أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الشغف .














المزيد.....

مقامة الشغف .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 00:07
المحور: الادب والفن
    


مقامة الشغف :

عندما سُئل الدرويش عن سبب انقطاعه عن التواصل , أجاب : (( قلَّ دخولي إلى العالم الافتراضي , وحتى إن ظفرتُ ببعض الوقت , فقدتُ الشغف )) , وكلنا يعلم أن الشغف هو الشعور العارم بالحماس والرغبة الصادقة تجاه ما نعمل , وفي المعاجم : (( شَغَفَ فلانًا )) أي أصاب شغاف قلبه حتى ملكه بالحب , والشغاف هو الغشاء المحيط بالقلب , ومنه جاء الشغف ليعبّر عن قوة داخلية وشرارة تدفع الإنسان للإبداع ومواجهة التحديات , وحين ينعدم هذا الشغف وتتوارى الرغبة , نغدو كائنات لا تحرّكها إلا مشاعر البرود , حتى يتساوى كل شيء في أعيننا كما قال تولستوي : (( لقد تساوى كل شيء في نظري وأصبحتُ لا أهتم لشيء )) , أو كما عبّر دوستويفسكي بعمق أشد : (( لو أنني أعرف كلمةً أعمقَ من - انطفأتُ - لقلتها , أنا لم أشعر من قبلُ بانطفاء روحي مثلما أشعر بها الآن )) .

كتب أحدهم : (( سِرُّكِ فِي الْتِفَافِكِ حَوْلَ نَفْسِكِ , وَبُعْدِكِ عَمَّنْ سِوَاكِ , فَلَمْ يَقُمْ فِي الْكَوْنِ شَبِيهٌ وَلا نَظِيرٌ لَكِ , بَصْمَتُكِ الرُّوحِيَّةُ فِي التَّوَجُّهِ لِمَعْبُودِكِ لا يُشَابِهُهَا أَحَد , فَالْكُلُّ مُتَفَرِّدٌ بِذَاتِه , وَلَوْ اقْتَرَبْتِ مِنْ غَوْرِ رُوحِكِ السَّامِقَةِ , لَعَرَفْتِ الْحَقِيقَةَ دُونَ لَبْسٍ أَوْ غُمُوض , تَحْتَاجِينَ فَقَطْ إِلَى تِلْكَ السَّكِينَةِ مَعَ نَفْسِكِ , فَخَفِّفِي وَطْأَكِ , وَقَلِّلِي سَيْرَكِ فِي التِّيهِ , وَاسْتَرْجِعِي نَفْسَكِ وَارْتَقِي سُلَّمَكِ , فَمَا حَوْلَكِ مِنَ الشَّوَاغِلِ يَصْرِفُكِ عَنْ بَهَائِكِ , إنَّكِ إنْ عَرَفْتِ ذَاتَكِ انْكَشَفَتِ الْحُجُبُ وَتَنَازَحَتِ الأَسْتَار, فَارْتَقِي وَلا تَتَوَانَيْ , فَمَهْمَا هَرَبْتِ لَنْ تَجِدِي رَاحَتَكِ إِلاَّ فِيك .

وَمَا صَدَّ بَنِي الآدَمِيِّينَ عَنْ هَذَا الْكَنْزِ الْمَكْنُونِ إلا شَغَفُهُمْ بِالظَّوَاهِرِ , وَتَهَالُكُهُمْ عَلَى الآفَاقِ الدَّانِيَةِ , فَقَدْ ظَنُّوا أَنَّ صَخَبَ الْعَالَمِ يَمْلأُ الفَرَاغَ , وَأَنَّ الإِكْثَارَ مِنَ الْجَمْعِ يُبْرِئُ مِنَ الإِمْلاقِ , حَتَّى إذا انْقَضَتِ الأَعْمَارُ وَخَبَتِ الأَنْوَارُ , وَجَدُوا الأَيْدِيَ خَاوِيَةً وَالأَرْوَاحَ مَطْرُوحَةً فِي طُوِيِّ الْجَفَافِ , إِنَّ الانْطِفَاءَ الَّذِي نَشْكُوهُ لَيْسَ غِيَابًا لِلضَّوْءِ مِنْ خَارِجِنَا , بَلْ هُوَ تَشَاغلُنَا عَنْ إِذْكَاءِ الْجَذْوَةِ فِي دَاخِلِنَا , وَغَفْلَتُنَا عَنِ الْمِرْآةِ الَّتِي إنْ نُظِّفَتْ صَقْلاً , انْعَكَسَتْ عَلَيْهَا أَنْوَارُ السَّمَاءِ.

