أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الأنف : عندما تُعرّي السريالية غرور البيروقراطية .














المزيد.....

مقامة الأنف : عندما تُعرّي السريالية غرور البيروقراطية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 22:41
المحور: الادب والفن
    


(( الأنف )) , قصة سخرية غرائبية قصيرة كتبها الأديب الروسي نيكولاي غوغول ونُشرت عام 1836 في مجلة "المعاصر , ملخصها , يستيقظ الموظف البيروقراطي (( الرائد كوفاليوف )) في مدينة سانت بطرسبرغ ذات صباح ليجد أن أنفه قد اختفى من وجهه تماماً , والمفارقة الساخرة انه يجد أنفه يتجول في شوارع المدينة , وقد تقمص شخصية مسؤول رفيع الرتبة (( مستشار دولة )) , ويبدو أنه يحظى بمكانة اجتماعية أعلى من صاحبه نفسه , ويحاول كوفاليوف عبثا استعادة أنفه ومراجعة الشرطة وصحف الإعلان بلا جدوى , قبل أن يختفي الأنف مرة أخرى ويعود في الليلة التالية إلى مكانه الطبيعي على وجهه فجأة وبلا تفسير .

رغم أن بطل القصة شخصية مغرورة إلا أنك لا تملك إلا أن تتعاطف معه , وهو يحاول بكل يأس استعادة أنفه المفقود , تخيل أن تستيقظ ذات صباح لتكتشف أن أنفك ليس موجوداً فوق شواربك ؟ لابد أن تشعر بالقدر نفسه من الرعب الذي شعر به كوفاليف , وستبدأ بالتفكير, كيف سينظر إليك جميع أصدقائك المهمين؟ كيف ستستطيع أن (( ترفع أنفك )) على من حولك من الناس العاديين , إنها ضربة مباشرة في عمق الغرور الإنساني.

في نهاية القصة , يبدو أن غوغول يخاطب القارئ مباشرةً , لم يُشرح قط سبب سقوط الأنف في المقام الأول , ولا سبب قدرته على الكلام , ولا سبب عودته إلى مكانه , من خلال ذلك , يستغل غوغول افتراضات القراء , الذين قد يستمتعون بالقصص العبثية , لكنهم في الوقت نفسه يرغبون في تفسيرها , كنت وأنا أقرأ هذه القصة , لا أستطيع أن أمنع نفسي من الإعجاب بقدرة غوغول على هجاء ظواهر لصيقة بمجتمعه , ولأنها قصة موغلة في الرمزية فلابد أن كل قارئ يستطيع تفسيرها بطريقته الخاصة , (( كل ما يحدث في هذا العالم بلا معنى )) , كما يقول الراوي في نهاية قصة الأنف , ولذلك يجب , كما هو واضح لغوغول , أن تفشل كل المحاولات لتفسيره , لأنه شيء عصي على الفهم.

يُحلل بعض النقاد القصة حرفيًا بدلًا من البحث عن دلالاتها الرمزية , ويشير التفسير الحرفي إلى أن قصة غوغول تتناول أهمية حاسة الشم , التي تُطمس في المجتمع الغربي بسبب التركيز على البصر والمظهر , ويتوافق هذا التفسير مع اعتقاد غوغول بأن الأنف هو أهم جزء في جسم الإنسان , يُظهر الرائد كوفاليوف هوسًا بمظهره ونظافته ورتبته , وهو سلوك يعكس تأثير الثقافة الغربية التي تُركز على البصر وتُشدد على إزالة الروائح الكريهة والنظافة الشخصية , وفي الوقت نفسه , ينتابه حزن شديد عندما يفقد أنفه , مما يدل على أن حاسة الشم لا تزال مهمة رغم التأثير الغربي.
أبرز موضوعات ودلالات القصة هوالهوس بالمظهر والرتب , عندما تسخر من المجتمع الروسي في ذلك العصر , ويربط الناس قيمة الفرد ومكانته الاجتماعية بمظهره الخارجي ورتبته الوظيفية وليس بجوهره , والأسلوب السريالي/الغرائبي حيث تُعد القصة من أوائل الأعمال التي تمزج بين الواقعية واللامعقول , حيث يصف غوغول أحداثاً خيالية مطلقة بأسلوب جاد وواقعي تماماً , ويمارس النقد الاجتماعي النفاق البيروقراطي وسعي الموظفين المحموم وراء الترقيات الصورية .

