أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة دموعٌ لا تبكيها الأغاني : حين يتكلم صمتُ الرجال .














المزيد.....

مقامة دموعٌ لا تبكيها الأغاني : حين يتكلم صمتُ الرجال .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 11:54
المحور: الادب والفن
    


تذكرتُ ذلك الموقف الشجيّ حين أبكى أحد المطربين الموسيقارَ الراحل طالب القرغولي بأغنية (( يا خوخ يا زردالي )) حينها تدرك أن الأمر ليس مجرد أنغامٍ تُعزف أو كلماتٍ تُقال , بل هي اللحظة التي تتجسد فيها الأوجاع التي يعجز الكلام عن وصفها , وتكتمل هذه الصورة الوجدانية في أغنية (( يا وفية )) للفنان كاظم الساهر , وبمقطعها الشهير (( من قال لا يبكي الرجال؟ )) والتي تُعد واحدة من أبرز الأغاني العربية التي حاكت شجون الرجال ومشاعرهم العميقة , وحين يبكي الرجال , فليس الأمر سهلاً ولا عابراً , فهناك دموعٌ لا تنزل من ضعفٍ ظاهر , بل تسقط من قلبٍ أثقلته الهموم وناءَ بما يكتمه بين أضلاعه.

أذن , كيف يبكي الرجال؟ يبكي الرجال ولكن في العتمات , وتحت زخات الأمطار , وعلى الوسائد بعيداً عن الأعين , دموع الرجال لا تخرج دائماً من العين لتسيل على الخد فيراها الجميع , بل تخرج من القلب وتصبّ في القلب , فيظهر أثرها جلياً في التنهدات , والنظرات الشارخة , وتجاعيد الوجه , وبياض الشعر , ورجفة اليدين , نعم , هكذا يبكي الرجال , (( وليس الذي يجري من العين ماؤها.. ولكنها نفسٌ تذوب فتقطر )) .

إن أصعب ما يبكي القلب ليس التعب اليومي ولا الهموم العادية , بل هو الخذلان وقهرُ الأوطان , ذلك الألم الفريد الذي يتحول فيه الشعور الصادق إلى جرحٍ غائر حين لا يجد من يقدّره , بعض الدموع لا تبكيها الأغاني لمجرد اللحن , بل توقظها ذكرياتٌ دفينة , ووجوهٌ رحلت وكان لها في القلب مكان , ومواقفُ كسرت شيئاً عزيزاً في أعمق أعماق الروح , وقد يبكي رجالٌ حُرِموا أوطانهم أو شَهِدوا استلابها , كما بكى رجالٌ أُحتُلت بلدانهم عندما سمعوا القائل يصرخ في ضمائرهم : (( كفْكِف دموعَكَ وانسحِبْ يا عنترة فعيونُ عبلةَ أصبحَتْ مُستعمرَة , لا ترجُ بسمةَ ثغرِها يوماً فقـدْ سقطَت مـن العِقدِ الثمينِ الجوهرة )) , وقد تبكي الملوك والأمراء ندماً وحسرةً على الدنيا ومتاعها الزائل , فلما حضرت المنية الخليفة عبد الملك بن مروان , سمع غسالاً في أطراف دمشق يغسل ثياباً ويدندن , فبكى حتى جرت دموعه وقال أسفاً : (( يا ليتني كنت غسالاً , يا ليتني لم ألِ الخلافة )) , نادماً على ما قدم في دنياه من سياسة وحروب.

تغلب على بعض المجتمعات (( الوصمة الاجتماعية )) التي تربي الرجل منذ صغره على كبح مشاعره تحت مقولات جامدة مثل (( الرجل لا يبكي )) , غير أن الدراسات النفسية الحديثة تؤكد أن إخفاء الدموع ومراكمتها يضر بصحة الرجل النفسية والجسدية بالغة الضرر , وأن دموعه ما هي إلا انعكاس لصدق إنسانيته وشفافيته , بل إن مقاومة البكاء أشد ألماً من البكاء نفسه , وقد يصمت الرجال طويلاً ويخفون وجعهم خلف ملامح الصلابة والوقار , ولكن حين تفيض الدموع , فاعلموا أن في الصدر حكايةً أكبر من الكلام , وأن القلب قد وصل إلى مرحلة لم يعد فيها الصمت كافياً لاحتواء الألم.

