أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة باهيزة .















المزيد.....

مقامة باهيزة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 20:33
المحور: الادب والفن
    


مقامة باهيزة :

عَرفتْ منطقتنا ذات يوم صبيةً فائقة الحسن , وضيئة المحيّا , تُدعى (( باهيزة )) , فصار هذا الاسم على ألسنتنا في ريعان الشباب رمزاً لجمالٍ آسرٍ وأمنيةٍ بعيدة المرام , فمن أين تسرّب هذا الاسم الوشيك إلى الذاكرة , وارتسم على شفاه الأجيال؟ ولما طوّفنا في مظانّ البحث والتاريخ , تبيّن أن الاسم لم يكن مجرد صدفة عابرة , بل وسام فخرٍ يتوج به الأهالي مواليدهم , فهو ثمرة أهزوجة وطنية خالدة تأصلت في جذور التاريخ العراقي عام 1916م , إبان لهيب الاحتلال البريطاني , ففي منطقة (( باهيزة )) الواقعة بين الناصرية والشطرة من أرض ذي قار المعطاء , دارت رحى ملحمة بطولية خاض غمارها فرسان عشائر (( آل أزيرج )) إذ تصدّوا لوحشة الزحف البريطاني المتجه صعوداً صوب بغداد , ومنعوا جحافله من اجتياز المجرى المائي الذي حمل اسمها زمناً غير قصير.

وحين ضاقت السبل بالغازين , وأعييتهم الحيل في كسر شوكة الصمود , عمدوا إلى إرسال مفاوضٍ يصحبه ترجمانٌ لعرض الأموال والمغريات على الشيخ (( ذرب آل خضير)) رغبةً في فتح الطريق , فلم يجد الشيخ في رده سوى لغة الإباء , مردداً ببساطة وعفوية أنه يريد أولاً (( استشارة باهيزة )) , فوقع المفاوض ومترجمه في حيرة مطبقة , ظانين أن (( باهيزة )) امرأة حكيمة أو سيدة متنفذة تُؤخذ مشورتها في عظيم الأمور , وما لبث السر أن انكشف جلياً حين سار الشيخ بخطى واثقة نحو حافة النهر , فوضع كفّيه على ضفته متمسكاً بعهد الثبات , وابتدأ يصدح بالهَوْسَة الحماسية التي رجّت المكان , ليردد الرجال صداها من ورائه هادرين بالرفض المطلق للعبور: (( شَرْنَاهه وعيَتْ باهيزه )) .

يريد العراق اليوم أن يستحضر (( باهيزة )) التاريخية , رمز النخوة والثبات أمام الطغيان والعبور غصباً , ليستنهض من رحمها (( باهيزة المعاصرة )) , الرمز والضمير الهادي للعراقيين , لتكون صرخة توحد ولمّ شمل في وجه التشرذم , والفساد , والتدخلات , وكل السهام التي أحاطت بالبلاد بعد عام 2003 , فلما انجلت غبار تلك الذكرى التاريخية , واستقرت العِبرةُ في الصدور , تساءل العراقيون , إن كانت باهيزة الأمس قد أوقفت جيشاً جَرّاراً بماء ضفتيها , وجمعت آل أزيرج تحت راية الرفضِ والكبرياء , فأين (( باهيزة اليوم ؟)) , أين تلك القوة العميقة التي تجعل العراق يستشير ضميره فيأبى؟ فلقد طوقت أرض السواد بعد عام ألفين وثلاثة (2003) شباكُ الشرورِ صُنوفاً وألواناً , بين فتنةٍ داخليّةٍ تبتغِي التفرقة , وأطماعٍ خارجيّةٍ تستبيحُ الحِمى , وفسادٍ ينهك الأجساد والأرواح , وغدا الناسُ بين حيرةٍ وشتات , يفتشون في ظلمات الأحداث عن مرساة ثبات , وأملٍ يلم الشمل ويصد الطوفان.