إن عبقرية غوغول في (( الأنف )) لا تكمن فقط في تعريته للمجتمع البيروقراطي في عصره , بل في كونه وضع اللبنة الأولى لما يُعرف بـ (( أدب العبث واللامعقول )) , حيث يمكنك أن تلمح بوضوح كيف تسللت هذه القصة عبر الزمن لتلهم أعمالاً عالمية كبرى , مثل مسخ كافكا الذي استيقظ ليجد نفسه حشرة , لقد جعل غوغول من (( الأنف )) المفقود استعارة عن فقدان الهوية والذات الإنسانية عندما تذوب في قوالب الألقاب الوظيفية والمظاهر الزائفة , ليقول لنا بطريقته الساخرة , إن المجتمع الذي يمنح الأنف احتراماً أكبر من صاحبه لمجرد أنه يرتدي بزة رسمية , هو مجتمع قد فقد عقله بالفعل قبل أن يفقد أنفه.

لو أردت أن أصف نيقولاي غوغول , أعظم كاتب في روسيا , بكلمة , فلن أجد أفضل من كلمة (( مجنون )) , إذ لم يستطع أحد أن يفهم هذا الكاتب , ولا حتى نفسه , (( يا له من مخلوق ذكي , ومختل أيضاً )) , هكذا هتف إيفان تورجنيف واصفاً غوغول , وكان لغوغول تأثير كبير في الأدب الروسي , كما عبّر عن ذلك فيدور دوستوفسكي في قوله : (( كلنا خرجنا من معطف غوغول )) , فقد أسس لما عرف في ما بعد بالمدرسة الواقعية في الأدب , وهي الحركة التي ستهيمن على أدب الاتحاد السوفييتي لأجيال قادمة , يصف الناقد ميرسكي في كتابه (( تاريخ الأدب الروسي )) قصة الأنف قائلاً : (( الأنف مجرد قطعة مسرحية , مجرد هراء تقريباً , ومع ذلك فإنها تكشف أكثر من أي عمل آخر قدرة غوغول السحرية على خلق عالم هزلي غير اعتيادي من لا شيء )) ,

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة خلخلة التابوهات : قراءة نقدية في نص رنيم نزار.
- مقامة الأَكْنَام : بين هَنْدَسَةِ اللَّفْظِ وَإِشْرَاقَةِ ال ...
- مقامة مندلي التي أحب .
- مقامة الغباء موهبة : النظرية البونهوفرية في آفة الحماقة والغ ...
- مَقَامَةُ الروُحِ وَأَخْلَاقُ المَسَافَة : صديقي الذي لا يُخ ...
- مقامة الأصطلام في دبلوماسية السهروردي.
- مقامة جذور الحزن العراقي : قلق التاريخ وطقوس الوجع الباقي .
- مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .
- مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس ...
- مقامة باهيزة .
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...
- مقامة الهسهسة .
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...
- مقامة ساكن الغيوم .
- مقامة التأويل .


المزيد.....




- -ولادة الإمبراطورية-.. معركة بولتافا على شاشة السينما الروسي ...
- -أنا رجل روسي-.. شامان يطلق أغنية عن الحرية الداخلية وتقبّل ...
- اليوم العالمي للطهاة.. مهنة تجمع الفن والابتكار والتراث الغذ ...
- عازف الكمان ديفيد غاريت يطلق ألبومه الجديد «Immortal» احتفاء ...
- التشكيلي طه سبع يستلهم من مراكش ليلة جديدة لألف ليلة وليلة
- توماس مان يعود مظفرا بعد الحرب الى ألمانيا.. وجلسة عن المهرج ...
- إطلاق مشروع «فضاء المدينة» في بيروت: مساحة شبابية جديدة لترم ...
- الحياة الاجتماعية العثمانية في سياحتنامه أوليا جلبي.. التعلي ...
- الإعلان عن 11 مسرحية مصرية في النسخة الـ 7 من موسم الرياض
- العودة إلى الأساطير.. لماذا يتهافت الإيرانيون على ملحمة الفر ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الأنف : عندما تُعرّي السريالية غرور البيروقراطية .