأويل .
- مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموا ...
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .
- مقامة الأبريق و العصفور.
- مقامة أمرأة مقتضبة .
- مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ ...
- مقامة المعتدة .
- مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أمان ...
- مقامة الكحل المغشوش .
- مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية ت ...
- مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق ال ...
- مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .


المزيد.....




- توم كروز في مأزق!.. هل يتحول فيلمه الجديد إلى أحد أكبر إخفاق ...
- حفل وكتاب يُخلد إرث المخرج المسرحي الراحل عوني كرومي
- انطلاق ملتقى -زمن الأبطال - للأفلام الوثائقية في عمّان
- غارفيلد يتخلى عن تشات جي بي تي بعد تجسيد ألتمان في فيلم أرتي ...
- عمان.. ملتقى زمن الأبطال للفيلم الوثائقي
- معاوية عبد المجيد يروي كيف فضح أديب إيطالي-سوري فظائع الاستع ...
- مركز الفنون والثقافة يدشن فعاليات مسابقة سميرة عبده في فن «ا ...
- -مسألة حياة أو موت- يمثل السعودية في سباق الأوسكار لأفضل فيل ...
- أيام قرطاج الموسيقية… الموسيقى تغادر القاعات إلى الشوارع وال ...
- ثقافة تنطلق من الخيام.. الكتب الناجية من الركام في غزة تتحول ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الهسهسة .