ومن هنا تنطلق رحلتنا للبحث عن (( باهيزة الجديدة )) , إنها ليست نَهراً جافاً ولا مجرد اسمٍ في حكاية , بل هي (( روح التلاحم الوطني )) التي تسري في جسد الأمة من شمالها إلى جنوبها , وهي الصوت المتزن الذي يرفض السير خلف الشعار المزيف , ويتجاوز خنادق الطائفية والمحاصصة , إنها النخوة العراقية التي متى ما (( استُشيرت )) في ويلات العراق اليوم , هتفت بعلو صوتها: (( شَرْناهَه وعَيَتْ... )) , عَيَت أن ترضى بالهوان , وعَيَت أن تسلّم العراق للشرور والعبور الإثيم , وفي رحلة التفتيش بين الضفاف والمدائن ,وقد أخذتْ النشوةُ العراقيين بحديث الأمسِ والهمّة , والتساؤل إن كانت (( باهيزةُ)) الأمسِ قد أوقفتْ بجريانِ مائها جحافلَ الغزاة , ورسّختْ بوقفتِها قيمَ الإباءِ والثبات , فواللهِ ما أحوجَنا اليومَ إلى باهيزةٍ جديدة , تُوقِفُ طوفانَ التشرذم , وتَرُدّ عاديةَ التفرقة , وتكونُ مَفْزَعاً لجمعِ الشملِ وإعادةِ اللُّحْمَة .

لقد شَدَ الوطنيون الرحال , وتوكّلوا على الكبيرِ المتعال , يطوفُون في مظانّ المُنَى , ويستقرئون الوجوهَ والذُّرَى , وقطعوا الفيافيَ والقفار , وغَشوا الأسواقَ والديار , فأناخْوا الركابَ في (( البصرةِ )) عندَ ملتقى النهرين , ونادوا في (( ذي قار)) مهْدِ الحضارةِ والدِّين , ثم عَرَجوا على (( بغدادَ )) دارِ السلام , وساروا صوبَ (( كركوكَ )) و((الموصلِ)) وشِعابِ (( كردستان )) , وكانوا يسألون كلَّ شيخٍ جليل , وشابٍّ نبيل , ومقهىً يعجُّ بالرُّوّاد , وحَقْلٍ يرفلُ بالمزارعين والأوتاد , (( هل رأيتم باهيزة؟ هل لَمَسْتم أثَرَها في هذه الأزمان؟)) فكانت العيونُ تفيضُ بالرجاء , والألسنُ تلجلجُ بالدعاء , والكلُّ يجمعُ على أن البلادَ قد أُحيطَ بها من كلِّ جانب , وتكاثرتْ عليها النَّوائب.

وعندَ ذِكْرِ المحنة , خَيَّمَ الذهول , وتداعَتْ للذاكرةِ فصولٌ بعدَ فصول , فمُنْذُ أن دَهَمَت البلادَ نازلةُ عامِ (( ألفين وثلاثة )) , انفتحتْ على أرضِ السوادِ أبوابُ الشُّرورِ من كُلِّ فَجّ , ومَاجَت الفِتَنُ كالبحرِ إذا اضطربَ وعَجّ , وطُوِّقَ العراقُ بشِباكٍ مُحْكَمَةِ التدبير , بين شرورٍ خارجيةٍ تبتغي سَلْبَ إرادتِه , وتهديمَ أركانِ سيادتِه , وجَعْلِ أرضِه ميداناً لتصفيةِ الحسابات , وبين أدواءٍ داخليةٍ أنْهَكَتِ الجَسَد , من محاصصةٍ مقيتة , وفسادٍ يلتهمُ الأخضرَ واليابس , وطائفيةٍ سوداءَ تُذْكي نيرانَ التباغضِ والتطاحُن , وغدا الوطنُ كالسفينةِ تتجاذبُها الأمواجُ العاتية , والغزاةُ من حولِها يتربّصون , يمنّون النفسَ بعبورِ جدارِ صمودِها , بعدَ أن ظنّوا أن الحِصْنَ قد تَهَدّم , وأن الرباطَ قد تَصَدَّع.