لقد تعددت أقوال الشعراء في البكاء والدموع عبر العصور , واعتبروه وسيلةً مشروعة لتخفيف الهموم وتعبيراتٍ صادقة عن عمق الإحساس , يقول الجواهري (( لا تبخَسوا قَدْرَ الدموعِ فإنّها دَفْعُ الهموم تَفيضُ مِن يَنْبوعِ , للنَّفس حالاتٌ يَلَذُّ لها الأسى وترى البكاءَ كواجِبٍ مشروعِ )) , اما أمير الشعراء أحمد شوقي فيقول (( شأنك والدمع والبكاء لا تدخر في الشؤون ماء , لا تذكر الصبر في مصاب تجاوز الصبر والعزاء , إن البكى فاسترح إليه يصرف للراحة العناء , من خلق الحزن كان أحرى أن يخلق الدمع والبكاء )) , ويقول الشاعر أشجع السلمي (( بكائي كثير والدموع قليلة وأنت قريب والمزار بعيد )) , ويصف آخر حال المحرومين من صدق العاطفة والخشوع بقوله (( العائِدُوْنَ مِنَ الغَرامِ بِلا دُمُوعْ كَالرَّاكِعِيْنَ السَّاجِدِيْنَ بِلا خُشُوعْ )) .

ستظل دموع الرجال شهادةً على صدق المعاناة , وعلامةً على أن الروح القوية قد حملت فوق طاقتها , فالصمت وإن كان ملاذ الكبرياء , فإن للدمع صوتاً أبلغ من كل قصائد الشجن , يروي قصصاً لن تُحكى , وأوجاعاً لن تلتئم إلا بالرحمة والعدل.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الأنف : عندما تُعرّي السريالية غرور البيروقراطية .
- مقامة خلخلة التابوهات : قراءة نقدية في نص رنيم نزار.
- مقامة الأَكْنَام : بين هَنْدَسَةِ اللَّفْظِ وَإِشْرَاقَةِ ال ...
- مقامة مندلي التي أحب .
- مقامة الغباء موهبة : النظرية البونهوفرية في آفة الحماقة والغ ...
- مَقَامَةُ الروُحِ وَأَخْلَاقُ المَسَافَة : صديقي الذي لا يُخ ...
- مقامة الأصطلام في دبلوماسية السهروردي.
- مقامة جذور الحزن العراقي : قلق التاريخ وطقوس الوجع الباقي .
- مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .
- مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس ...
- مقامة باهيزة .
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...
- مقامة الهسهسة .
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...
- مقامة ساكن الغيوم .


المزيد.....




- بعد عقود من الاعتزال.. رحيل الفنانة رجاء محمد يعيد ذكريات ال ...
- ماسك يهدد مشرعين أمريكيين باقتباس من فيلم سوفيتي: من يأتِ إل ...
- هيام عباس.. تكريم أوروبي لمسيرة فلسطينية امتدت إلى السينما ا ...
- الخط العربي في كابل.. فن عريق يبحث عن جيل جديد
- فيلم وثائقي عن إيلون ماسك يسلط الضوء على أغنى رجل في العالم ...
- فيلم رعب من 14 دقيقة يحقق 5 ملايين مشاهدة على يوتيوب في بضعة ...
- -قصة حب غير متوقعة-.. فيلم -ولا كان عالبال- يصل إلى صالات ال ...
- ترجمة الإنجليزية ليست مطلوبة؛ المطلوب مقال عربي. سأكتب العنو ...
- من لحظة وصوله إلى البروفات.. تفاعل لافت مع عودة فضل شاكر
- ليوبيموفا: تزايد الاهتمام بالتعليم العالي الثاني المجاني في ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة دموعٌ لا تبكيها الأغاني : حين يتكلم صمتُ الرجال .