أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة خيانة الوسيط : احتجاب الدعاء وأنانية العشق , قراءة في الأسطورة التفسيرية عند فوز حمزة .















المزيد.....

مقامة خيانة الوسيط : احتجاب الدعاء وأنانية العشق , قراءة في الأسطورة التفسيرية عند فوز حمزة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 14:58
المحور: الادب والفن
    


في نص قصير مكثف , ينبض بعبق الأساطير الكلاسيكية , ويحمل في طياته كثافة شعرية وفلسفة عميقة تتجاوز الحجم المادي للقصة , استطاعت فوز حمزة أن تنسج خرافة مؤسسة أو ما يُعرف بـ (( الأسطورة التفسيرية )) لتفسير واقعة إنسانية أزلية: لماذا تتأخر دعوات العاشقين أو لا يُستجاب لها؟ فكتبت بعنوان (( إله العشق )) : قبل أربعة آلاف سنة , حينما كنتُ عجوزًا مسنّةً , قايضتُ الصبرَ بالأشعار , وذات يوم , صادفتُ في الطريق راعيًا وسيمًا ينشد أشعارًا حزينةً في فراق الأحبّة , أخذتُ أشعاره , وأعطيتُه بدلًا عنها الصبرَ الجميل , ثم أهديتُ أشعاره إلى عذراءَ جميلةٍ أسرها الحزنُ في انتظار مَن تحب , وقلتُ لها ناصحةً (( اذهبي إلى إله الحب , وأنشدي أشعاركِ أمامه , لعلّه يرقّ لحالكِ )) , دخلتْ الفتاة المحراب , وبدموعها تطهّرتْ , وركعتْ , وسجدتْ , مرتّلةً أعذبَ الأشعار , لعلّ الإله يرحمها , كان الإله رحيمًا بما يكفي ليقع في عشق الفتاة , لكنّه , بدلًا من أن يرفع دعاءها إلى الإله الأكبر , حجبَه عنه كي يضمن رؤيتها كل يوم , ومنذ ذلك اليوم , ودعوات العاشقين لا تُستجاب .

تتجلى البداية الزمنية العابرة للتاريخ في عبارة (( قبل أربعة آلاف سنة... حينما كنتُ عجوزًا مسنّةً )) , تضع القارئ فورًا على عتبات الزمن الأسطوري , مانحةً النص طابعًا ملاحميًّا يشبه حكايات الألف ليلة أو أساطير الرافدين والإغريق , حيث تتداخل العجائز بالحكماء والآلهة بالبشر , ودورة المشاعر والمقايضة حين تبدأ القصة بعملية (( اقتصاد شعوري )) فريدة , العجوز تتخلّى عن الصبر لتستبدل به أشعار الراعي , والراعي يأخذ الصبر ليتعامل مع لوعة الفراق , هذا التداول للمشاعر (( الصبر , الشعر , الحزن , العشق )) , يعكس كيف تتحول العواطف في الحياة إلى عملات متبادلة , وتكمن المفارقة الساخرة والذروة في تلك المفارقة الموجعة , الفتاة البريئة تدخل المحراب وتطهر نفسها بدموعها طلباً لرحمة الإله الأكبر عبر وسيطه (( إله العشق )) , فإذا بالوسيط يقع في الغرام ويتحول إلى (( محتكر )) للرؤية , حاصدٍ للتعاسة بدلًا من أن يكون شفيعًا لها.

(( كان الإله رحيمًا بما يكفي ليقع في عشق الفتاة , لكنّه، بدلًا من أن يرفع دعاءها إلى الإله الأكبر , حجَبَه عنه كي يضمن رؤيتها كل يوم )) , هذه الفقرة هي جوهر القصة ودرتها الفلسفية , وتطرح أبعادًا دلالية عميقة , اولها أنسنة الإله والوقوع في الخطأ البشري ,عندما لا ينظر النص إلى الآلهة أو الرموز العليا بمثالية , بل يغرقها في الضعف الإنساني فالجمال والحب قادرا على قيادة حتّى الإله إلى الأنانية وحب الاستحواذ , والعشق هنا ليس طاقة مقدسة سامية فحسب , بل هو أحيانًا (( أعمى , وأناني , وجشع )) , وثانيا عقوبة العاشقين الجماعية لأن إله العشق أراد أن يستأثر برؤية معشوقته وحدَه , حُرم ملايين العاشقين عبر التاريخ من استجابة أدعيتهم , إنها استعارة بليغة تفسر لماذا يرافق الشقاء والخذلان طريق الحب دائمًا , فالحب في أصله الإلهي تلوث بالرغبة والاحتجار, ثم ثالثا دور المرأة والوساطة , فالفتاة تمثل النقاء المطلق - العذراء التي تطهرت بدموعها - بينما العجوز تمثل الحكمة أو القدر الذي حرك الدومينو الأول عبر نقل الأشعار من الراعي إلى الفتاة.

