أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس والشيخ عبد الواحد آل سكر.














المزيد.....

مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس والشيخ عبد الواحد آل سكر.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 14:50
المحور: الادب والفن
    


كانت في يد الزعيم العشائري البارز الحاج عبد الواحد آل سكر ساعة ذهبية فاخرة , وكان الشاعر عباس كبس الفتلاوي 1926 - 1986م , ينظر إليها بإعجاب , فنهاه الحاج عبد الواحد عن التفكير بها , فنهض الشاعر مبدعاً هذه الأهزوجة ارتجالاً في مدحه وإعلاء شأنه : (( انته كوكب وانته كوسج وانته نيص , وانته حاتم وانته كسرى وانته عنتر بالحرايب من يغيص , وانته صعصع وانته بارح وانته الأزرگ من يهب لازم يجيس , هذا الشايل حمله , وحمل الطايح شاله وياه )) , فأعجب الحاج عبد الواحد بقوة الأبيات وبلاغتها وانصاع أمام الحاضرين فخلع ساعته الذهبية من معصمه وأهداها للشاعر عباس كبس , فياله من نص شعبي عراقي عريق يحمل في طياته إرثاً كبيراً من البلاغة الارتجالية , والفخر , وعزة النفس المتجذرة في الشخصية العراقية الأصيلة , وعلى الرغم من أن هذه الأهزوجة وُلدت في سياق (( مدح شخصي للشيخ عبد الواحد آل سكر زعيم آل فتلة )) إلا أن تفكيك دلالاتها ورموزها يفتح الباب واسعاً لاستنباط فخر وطني وقومي عميق يمكن أن يكون بوصلة لإيقاظ الوعي والشهامة فينا اليوم .

هذه هي فلسفة الارتجال و(( حضور الحجة )) في الثقافة الشعبية , لأن الأهزوجة أو الهوسة , ليست مجرد كلمات توزن على عجل , بل هي بيان موقف ناطق , حين يقف الشاعر أمام شخصية بمقام الشيخ عبد الواحد آل سكر – المعروف بهيبته وسطوته وزعامته العشائرية – فإن الصمت كان سيكون خياراً آمناً للكثيرين , لكن عباس كبس لم يرضَ بأن يكون مجرد متفرج يتأمل الساعة الذهبية بغصة , لقد حوّل الموقف بذكاء حاد وبلاغة فطرية إلى مساحة للندية الفكرية والاعتزاز بالذات , ولقد أثبت الشاعر أن (( سلطة الشعر واللسان )) توازي بل تفوق أحياناً سلطة المال والجاه , فعندما قال له الحاج عبد الواحد ناهياً إياه عن التفكير بالساعة , لم ينكسر الشاعر , بل ردّ بفيض من التشبيهات التي تخلع على الممدوح ألقاب الأساطير , وفي الوقت ذاته ترفع من قدر القائل الذي يملك القدرة على صياغة هذا المجد الفوري. إنها فلسفة تحويل النقص أو الحرمان إلى فرصة للتعالي المعنوي.

حين نتأمل حال الشاعر عباس كبس وحرارة الموقف , ندرك أننا أمام رسائل بليغة لواقعنا اليوم , وفي تحليل الرموز واستنباط الفخر الوطني نجد الشموخ والتفرد في كلمة (( الكوكب )) , بدلالة النجم المرتفع المضيء في السماء , والفخر الوطني بالهوية العراقية , وإن عصفت بها الظلمات , تظل كالنجوم العالية التي لا تنطفئ ولا يطالها الغبار , وهي دعوة لرفعة الرأس والتعالي على صغائر الأمور والتبعيات , ثم الشجاعة والقوة الرادعة (( الكوسج والنيص )) , والدلالة ان الكوسج (( قرش البحر القاتل )) والنيص (( الحيوان الذي يقاتل حتى الأسد بشوكه ودفاعه الشرس )) , بما يدل على رفض الخنوع والاستكانة , فالوطن يعلم أبناءه أن يكونوا أصحاب بأس شديد في وجه الطغيان والغزاة , لا يخشون الأعاصير, ويمتلكون دائماً أدوات الردع والدفاع عن كرامتهم .

