أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة مندلي التي أحب .














المزيد.....

مقامة مندلي التي أحب .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 21:58
المحور: الادب والفن
    


مقامة مندلي التي أحب :

لعلّ ((مندلي)) قد عنّت لصاحبنا الثمانيني الجميل ((المندلاوي)) , فاستدعت في خاطره طيف مدينته وملاعب طفولته التي غادرها منذ أمد غابر , وها هو ذا ينشر على صفحته أبياتاً من شعر الرائدة نازك الملائكة (1923 - 2007) من قصيدتها (( يغيّر ألوانه البحر)) , تتغزل فيها الشاعرة بالمدينة العريقة : ((مندلي يا انهرا من عسل , ياندى منتثرا فوق بيادر , يا شظايا قمر مغتسل في دموعي , يا ازاهير من الياقوت نامت في غدائر , ياهتافات اذان الفجر من فوق منائر , مندلي يامندلي اسمه فوق الشفاه , فلة غامضة اللون وشمع , وتراتيل صلاة وزروع ومياه )).

ومن المعروف أن الشاعرة العراقية الكبيرة ترتبط بقضاء مندلي التابع لمحافظة ديالى ارتباطاً وجدانياً وإبداعياً وثيقاً , وثّقته في أدبها من خلال قصيدة شهيرة تحمل اسم (( دكان القرائين الصغيرة )) , التي كتبتها في 28 حزيران عام 1974م , وضمنتها لاحقاً في ديوانها الصادر عام 1977م , وتتجسد رمزية (( مندلي )) العميقة في قصيدتها إذ تسري الأحداث في أجواء حلمية وشفافة داخل سوق يعبق بالعطور , والسجاد , والتوابل , حيث تصوّر الشاعرة نفسها وهي تجوب دهاليز السوق باحثة عن (( دكان مندلي )) لتشتري منه مصحفاً صغيراً كهدية وداع لحبيب مسافر , متغنية بجمال تلك القرائين : (( وكان هناك دكانٌ صغيـرْ, يُدعى: دكّانَ مندلي , يبـيعُ قرائينَ مذهّبةَ الغلافْ , مضوّأةَ الحروفْ , صغيرةَ الحجمِ كأنها فلّةٌ متفتحةْ أوْ دمعةُ فرحْ )) , غير أن شبح الضياع والفقد يطلّ برأسه حين ينتهي مسار البحث في القصيدة إلى متاهة رمزية تتسع فيها الأسواق وتتشابك الطرقات , لتضيع معالم الدكان وتتلاشى العناوين , فتساءل الشاعرةُ المدى بحسرة : (( أينَ دكّانُ مندلي؟ لعلّي ضلَلْتُ الطريقْ , فأين الممرُّ الّذي يوصلُ المشتري؟ )) لتُجبر الشاعرة في النهاية على الرحيل خالية الوفاض دون أن تعثر عليه , وتظل (( مندلي )) شاخصاً في ذاكرة الشعر الحر كرمزٍ للجمال المفتقَد والرمزية التراثية العراقية العميقة.

وليس العجبُ في أن يغدو (( دكان مندلي )) مفقوداً في نص نازك الملائكة , ففي أحيانٍ كثيرة , تحرص المدن الأثيرة على أن تُخفي أسرارها وأجمل ما فيها عن عيون السابلة , لتصونه في طيّات الغيب , إنّ (( مندلي )) في الرؤيا الشعرية ليست مجرد سوقٍ وعطورٍ وقرائين صغيرة , بل هي شفرةٌ وجدانية عتيدة , مدينة تُغري بالرحيل إليها , لكنها تستعصي على الامتلاك , وكأنها تهمس لشاعرها وعاشقها بأنّ أجمل ما في المدن الملهمة هو ذلك الشوق المستعر للبحث عنها , لا العثور السهل عليها .

أمّا أنا , فبيني وبين (( مندلي )) وشائجُ عاطفةٍ خفيّةٌ لا تقوى على محوها الظّروف , وعُلقةٌ ركينةٌ يمتزج فيها وجدُ الذّاكرة بشجنِ العمر , إنّها ليست مجرّد نقطةٍ على خارطةِ ديالى , بل هي جغرافيةٌ من الحنين , شهدتْ في الأمسِ عزّ بساتينها وعذوبةَ أريجها , قبل أن تقسو عليها وتائرُ الأيّام وتطحنها أرحاءُ الأحداث , غَيْرَ أنّ جراحَ المدينةِ لم تزدْها في عيني إلا حُسناً وبهاءً , إذ تظلّ رمزيّتها الحالمة في خاطري شاخصةً كالفُلّةِ الضّائعة في دهاليز الزّمن , تندهُ شبابيَ الغابر , وتستحثّ في روحي ذكرياتِ الأحبة , لتبقى صلتِي بها رباطاً أبدياً لا يفتأُ يزهرُ كلّما مرّ اسمُها على الشّفاه .

وهكذا تلتئمُ الأطرافُ وتتداعى الأطياف , فما بين حسرةِ المندلاوي الجميل وهو يسترجع ملاعبَ طفولته البعيدة , وبين دهاليزِ المتاهةِ الرمزية التي تاهت فيها نازك الملائكة وهي تبحث عن (( دكان مندلي )) المفقود , أجدُ روحي تعبرُ ذلك الجسرَ الوجداني الشفيف لتلتقي بهما عند النقطةِ ذاتها , إنّ (( مندلي )) بالنسبة لنا جميعاً لم تعد مجرّد بلدةٍ قصت عليها الأيامُ ورمتها الحوادثُ بجمرها , بل أضحت رمزاً مطلقاً لكلّ ما خشينا ضياعه من الجمال , وعنواناً للبحث الأزلي عن الفردوسِ الأوّل , فكلّما غاب الدكانُ وتواكبت الخسارات , أشرقت (( مندلي )) في وجداننا أبهى وأعمق , لتبقى حيةً في القصيدة , حاضرةً في الذاكرة , ونابضةً في أفئدةِ مَن أحبوها وصانوا عهدها رغم قسوة الزمان .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الغباء موهبة : النظرية البونهوفرية في آفة الحماقة والغ ...
- مَقَامَةُ الروُحِ وَأَخْلَاقُ المَسَافَة : صديقي الذي لا يُخ ...
- مقامة الأصطلام في دبلوماسية السهروردي.
- مقامة جذور الحزن العراقي : قلق التاريخ وطقوس الوجع الباقي .
- مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .
- مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس ...
- مقامة باهيزة .
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...
- مقامة الهسهسة .
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...
- مقامة ساكن الغيوم .
- مقامة التأويل .
- مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموا ...
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .


المزيد.....




- حوار | سلوى السنيورة بعاصيري: العلاقات الثقافية بين مصر ولبن ...
- باتمان وتشاكي.. روح جيل -زد- ورموز فكاهية وأخرى من الثقافة ا ...
- -أدين باللغة لجدتي-.. الروائي الجزائري واسيني الأعرج يفتح دف ...
- من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين ...
- بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق ...
- فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة
- -الدَّرّاس-.. كيف يصنع السجناء في المغرب لغتهم السرية للعيش ...
- اكتشاف أقدم حطام سفينة في العالم قبالة سواحل تركيا
- أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و ...
- باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة مندلي التي أحب .