فَيَا أَيُّهَا السَّالِكُ فِي غَيَابَاتِ التِّيهِ , الْمُفَتِّشُ عَنْ بَرِيقِ الشَّغَفِ فِي أَعْيُنِ الرَّاحِلِينَ : كُفَّ عَنِ الرَّكْضِ خَلْفَ السَّرَابِ , وَارْجِعْ إلَى صَوْمَعَةِ قَلْبِكَ , فَالشَّغَفُ لَيْسَ شَيْئًا يُوهَبُ لَكَ مِنْ خَارِجِك , بَلْ هُوَ يَنْبُوعٌ يَنَبِجُ مِنْ عُمْقِك , حِينَ تُدْرِكُ أَنَّكَ حَقِيقَةٌ كَامِلَةٌ بِمَعْبُودِكَ , وَأَنَّ تِلكَ النَّفْخَةَ الرُّوحِيَّةَ فِيكَ لا تَذْبُلُ إلاَّ بِالإِعْرَاضِ عَنْهَا , سَتَشْعُرُ بِأَوَّلِ خَفْقَةٍ لِلْحَيَاةِ تَعُودُ إلَى شَغَافِك , وَسَتَرَى أَنَّ الأَشْيَاءَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي زَهِدْتَ فِيهَا أَمْسَتْ تُشِعُّ بِالْبَهَاءِ .

حِينَ انْكَسرَتِ النَّافِذةُ , لَمْ يسْتَعدي النَّهارَ , بَلِ اسْتعَار عَيْنَيْكِ لِأُكْمِالَ النَّظَر , كُنتُ تتمشين كَأَنّك خُطْوَةٌ نَسِيَتْ نَبْضَ الأَرْض , كَنَجْمٍ يُقَشِّرُ ظِلالَهُ لِيَغْسِلَ الجْروح , هَلْ تَذْكُرينَ اللَّحْنَ , الَّذِي كَانَ يُشْبِهُ صَوْتَ أَظَافِرِكِ عَلَى زُجَاجِ الرُّوحِ ؟ كُنتِ تُرَتِّبينَ العُمْرِكَمَنْ يُرتِّبُ مِعْطفَهُ قَبْلَ العَاصِفة ذاتَ لَيْلٍ , اسْتَحْملْتُ القَلقَ كَوِسَادةٍ يَنامُ عَلَيْها التَّعَب , كُنتِ تَتنَفَّسينَ نَجْمًا , وَتَسْكُبينَ جُرْحًا , وانا , أَتَعلَّمُ كَيْفَ يَصيرُ اللَّمْسُ صَلَاةً , يقول بودلير : (( أَتَرصَّدُكَ تَسْكُنُني عَبرَاتُ الشَّوْقِ , يا أَنْت , يا مَنْ يَجْعلُها اللَّيْلةَ كَثيرةَ الجَمالِ , لَكمْ يَحْلُو لي , مُنْحَنيًا فَوْقَ الأذينين , أُصْغي إِلى الأَنينِ الخالِدِ الَّذي يَنْشِجُ في الأَحْواضِ )) .

