أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مَقَامَةُ الروُحِ وَأَخْلَاقُ المَسَافَة : صديقي الذي لا يُختزل .














المزيد.....

مَقَامَةُ الروُحِ وَأَخْلَاقُ المَسَافَة : صديقي الذي لا يُختزل .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 18:40
المحور: الادب والفن
    


مَقَامَةُ الروُحِ وَأَخْلَاقُ المَسَافَة : صديقي الذي لا يُختزل .

يقول الشاعر عدنان البركي بصوت الوفاء الذي لا يعرف المهادنة : (( تسطي وتطك وتعيل وامشي اعلى ممشاك آنه الصديج الدوم حك باطل وياك )) , وهو بيتٌ شامخ من التراث الشعبي العراقي - فن الدارمي - يختزل أقصى معاني الصداقة والجلادة , ففي دلالاته العميقة , تعني عبارة (( تسطي وتطك وتعيل )) أن تتجاوز وتعتدي وتفتعل الخصومات , بينما يأتي قوله (( امشي اعلى ممشاك )) إعلاناً بالتسليم التام ومرافقة الدرب حتى النهاية دون اعتراض , أما الذروة فتتجلى في قوله (( آنه الصديج الدوم حك باطل وياك )) , وهو تعبير جريء عن الوفاء المطلق والثبات في الصحبة , حيث يتحول الصديق إلى درعٍ واقٍ لصاحبه , ناصراً له ظالماً أو مظلوماً , في لوحة ناطقة بالحمية والوقفة الشديدة لصديق العمر.

في رؤية فلسفية ثاقبة , يقول جان بول سارتر عن معنى الصداقات : (( الصداقة هي أن تجد في الآخر حريتك , لا تهديدها , والصديق الحقيقي هو من يرى فيك ما تخفيه عن نفسك , دون أن يحكم عليك , أن تكون صديقًا يعني أن تمنح الآخر حقَّ الوجود كما هو , لا كما تريد أن يكون , والصداقة الحقيقية نادرة لأنها تحتاج إلى شجاعة النظر إلى الآخر كعالمٍ مستقلّ لا كمرآة , وليس الصديق من يوافقك , بل من يذكّرك بأنك حرّ حتى في اختلافك )) , وقد كتب أحدهم مفصحاً عن سر بقاء هذا المفهوم الخالد عبر العصور , (( ما تزالُ الصَّداقةُ على تَخَفِّيها النَّبيلِ تَتَحَلَّزَنُ حينًا , وآناً تَتَثَعْبَنُ صبرًا , لا غِدرًا ولا خُبثًا , بل مراوغةً للبقاءِ في زمنٍ يلتهمُ الطُّهرَ كما التهمتِ الحيَّةُ نبتَةَ الخلود , وتركَتْ قِشرَها بين رِمالِ القلوبِ الملتَهبة , وترتدي الصَّداقةُ لكلِّ عصرٍ لُبوسَ الوفاءِ بتلاوينَ مختلفةٍ , مرَّةً أبيضَ كالصَّباحِ الأوَّل , ومرَّةً رماديًّا كغبارِ الخيبات , لكنَّها لا تسوَدُّ , ولا تَدوسُ على الجُثَث , ولا تُقيمُ على أنقاضِ الأرواح , بل تمشي فوق الجراحِ حافيةً , وتحملُ القلوبَ على أكتافِها كي لا تسقُط , وهذي الكتابةُ السَّرديَّةُ في جوهرِها الأبقى تُؤرِّخُ للصَّداقةِ التي لا تفنى , ولا تُباد , ولا تُباعُ في أسواقِ المصالح , صداقةٍ تبيعُ الخلاصَ لا الخسَّة , وتُقيمُ في النُّبلِ لا في النَّذالة , وتتكاثرُ كالضَّوء , وتزحفُ في الأرواحِ كاليقين , ولو كانتِ الرِّياحُ حُسومًا دَبورًا )) .

إنه الصديق وأشياء أخرى , كأنه قطعة من الروح , هكذا يأتي على حين غرة , يغمرك بفرط إنسانيته , كما لو أنّه لا يطرق الأبواب بل يدخل من فجوة في القلب , من شقٍّ مهملٍ في الذاكرة , من نافذةٍ تُركت سهواً مواربة للضوء , ليس حضوره حضور الأشخاص , بل حضور الحالات , ليس وجهًا يُرى , بل معنى يُستعاد , يجيء محمّلاً بطمأنينةٍ تشبه ما قبل العاصفة , وبحزنٍ خفيفٍ يشبه ما بعدها , وبابتسامةٍ لا تقول إنها ابتسامة بقدر ما تقول: (( ما زال في هذا العالم ما يستحق أن يُحَب )) .

