أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة نبيذ لوعة الأنتظار .














المزيد.....

مقامة نبيذ لوعة الأنتظار .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 14:58
المحور: الادب والفن
    


يمثل النص المقتبس للكاتبة أو الشاعرة (( لولا رينولدز - Lola Reynolds )) لوحة شعرية عميقة ومحمّلة بطاقة عاطفية عالية , وتمتزج فيه مشاعر الفقد , والحنين , والصراع النفسي بأسلوب رمزي آسر , تتجلى فيه ثنائية الرفض والتعلق (( القرار وعكسه )) عندما يبدأ بحسم ظاهري : (( لن أعطي النبيذ فرصة أخرى , وسأصدّق أننا افترقنا )) وهو إعلان رغبة في النسيان والقطع , لكن سرعان ما ينهار هذا السد الدفاعي أمام الذاكرة والجسد : (( لكن دفء الفراغ بين أناملي يمنعني )) , هنا يتحول (( الفراغ )) إلى حضور طاغٍ لغياب الحبيب , ويصبح النبيذ طقساً لاستدعائه.

عندما نتابع رمزية (( النبيذ )) والكأس , نجد انه في النص ليس مجرد مشروب , بل هو وسيط روحي وزمني بينها وبين من تحب , وتحريك الدم الأحمر في الكأس يتماهي مع استحضار الدم والحياة في جسد الحبيب الغائب (( أمرّر الكأس على شفتي , وأقول : مرّةً بعد… لربّما )) , الكأس هنا يصبح مرآة تعكس لوعة الانتظار وحيرة الأمل الضعيف , وتظهرصورة الغياب القاسي حين تقول في وصف الحبيب : (( وأنت نقطة دم ميتة بين وريدك وجلدك )) , وهذه استعارة قوية جداً وموجعة , فهي تعبر عن حبيب قريب كالقرب الجسدي , لكنه متجمد , بارد , ومنعزل عن العالم - كنقطة دم محبوسة وميتة لا تدور ولا تشعر - مما يجعل التواصل معه أمراً شبه مستحيل.

ثم عقدة اللائحة والاختلاف : (( نصير ما نحبّ يقولون , وأنا أحبّك جداً لكنني لا أفهم لغتك )) , تعكس هذه العبارة أزمة التواصل العميق في العلاقات , الحب موجود بل متأصل , لكن اختلاف (( اللغة )) أو طريقة التعبير والتفكير يخلق جداراً منيعاً , وفي الصراع الأخير (( المبارزة مع العتمة )) , ينتهي النص بصورة درامية هادئة ومرعبة في آن واحد : (( النبيذ , مع قلم وورقة يسجّل مَن منّا سيهزم الآخر )) , الكاتبة لا تحارب الحبيب شخصياً , بل تحارب عتمة الليل وغيابه , وتجعل من طقس الكتابة والشرب معركة يومية صامتة لمعرفة من سينتصر في النهاية , هل هي قدرتها على النسيان , أم استسلامها الأبدي لذكراه؟.

لقد نجحت الكاتبة ببراعة في بيان العمق النفسي والتصوير الحسي , وتحويل المشاعر المجردة (( كالاشتياق والحنين المفرط )) إلى عناصر حسية ملموسة - دفء الفراغ , نقطة الدم الميتة , تحريك الدوائر بالإصبع , وعتمة الليل التي تشاركها المراقبة - بما يمنح النص بُعداً سينمائياً وتصويرياً فريداً , واستخدام لغة البوح العفوي المتقن , عندما تتسم لغة النص بالسهولة الممتنعة , فهي تبدو كأنها مونولوج داخلي أو اعتراف عفوي صادر مباشرة من القلب دون تكلف , لكنها مبنية على إيقاع داخلي دقيق يشد انتباه القارئ من السطر الأول حتى الخاتمة.

