أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الغباء موهبة : النظرية البونهوفرية في آفة الحماقة والغباية .














المزيد.....

مقامة الغباء موهبة : النظرية البونهوفرية في آفة الحماقة والغباية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 13:22
المحور: الادب والفن
    


حَدَّثَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ : أَفَضْتُ يَوْماً فِي تَأَمُّلِ أَحْوَالِ الزَّمَانِ , وَمَا يَعْتَرِي العُقُولَ مِنْ طُغْيَانٍ وَنُقْصَانٍ , فَذَكَرْتُ مَا سَطَّرَهُ القَسُّ الأَلْمَانِيُّ دِيتْرِيش بُونْهُوفِر فِي غَيَاهِبِ سِجْنِهِ , حِينَ نَهَضَ يُقَاوِمُ النَّازِيَّةَ بِفِكْرِهِ وَسَجْنِهِ , قَبْلَ أَنْ تُعْدِمَهُ السُّلُطَاتُ الصَّارِمَةُ , لِمُعَارَضَتِهِ أَهْوَاءَهَا الغَاشِمَةَ.
فَقَدْ جَلَسَ الرَّجُلُ فِي غَيَاهِبِ الأَسْرِ , يَتَفَكَّرُ فِي أَسْبَابِ صُعُودِ الشَّرِّ فِي ذَلِكَ العَصْرِ , وَكَيْفَ انْقَادَ الشَّعْبُ المَغْرُورُ , خَلْفَ أَوْهَامٍ تُدَمِّرُ وَتَجُورُ , فَوَجَدَ أَنَّ (( الْغَبَاءَ )) هُوَ العَدُوُّ الأَكْبَرُ لِلْخَيْرِ , وَأَنَّهُ أَشَدُّ خَطَراً وَأَبْلَغُ ضَرَراً مِنَ الشَّرِّ المَحْضِ فِي السَّيْرِ.

وَأَوْضَحَ بُونْهُوفِر فِي تَأَمُّلاَتِهِ المَأْثُورَةِ , أَنَّ العِلَّةَ فِي الغَبَاءِ لَيْسَتْ فِي نَقْصِ الذَّكاءِ , بَلْ هِيَ فِي آَفَةٍ أَخْلاَقِيَّةٍ وَسُقُوطٍ فِي العَمَاءِ , فَالشَّرُّ يُحَارَبُ وَيُفْضَحُ , وَيُقَاوَمُ بِالعَقْلِ وَيُكْشَفُ , وَيَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ هَلاَكَهُ حِينَ يَصْطَدِمُ , أَمَّا الأَحْمَقُ فَلاَ يَنْفَعُ مَعَهُ حِجَاجٌ ولا كَلَمٌ , يُعَانِدُ الحَقَائِقَ إِذَا خَالَفَتْ هَوَاهُ , وَيَنْفَجِرُ غَضَبًا إِذَا الحَقُّ أَعْمَاهُ , يَحْسَبُ جَهْلَهُ عِلْماً , وَيَرَى عِنَادَهُ حِلْماً .

ثُمَّ رَنَا الراوِي وَقَالَ : إنَّ الغَبَاءَ كالذِّئْبِ لاَ يُخَافُ إِذَا كَانَ حَسِيراً , وَلَكِنَّ المُصِيبَةَ إِذَا صَارَ مَكِينًا قَدِيراً , فَكُلُّ صُعُودٍ قَوِيٍّ لِلسُّلْطَةِ فِي المَجَالِ العَامِّ - سِيَاسِيّاً كَانَ أَوْ دِينِيّاً - يُصِيبُ فِئَاماً مِنَ النَّاسِ بِالذُّهُولِ وَالاستِخْفَافِ , فَيَتَخَلَّوْنَ عَنِ التَّفْكِيرِ وَالإِنْصَافِ , تَسْتَبِدُّ بِهِمُ الشِّعَارَاتُ الرَّنَّانَةُ , فَيَغْدُونَ كَالعَرَائِسِ فِي المَسْرَحِيَّةِ المُهَانَةِ , يُصْبِحُونَ دُمَىً فِي أَيْدِي الدَّهَاقِنَةِ وَالأَشْرَارِ , يُسَيِّرُونَهُمْ مَتَى شَاءُوا لِلْخَرَابِ وَالدَّمَارِ.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ : فَقُلْتُ فِي نَفْسِي أَلَيْسَ لِلْعُقَلاَءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَخْرَجٌ؟ فَبَانَ لِي أَنَّ بَيْنَ (( الْغَبَاءِ )) وَ(( التَّغَابِي )) بَوْناً شَاسِعاً وَفَرْقاً ثَابِتاً , الْغَبَاءُ , عَجْزٌ عَقْلِيٌّ وِجْدَانِيٌّ , يَعْمَى عَنِ العَوَاقِبِ وَالبَيَانِ , كَمَا وَصَفَهُ إِدْغَارْ آلاَن بُو بِأَنَّهُ (( مَوْهِبَةٌ فِي سُوءِ الفَهْمِ )) , والتَّغَابِي (( أَوْ الذَّكَاءُ الاجْتِمَاعِيُّ )) , فَهُوَ إِغْضَاءٌ عَاقِلٌ , وَتَجَاهُلٌ حَادِقٌ , يَتَظَاهَرُ المَرْءُ فِيهِ بِالعَمَى كَيْ يَسْلَمَ مِنْ جِدَالٍ عَقِيمٍ , وَيَصُونُ رَاحَةَ بَالِهِ مِنَ الغَبِيِّ اللَّئِيمِ .