كانَ السَّمَاحُ يُجَرِّبُ ظِلَّهُ فَوْقَ أَصَابِعِكِ الَّتِي تَحْنُو , كَأَنَّ حَنِينًا يُقَلِّبُ أَوْرَاقَهُ فِي الرِّيحِ , ثُمَّ يَنَامُ , كانَ السَّماحُ يُجرِّبُ ظِلَّهُ على أَصابِعِكِ , حينَ كُنتِ تُقلِّبينَ الحَنينَ كأوراقِ ضَجرٍ في الرِّيح , هُناكَ عَرفْتُ : لَستُ أَملِكُ جَسدي , بَل يَسيلُ مِن نَظْرتِكِ كَما يَنْهمِرُ النَّمقُ مِن نَفَسِكِ , ولهذا يقول الدرويش : (( إن زوار الفردوس بعد قيامهم من بين الأموات , يبكون , فينبعث من دموعهم عطر تذوب لمرآه القلوب , ووالله إنّي لمن البكّائين )) , يَتَشابكُ الأَثرُ بِالمَأْثُورِ , وتَغْدُو المُرَاوَدةُ فِقْهًا شِعْرِيًّا في العُبورِ مِنَ الذَّاتِ إِلى الأُخْرَى , ومِنَ الأُخْرى إِلى التَّلاشي .
وَهَكَذَا يَبْقَى الشَّغَفُ أَمَانَةَ الرُّوحِ فِي صَدْرِ الإِنْسَانِ , إنْ هُوَ رَعَاهَا بِالْخَلْوَةِ وَالتَّأَمُّلِ صَارَتْ لَهُ ضِيَاءً يَهْدِيهِ فِي ظُلُمَاتِ الزَّمَانِ , وَإِنْ أَهْمَلَهَا فِي زِحَامِ الأَيَّامِ غَدَا كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ , فَلا تَقُلْ (( انْطَفَأْتُ )) وَفِي قَلْبِكَ نَبْضٌ يَتَطَلَّعُ , بَلْ قُلْ (( سَكَنْتُ لِأَسْتَجِمَّ )) , ثُمَّ انْهَضْ وَارْتَقِ سُلَّمَكَ , فَإنَّ مَنْ عَرَفَ سِرَّ نَفْسِهِ , أَوْقَدَ الشَّغَفَ فِي خَافِقَيْهِ وَلَمْ يَضِلَّ أَبَدًا.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة نبيذ لوعة الأنتظار .
- مقامة خيانة الوسيط : احتجاب الدعاء وأنانية العشق , قراءة في ...
- مقامة دموعٌ لا تبكيها الأغاني : حين يتكلم صمتُ الرجال .
- مقامة الأنف : عندما تُعرّي السريالية غرور البيروقراطية .
- مقامة خلخلة التابوهات : قراءة نقدية في نص رنيم نزار.
- مقامة الأَكْنَام : بين هَنْدَسَةِ اللَّفْظِ وَإِشْرَاقَةِ ال ...
- مقامة مندلي التي أحب .
- مقامة الغباء موهبة : النظرية البونهوفرية في آفة الحماقة والغ ...
- مَقَامَةُ الروُحِ وَأَخْلَاقُ المَسَافَة : صديقي الذي لا يُخ ...
- مقامة الأصطلام في دبلوماسية السهروردي.
- مقامة جذور الحزن العراقي : قلق التاريخ وطقوس الوجع الباقي .
- مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .
- مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس ...
- مقامة باهيزة .
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...
- مقامة الهسهسة .
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .


المزيد.....




- انطلاق فعاليات مهرجان البحرين المسرحي في دورته الخامسة بالمن ...
- السينما العربية في مهرجان القاهرة: حكايات الهوية وذاكرة الصم ...
- من ذاكرة الحروب إلى معارك الهوية.. حكايات السينما العربية في ...
- زاك كريغر يخطط لأفلام الرعب على الآيفون قبل أن تبدأ الكاميرا ...
- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...
- حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الشغف .