إنه ليس صديقاً بالمعنى التداولي للكلمة , ولا رفيقَ يومياتٍ أو شريكَ قهوةٍ عابرة , هو أقرب إلى شاهدٍ صامتٍ , وإلى مؤرّخٍ شفويٍّ لِما لم يُدوَّن , وإلى ناسكٍ مدنيٍّ يعيش في قلب الفوضى دون أن يتلطّخ بها , في حضرته تخفّف الأشياء من ضجيجها , الكلمات تنزل من علوّها البلاغي , والمواقف تتخلّى عن ادّعائها البطولة , والذكريات تخرج من أقبية الخجل إلى فسحة الاعتراف , كأنّه يُعيد ترتيب العالم لا باليد , بل بالنبرة , لا بالفعل , بل بطريقة الإصغاء , تعرفه فلا تعرفه , تراه فلا تملك أن تحدّه بملامح , مزيجٌ من التواضع والعناد , من الهشاشة والقوة , من الرغبة في العزلة والقدرة على إقامة جسورٍ مع الآخرين , يقترب منك دون اقتحام , ويبتعد عنك دون جفاء , كأنّه يمارس أخلاق المسافة , تلك التي تضع بين القلوب مقداراً كافياً من الهواء كي لا تختنق , وإذا تكلّم , لا يعلّمك كيف ترى , بل يذكّرك بما كنتَ قد رأيتَه ونسيته.

صديقٌ لأنّه لا يطلب صداقتك , ولا يساومك عليها , يتركها تنمو كما تنمو الأعشاب في شقوق الإسفلت , بلا رعايةٍ معلنة وبلا ضجيج , يعرف متى يصمت , ويعرف متى يقول جملةً واحدةً تكفي لتعديل مسار الحوار , لا يثق كثيراً بالشعارات , ويثق كثيراً بالتفاصيل الصغيرة , بفنجانٍ لم يُغسل , بصورةٍ بهت لونها , بكتابٍ فقد غلافه وبقي محتفظاً بروحه , في هذه الأشياء يرى التاريخ الحقيقي , لا في السجلات ولا في الاحتفالات , هو من أولئك الذين يحملون حزنهم كوسامٍ لا كجرحٍ مفتوح , حزنٌ غير استعراضي , لا يطلب الشفقة ولا يستعرض المأساة , بل يضعها في جيبه الداخلي ويواصل السير , لذلك يبدو هادئاً أكثر مما ينبغي , صامتاً أكثر مما يقتضي المقام , لكن خلف هذا الهدوء طاحونةٌ من الأسئلة , وخلف هذا الصمت أرشيفٌ من الخيبات المؤجّلة.

وفي زمنٍ يتقن فنّ الضجيج , يعلّمك فنّ الإنصات , وفي زمنٍ يتاجر بالهويات , يذكّرك بأن الإنسان أقدم من الشعارات , في زمنٍ يُختصر فيه كلّ شيءٍ بمنشور , يعيدك إلى الجملة التي تحتاج وقتاً كي تُفهَم , وإلى الفكرة التي لا تُلتقط من المرّة الأولى , لذلك يبدو أحياناً خارج العصر , لا لأنّه متأخّر , بل لأنّه يرفض أن يُختزل , انه مرآةٌ لا تعكس صورتك بل تعبك , ونافذةٌ لا تطلّ على الخارج بل على ما في الداخل , وقطعةٌ من الروح تمشي على قدمين , تذكّرك بأن البقاء ليس بطولة , بل حرفةٌ يومية , وأن النجاة ليست حدثاً , بل أسلوب حياة , وأن الصداقة ليست علاقة , بل طريقةٌ في رؤية العالم أقلّ قسوةً وأكثر قابليةً للفهم.

وهكذا , حين يغيب , لا تشعر بغيابه كشخص , بل كطبقةٍ من المعنى تُرفع عن المشهد , وحين يعود , لا يعود بجسدٍ فقط , بل يعود بقدرةٍ إضافية على الاحتمال , كأنّه لا يأتي ليملأ فراغاً , بل ليعلّمك كيف تعيش معه , وفي هذا وحده , ما يكفي ليكون الصديق , وأشياء أخرى , كأنه قطعة من الروح.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الأصطلام في دبلوماسية السهروردي.
- مقامة جذور الحزن العراقي : قلق التاريخ وطقوس الوجع الباقي .
- مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .
- مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس ...
- مقامة باهيزة .
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...
- مقامة الهسهسة .
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...
- مقامة ساكن الغيوم .
- مقامة التأويل .
- مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموا ...
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .
- مقامة الأبريق و العصفور.
- مقامة أمرأة مقتضبة .


المزيد.....




- ماروني في صنعاء: اليمن والإمامة والزيدية بعين أمين الريحاني ...
- نتفليكس تفصل نائب رئيس الأفلام دوغ بيلغراد ضمن موجة تسريح كب ...
- شاهد سماء إندونيسيا تتحول إلى اللون الأحمر البرتقالي في لقطا ...
- فيلم لقناة RT Arabic يتوج بجائزة أفضل وثائقي في مهرجان لبنان ...
- ليبيا: -أيام طرابلس المسرحية-.. عودة إلى الخشبة بعد سنوات طو ...
- أحمد اليازوري لـ-الجزيرة نت-: صناعة النشر تحتضر.. وحراس الثق ...
- ماذا تفعل بجواز سفر شخص فقدته؟ هذا ما قامت به فنانة هندية
- مئة عام على -فيني بوخ-.. الدب البريطاني الذي أصبح أيقونة للأ ...
- كأنه جاهز للأكل.. فنانة كورية تصنع خبزاً وهمياً يثير الشهية ...
- بعد 4 عقود.. الأردن يستعيد من أستراليا قطعة من -أقدم منحوتة ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مَقَامَةُ الروُحِ وَأَخْلَاقُ المَسَافَة : صديقي الذي لا يُختزل .