يزخر التراث الإنساني بآثارات وحكايا أسطورية تُقارب هذا المعنى وتتلاقى مع فكرة فوز حمزة , ولا سيما في الأساطير الإغريقية وبلاد الرافدين , وإن كان نصّ صاحبتنا يتفرد بـ (( تعليل شقاء العاشقين وحجب الدعاء )) برؤية أسطورية حديثة , وأقرب النماذج الإغريقية والرومانية لهذه القصة هي أسطورة إيروس أو (( كيوبيد - إله العشق )) , وقوع إله الحب في الحب , اذ تُرسل الإلهة (( فينوس )) ولدها (( كيوبيد )) ليصيب الفتاة الفانية شديدة الجمال (( سايكي )) بسهمٍ يجعلها تعشق أبشع مخلوق في الأرض عقاباً لها على منافسة جمالها , لكن عندما يراها كيوبيد , يفتتن بجمالها , وبدلاً من تنفيذ المهمة , يُصاب هو نفسه بسهمه , فيقع في حبها ويخفيها عن عيون الآلهة في قصرٍ مجهول , وذلك تماماً كما فعل إله العشق في قصة فوزحمزة , حيث انحرف وسيط الحب عن وظيفته وأصبح هو العاشق والمحتكر.

في الميثولوجيا القديمة كثيراً ما كانت الآلهة الوسيطة أو الموكلة بالخير تقع في الفتنة البشرية , عندما تشتهي الآلهة كائناً فانياً , تعطل الشرائع والمجرى الطبيعي للكون (( كأن تحبس الخصب , أو تحجب الصلوات , أو تعطل استجابة الاستغاثات )) حتى تحصل على مرادها , واحتكار إله العشق في نص فوز لدعاء الفتاة لكي يضمن رؤيتها كل يوم , يشبه أسطورة هاديس (( إله العالم السفلي )) عندما اختطف (( بيرسيفوني )) لشدة عشقه لها , فتوقفت الأرض عن الإنبات وماتت النباتات لأن الدعوات والخصب حُجبا عن البشر طيلة فترة احتجازه لها.

استخدم الشعراء العرب مجازاً مفهوم (( سلطان الحب )) أو (( قاضي الهوى )) وجعلوه حاكماً ظالماً أو أنانياً لا يستجيب لشِكاية العشاق ولا يرفع قضاياهم إلى العدل , تماماً كما فعل (( إله العشق )) في القصة , يقول ابن الفارض - وهو سلطان العاشقين - واصفاً سلطة الحب العاتية التي تجعل حتى التضرع والاستغاثة حِكراً على مشيئة الهوى (( حَديثِيَ القدِيمُ في الهَوَى وهوَ حَادِثِي وَشَرْحِي لَهُ بالدَّمْعِ صَارَ مُعَبِّرِي , وَلَوْلا الهَوَى مَا هُنْتُ يَوْماً لِعَاشِقٍ وَلا حُجِبَتْ عَنِّي السَّمَاءُ بأَعْيُنِي )) , ويقول العباس بن الأحنف واصفاً (( قاضي الهوى )) الذي يحجب العدل عن العشاق كي يستمر عذابهم (( أَتَأْذَنُونَ لِعَبْدٍ في شِكَايَتِكُمْ؟ أمْ لَيْسَ لِلْعَبْدِ عِنْدَ المَالِكِ العَتَبُ؟ يَا قَاضِيَ الحُبِّ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ حَجَبَتْ أَنْتَ الخَصِيمُ وَأَنْتَ الحَاكِمُ الرَّغِبُ )) .