وبينما العراقيون في حَيْرتِهم يتردّدون , وفي زحمةِ الهمومِ يتَبَدّدون , وقفَ بهم مطافُ السَّفَرِ على ضَفّةِ نَهْرٍ خالِد , وقد التَفَّ حولَهُ صَفْوَةٌ من أبناءِ الوطنِ بمختلفِ أطيافِهم وربوعِهم , ينشدون لُحْمَةَ الدار , ويدرءونَ عنها الأخطار , فصاحَ فيهم هاتفُ الحقِّ والبصيرة , ويْحَكم , أتبحثون عن (( باهيزة )) في الخيال , أم تحسبونها جَسَداً يُرى بالعيان؟ إنّ (( باهيزة الحديثة )) ليستْ مجرّدَ قطرةِ ماءٍ في جدول , ولا امتداداً لحدثٍ قد رَحَل , إنها ضميرُ العراقيّ الأصيل يومَ يستفيق , إنها الوعيُ الناهضُ في أوردةِ الشباب , والرفضُ القاطعُ للتفرقةِ والإرهاب , إنها صرخةُ التآخي التي تَتَسامى فوقَ المذاهبِ والأعراق , وتَجْمَعُ الشَّمْلَ تحتَ مظلّةِ العِراق .

وعندها تَيَقَّنوا أن السرَّ كامنٌ في الصدور , وأن السَّدَّ المنيعَ الذي يمنعُ أعداءَ الداخلِ والخارجِ من العبور, إنما هو (( تَوَحُّدُ الكَلِمَة )) و(( صَفَاءُ الإرادة )) , فجَثا الأحرارُ على أرضِ الوطنِ النديّة , ووضعوا أيديهم على تُربتِه الزكِيّة , كما وضعَ الشيخُ ذَرْب كفَّيْهِ على حافةِ النهرِ بالأمس , وهتفوا بصوتٍ واحدٍ يَرُجُّ الآفاق , ويَسْتَنْهِضُ أركانَ العراق : (( شَرْناهَه وعَيَتْ باهيزه... ما يُعْبُر الشَّرْ هالْمَرَّه , شَرْناهَه وعَيَتْ باهيزه... وبْروحْ وِحْدَتْنا حُرَّه )) , فكانت تلكَ الهَوْسَةُ حبلَ الاعتصام , وشُعاعَ الأملِ في مظلمِ الأيام , لِيَبْقَى العراقُ عصِيّاً على الكَسْر , عزيزاً إلى مُنْتَهى الدَّهْر.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...
- مقامة الهسهسة .
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...
- مقامة ساكن الغيوم .
- مقامة التأويل .
- مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموا ...
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .
- مقامة الأبريق و العصفور.
- مقامة أمرأة مقتضبة .
- مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ ...
- مقامة المعتدة .
- مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أمان ...
- مقامة الكحل المغشوش .
- مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية ت ...


المزيد.....




- نتنياهو يطالب بالتحقيق مع المشاركين في فيلم -نازا- ومحاكمتهم ...
- غيبني يكشف تردد «يونيفرسال» بشأن فيلم ماسك الوثائقي ورد المل ...
- -سيجارة- تهدد مطربا مصريا بالشطب النهائي
- مهرجان القاهرة السينمائي.. فلسطين حاضرة واحتفاء بأسماء بارزة ...
- نتنياهو: يطالب بفتح تحقيق ضد المشاركين في فيلم -نازا- بتهمة ...
- باسم رئيس رماة السلطان الفاتح.. مدرسة -أوقجو موسى- شاهدة على ...
- مهرجان القاهرة السينمائي الدولي يعلن مشاركة 145 فيلمًا من 64 ...
- مهرجان الجونة السينمائي..حكايات عربية عن الحرب والمنفى والهش ...
- متحف التحرير يستعد لمرحلة جديدة.. ماذا تخطط مصر لأحد أشهر مت ...
- فنان مصري شهير ينجو من سطو مسلح


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة باهيزة .