وَقَدْ أَتَفَقَتِ العُقُولُ عَلَى ذَمِّ هَذَا الخَلَلِ , وَسَطَّرَتْ فِيهِ شَوَاهِدَ المَثَلِ , قَالَ المُتَنَبِّي : (( لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ يُسْتَطَابُ بِهِ ... إِلاَّ الحَمَاقَةَ أَعْيَتْ مَنْ يُدَاوِيهَا )) , وَقَالَ أَيْنْشْتَايْن : (( الفَرْقُ بَيْنَ العَبْقَرِيَّةِ وَالذَّكاءِ , أَنَّ لِلْعَبْقَرِيَّةِ حُدُوداً فِي المَدَى )) , وَقَالَ جُورْج بَرْنارْد شُو: (( لَيْسَ الخَطَرُ فِي الغَبِيِّ الحَافِي , بَلْ فِي الغَبِيِّ إِذَا قَرَأَ الكُتُبَ , فَيَصْبِحُ غَبِيّاً وَاثِقاً مِنْ نَفْسِهِ , مُزْعِجاً فِي أَمْسِهِ وَأَمْسِهِ )) , وَقَالَ سَلْفَادُور دَالِي : (( لاَ تُنَاقِشْ غَبِيّاً , لِئَلاَّ يَحْتَارَ النَّاسُ فِي أَيِّكُمَا الغَبِيُّ )) , وَقَالَ طَه حُسَيْن : (( الْغَبَاءُ غَبَاءُ القَلْبِ )) , وَقَالَ شكسبير: (( مِنَ النُّضْجِ أَنْ تَغْفِرَ لِمَنْ أَسَاءَ , وَلَكِنَّ مِنَ الغَبَاءِ أَنْ تَثِقَ بِهِ بَعْدَ الجَفَاءِ )) , وَقَالَ فْلُوبِير: (( الْغَبَاءُ هُوَ الرَّغْبَةُ فِي الوُصُولِ إِلَى الاسْتِنْطَاقِ , نَحْنُ خَيْطٌ وَنُرِيدُ أَنْ نَعْرِفَ القُمَاشَ كُلَّهُ )) .

وَفِي عَصْرِنَا هَذَا , أَمْسَى الغَبَاءُ كَأَنَّهُ (( مَوْهِبَةٌ )) تُسْتَعْرَضُ عَلَى المَلَأِ , يَقْتَحِمُ جُهَّالُهُ النِّقَاشَاتِ بِثِقَةٍ زَائِفَةٍ , ثُمَّ يَتَصَدَّرُونَ الشَّاشَاتِ كَمَا فِي (( تِيكْ تُوكَ )) لِجَنَى الأَرْبَاحِ وَالزَّائِفَةِ , فَيَا عَجَبَاً لِزَمَانٍ يَعْلُو فِيهِ صَوْتُ الحَمَاقَةِ , وَتُصْبِحُ العَقْلاَنِيَّةُ فِيهِ ثَقِيلَةً شَاقَّةً , فَهَلِ الذَّكَاء اليَوْمَ إِلاَّ أَنْ تَلْبَسَ ثَوْبَ التَّغَابِي , لِتَنْجُوَ مِنْ هَذَا البَلاَءِ وَالمُصَابِ ؟

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مَقَامَةُ الروُحِ وَأَخْلَاقُ المَسَافَة : صديقي الذي لا يُخ ...
- مقامة الأصطلام في دبلوماسية السهروردي.
- مقامة جذور الحزن العراقي : قلق التاريخ وطقوس الوجع الباقي .
- مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .
- مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس ...
- مقامة باهيزة .
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...
- مقامة الهسهسة .
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...
- مقامة ساكن الغيوم .
- مقامة التأويل .
- مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموا ...
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .
- مقامة الأبريق و العصفور.


المزيد.....




- أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و ...
- باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس ...
- فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي ...
- تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف- ...
- فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت ...
- تضميد جراح الحرب والذكريات.. أب وابنته يرممان سجادا عمره قرو ...
- فرقة -آي يولا- البشكيرية تدخل الجولة الأولى من التصويت لجوائ ...
- الذكاء الاصطناعي يعيد بانديراس شابا في فيلم عن غزو المكسيك
- بمشاركات قياسية.. -كتارا- تتوج الفائزين بجائزتها للرواية الع ...
- رواية -صفر فاصل خمسة-.. كيف يهرب الإنسان من واقعه إلى سجون ا ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الغباء موهبة : النظرية البونهوفرية في آفة الحماقة والغباية .