هناك ثيمة خطيرة ومشهورة جداً في الشعر العربي , تُطابق تماماً نقطة التحول في قصة (( فوزحمزة )) , حين تحول الشفيع والوسيط إلى عاشق حجب الرسالة , ففي التراث الشعري العربي , كثيراً ما كان العاشق يرسل رسيلاً (( وسيطاً )) بكلمات حبه ورسائله إلى المحبوبة , فيفتتن الرسول/الوسيط بالمحبوبة ويقع في عشقها , فيخون الرسالة ويحجبها عن صاحبها ليظفر بها لنفسه , كما يقول المتنبي واصفاً خيانة الرسول/الوسيط وتغير حاله لما رأى المحبوبة (( مالنا كلنا جوي يارسول أنا أهوى وقلبك المتبول , كلما عاد من بعثت اليها غار مني وخان فيما يقول )) , او كما قال احدهم (( أَرْسَلْتُهُ لِيَبُثَّ بَعْضَ صَبَابَتِي فَرَأَى الجَمَالَ فَصَارَ لِي خَصْمَا , نَسِيَ الرِّسَالَةَ وَاسْتَبَدَّ بِنَفْسِهِ وَغَدا بِحُبِّكَ يَهْتِمُّ وَيَهْمَا )) .

في الأدب الصوفي (( ابن عربي , الحلاج , والسهروردي )) , ثمة مفهوم يسمى (( الحَجْب بلَذّة الرؤية )) , حيث يُحجب الداعي عن بغيته العظمى لأن الوسائط أو أحوال العشق تأسر العبد في الطريق , فينشغل بالحال (( الرؤية والوجد )) عن الوصول النهائي , فالفتاة في القصة ظلت تصلي وتناجي في المحراب , والإله الصغير (( الوسيط )) أعجبه حسن المناجاة وطهر الدموع , فحجب دعاءها كي تستمر في التضرع والنواح , لأن صوت تضرعها ونواحها أطرب قلبه , وهذا يذكرنا بالحديث العاطفي الفلسفي التراثي (( إن الله إذا أحب عبداً ابتلاه , كي يسمع تضرعه ونداءه )) , لكن القصة حوّلت هذا المفهوم الإيماني السامي ببراعة إلى مفارقة أسطورية أنانية , جعلت من الحب سبباً في شقاء أزلي لكل العاشقين.

ختامًا , يثبت نص (( إله العشق )) للفنانة والكاتبة فوز حمزة , أن النص القصير المكثّف قادرٌ على حمل حمولة ميثولوجية وفلسفية تتجاوز مداه المادي , ليصوغ أسطورة تأسيسية بأسلوب مدرسي رفيع , لتكشف القناع عن الجذور الممتدة لهذه الفكرة في الوجدان الإنساني عبر العصور , حيث يلتقي الشغف الإغريقي بالمجاز العربي والرمز الصوفي في نقطة واحدة , أنّ العشق حين يتملّك الوسيط , يتحول الشفيع إلى خصم , وتغدو اللوعة قدرًا أزليًّا يلاحق العاشقين إلى يومنا هذا.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة دموعٌ لا تبكيها الأغاني : حين يتكلم صمتُ الرجال .
- مقامة الأنف : عندما تُعرّي السريالية غرور البيروقراطية .
- مقامة خلخلة التابوهات : قراءة نقدية في نص رنيم نزار.
- مقامة الأَكْنَام : بين هَنْدَسَةِ اللَّفْظِ وَإِشْرَاقَةِ ال ...
- مقامة مندلي التي أحب .
- مقامة الغباء موهبة : النظرية البونهوفرية في آفة الحماقة والغ ...
- مَقَامَةُ الروُحِ وَأَخْلَاقُ المَسَافَة : صديقي الذي لا يُخ ...
- مقامة الأصطلام في دبلوماسية السهروردي.
- مقامة جذور الحزن العراقي : قلق التاريخ وطقوس الوجع الباقي .
- مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .
- مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس ...
- مقامة باهيزة .
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...
- مقامة الهسهسة .
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...


المزيد.....




- اتحاد الأدباء يحتفي بتجربة الشاعرين اللبنانيين أمل ناصر ويام ...
- وفاة الممثل الأمريكي والتر كونيغ نجم -ستار تريك- عن عمر ناهز ...
- رحيل مخرج أفلام الاستغلال توم ديسيمون عن 87 عاماً
- بعد ختام دورته الثالثة.. كيف اختبر معرض طرابلس للكتاب قدرة ا ...
- مكتب الثقافة في عدن يطلق مبادرة لتعزيز التضامن المجتمعي ومسا ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين مسؤولية أخ ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين -الحد الأد ...
- أزمة صحية تداهم أحمد سعد وتهدد موعد طرح ألبومه الجديد
- أصول بمليارات الدولارات.. نزاعات الملكية الفكرية تعيد رسم خر ...
- الشعبة القانونية بمحور تعز: تقرير يكشف التمثيل بجثامين شهداء ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة خيانة الوسيط : احتجاب الدعاء وأنانية العشق , قراءة في الأسطورة التفسيرية عند فوز حمزة .