ونستمر مع القيم الأصيلة , الكرم والعدل (( حاتم وكسرى )) , حيث حاتم الطائي رمز الجود , وكسرى رمز العدل , والفخر الوطني بالشخصية العراقية الأصيلة التي تجمع بين القوة والرحمة , تكرم الضيف وتغيث الملهوف (( حاتم )) , وتنشد العدل والإنصاف وترفض الظلم (( كسرى )) , لأن العزة الوطنية الحقيقية لا تقوم على القوة المجرّدة وحدها , بل تقترن بالعدالة والكرم , ثم هناك الصلابة في الأزمات (( صعصع , البارح , والأزرق )) , حيث ان عواصف الصحراء , والحر الشديد , والبرد القارص اللاسع الذي يطال كل شيء (( لازم يجيس )) , لأن الإنسان العراقي/العربي صُنع في بيئة قاسية جعلت منه جبلاً لا تهزه الرياح , والصعوبات والتحديات الكبرى (( مهما اشتدت حرارتها أو برودتها )) لا تكسر إرادة من اعتاد مواجهة قسوة الطبيعة والزمن.

ذروة المجد الأخلاقي (( حمل الطايح )) , البيت الأخير في الأهزوجة ليس مجرد خاتمة , بل هو دستور أخلاقي متكامل (( هذا الشايل حمله.. وحمل الطايح شاله وياه )) , وفلسفة التكافلاذ ان الكثيرين يستطيعون حمل هموم أنفسهم (( الشايل حمله )) , وهي مهارة تتطلب صبراً , لكن النبيل والقائد الحق , والعراقي الأصيل , هو من يلتفت حوله فيرى أخاً قد تعثر, أو جاراَ قد أثقلته الديون والنوائب , فيمد يد العون ليحمل عنه وزره , وهنا يكمن مفتاح (( الاستيقاظ من الغفلة )) , فالأمم لا تسقط بسبب قلة الموارد أو قسوة الظروف , بل تسقط حين يكتفي القوي بحمله وينسى أخاه (( الطايح )) إن التخلي عن التضامن المجتمعي هو الغفلة الكبرى بعينها , وحين نتأمل هذه الأهزوجة اليوم , ونحن نعيش متقلبات الأيام , ندرك كم نحن بحاجة إلى استعادة روح (( الفزعة )) النبيلة بعيداً عن التعصب الضيق , نحو فزعة إنسانية ووطنية تجمع الشتات وتجبر الكسر.

أن هذه الأبيات , رغم بساطتها البدوية والفلاحية الظاهرة , تخفي في عمقها فلسفة وجودية متكاملة لمدى صمود الإنسان وسموه , تختتم الأهزوجة بهوسة التكافل الاجتماعي والتضامن (( الشايل حمله وحمل الطايح شاله وياه )) , فمن يحمل عبء نفسه , ولا يتردد في حمل أثقال أخيه المتعثر , يعطي أعظم دروس الفخر هنا , والقوة الوطنية ليست في الفردانية , بل في (( الفزعة )) والتكاتف , والوطن ينهض حين يحمل القوي ضعف الضعيف , وحين يلتف المجتمع حول بعضه في الملمات , وتلك كلها دروس نستفيق بها من الغفلة , فهذه الأهزوجة صرخة بدوية وعراقية أصيلة تذكرنا بأننا أبناء تاريخ حافل بالإباء والشهامة , فمتى نعود لحمل هموم بعضنا البعض ونستعيد تلك الجرأة في قول الحق والوقوف بوجه التحديات؟

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة باهيزة .
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...
- مقامة الهسهسة .
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...
- مقامة ساكن الغيوم .
- مقامة التأويل .
- مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموا ...
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .
- مقامة الأبريق و العصفور.
- مقامة أمرأة مقتضبة .
- مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ ...
- مقامة المعتدة .
- مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أمان ...
- مقامة الكحل المغشوش .


المزيد.....




- احتجاز الممثلة سلمى بلير في نيويورك بعد اتهامها بالاعتداء عل ...
- وزير الثقافة والسياحة يعزي مدير عام هيئة الآثار في سيئون بوف ...
- أدب الحرب وثقافة المقاومة – 8
- الفن في زمن الحرب.. فنانون يمنيون يروون ثمن الموقف
- إيلون ماسك وسام ألتمان.. عملاقا التكنولوجيا يعترضان على صورت ...
- المدير الفني لمهرجان القاهرة السينمائي لـ-الجزيرة نت-: تعديل ...
- -السنافر: المغامرات الخالدة 2-.. السينما لا تقبل إعادة التدو ...
- فيلم -البحث عن رسول- يفتتح الدورة الـ13 لمهرجان بيروت الدولي ...
- نتنياهو يطالب بالتحقيق مع صنّاع فيلم -نازا- ومحاكمتهم
- نتنياهو يطالب بمحاكمة صنّاع فيلم «نازا».. ما القصة؟


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس والشيخ عبد الواحد آل سكر.