طغيان الشجن والأنثوية الجريحة , عندما يعبر النص بصدق عن حالة (( التعلق المستحيل )) , حيث تعرف المرأة عقم العلاقة واستحالة العودة , ومع ذلك تقف عاجزة أمام جاذبية الذكرى , مما يضفي مسحة إنسانية شجية تؤثر في كل من مر بتجربة فراغ عاطفي مماثلة , ان هذا النص ليس مجرد كلمات تُقرأ , بل هو نزيف صامت لمشاعر الفقد والتعلق , أبدعت الشاعرة في التقاط تلك اللحظة الحرجة التي يقف فيها الإنسان بين عزم العقل على الرحيل , وعجز القلب عن الفطام , وأكثر ما يُلفت النظر هو قدرة النص على إلباس الشوق أشكالاً مادية , فالفراغ له دفء , والغائب حاضر كقطرة دم تحت الجلد , والليل خصم يراقب ويكتب , إنه نص يمسّ النخاع لأن كل من ذاق طعم الفراق سيعرف تماماً معنى أن تجلس في العتمة لتسجّل (( مَن منكُما سيهزم الآخر )) .

صباح الزهيري .


تقول ((Lola Reynolds )) :

لن أعطي النبيذ فرصة أخرى،
وسأصدّق أننا افترقنا.
أريد ألّا أعطي النبيذ فرصة أخرى
لكن
دفء الفراغ بين أناملي يمنعني
وقلبي الثابت في مكانه
يمنعني.
هل تعلم كفّك النبيذ؟
كيف ستجيب في هذا الليل، وأنت
نقطة دم ميتة بين وريدك وجلدك
أمرّر الكأس على شفتي
أحرّك الدم الأحمر فيه
وأقول:
مرّةً بعد… لربّما…
نصير ما نحبّ يقولون،
وأنا أحبّك جداً
لكنني لا أفهم لغتك.
حرّكني،
مدّ إصبعك وارسم
دوائر
دوائر…
فكيف لامرأة تحمل بشرتي
ألّا تتحرّك في قعر كأسك؟
في أوّل هذا الليل
أحدّق في العتمة وتحدّق بي
النبيذ،
مع قلم وورقة
يسجّل
مَن منّا سيهزم الآخر
---------------------------------------------------------------------------






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة خيانة الوسيط : احتجاب الدعاء وأنانية العشق , قراءة في ...
- مقامة دموعٌ لا تبكيها الأغاني : حين يتكلم صمتُ الرجال .
- مقامة الأنف : عندما تُعرّي السريالية غرور البيروقراطية .
- مقامة خلخلة التابوهات : قراءة نقدية في نص رنيم نزار.
- مقامة الأَكْنَام : بين هَنْدَسَةِ اللَّفْظِ وَإِشْرَاقَةِ ال ...
- مقامة مندلي التي أحب .
- مقامة الغباء موهبة : النظرية البونهوفرية في آفة الحماقة والغ ...
- مَقَامَةُ الروُحِ وَأَخْلَاقُ المَسَافَة : صديقي الذي لا يُخ ...
- مقامة الأصطلام في دبلوماسية السهروردي.
- مقامة جذور الحزن العراقي : قلق التاريخ وطقوس الوجع الباقي .
- مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .
- مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس ...
- مقامة باهيزة .
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...
- مقامة الهسهسة .
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .


المزيد.....




- احتفاء واسع في الأوساط الفنية الأمريكية بفوز عبد الرحمن السي ...
- الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي ...
- أصالة نصري تكشف تفاصيل سرقة مجوهراتها خلال جولتها الأميركية ...
- أنغام تثير الجدل بسبب رائحة التدخين على المسرح
- مهرجان القاهرة السينمائي يفتتح دورته الـ47 احتفاءً بيوبيله ا ...
- من ريف تهامة إلى جائزة الإيسيسكو.. شاعر يمني يعتلي -مدن القص ...
- شكران مرتجى توضح حقيقة انتقالها إلى لبنان
- 10 دور نشر فرنسية تؤسس -جمعية الناشرين ضد نهب الذكاء الاصطنا ...
- أسرة سورية في فيلم بريطاني يوثق عشر سنوات من الحياة والمنفى ...
- كيانو ريفز يعود إلى -جون ويك- في فيلم رسوم متحركة عن -المهمة ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة نبيذ لوعة الأنتظار .