أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة بصلة دوستويفسكي : عن الرحمة التي تفككها الأنانية .














المزيد.....

مقامة بصلة دوستويفسكي : عن الرحمة التي تفككها الأنانية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 18:34
المحور: الادب والفن
    


في مكتبه الضيق الذي يلفه برد بطرسبرغ , وأمام طاولة خشبية تشهد على مخاض فكري عسير , لم يكن فيودور دوستويفسكي مشغولاً بحبك حبكات روائية مشوقة بقدر شغفه بتفكيك (( المعضلة الروحية للإنسان )) , كان ينظر إلى فعل الخير لا كواجب أخلاقي سطحي أو عادة اجتماعية مريحة , بل كساحة صراع دائم بين التطهير الداخلي والسقوط في الأنانية , وفي أواخر حياته , تجلت هذه الفلسفة في أبهى صورها داخل شاهقته الأدبية (( الإخوة كارامازوف )) , ومن خلال قصة شعبية قصيرة جرت على لسان إحدى أكثر الشخصيات تعقيداً : غروشينكا.

تأتي قصة (( البصلة )) في كتاب الرواية السابع بعنوان (( أليوشا )) , تروي غروشينكا - المرأة التي يُنظر إليها في البلدة كرمز للغواية والطمع - هذه الحكاية للراهب الشاب أليوشا كارامازوف في لحظة انكسار روحي ونفسي فارقة , كانت غروشينكا تشعر بأنها غارقة في الآثام , وتنتظر أن تُدان من هذا الراهب النقي , لكن عندما أظهر أليوشا نحوها عطفاً صادقاً ورحمة غير مشروطة , اهتزت من الأعماق وتذكرت القصة التي كانت جدتها ترويها لها:

تجسد قصة البصلة (حكاية الخلاص المهدور) رمزية الرؤية الدوستويفسكية في أبهى صورها : يُحكى أنه كانت هناك امرأة شديدة البخل والقسوة , عاشت حياتها كلها ذاتيةً لا تُعرف لها أعمال خير يُذكر, وبعد موتها , وجدت نفسها تكتوي في العذاب , تذكّر ملاكها الحارس فعلًا صالحًا يتيمًا في حياتها , لقد أعطت متسولة فقيرة - بصلة صغيرة - من حديقة منزلها بدلاً من أن تطردها , فقال الملاك : (( لنجرب أن نخلّصها بهذه البصلة )) , مدّ البصلة إليها وهي في القاع , وطلب منها أن تمسك بها , وما إن أمسكت بها حتى بدأ الملاك يرفعها نحو السماء , فلما رأى الآخرون ذلك , تعلقوا بثوبها لينجوا معها , لكن المرأة صرخت غاضبة وحاقدة : (( اتركوني , هذه بصلتي أنا , وليست لكم )) , وفي اللحظة ذاتها التي نطقت فيها بهذه الكلمات , انقطعت البصلة , وسقطت مجددًا في العذاب .

وفي البحث عن العبرة والرمزية الفلسفية للنص نجد ان روعة الحكاية تكمن في أنها تُكثّف فلسفة الرحمة والأنانية في مشهد خاطف , فالعبرة ليست في أن البصلة كانت أضعف من أن تحمل الجميع , بل في أن الأنانية هي التي قطعتها , الخير الصغير (( البصلة )) كان يمتلك طاقة إنقاذ لا نهائية ما دام يدعو للإيثار , لكنه حين تحول إلى أداة لاحتكار النجاة وتمجيد الذات , فقد معناه الروحي وانكسر, وان رموز القصة كالبصلة الصغيرة , ترمز إلى (( النواة الصالحة )) الضئيلة المتبقية في أعماق أعتى النفوس قسوة , وعملية الرفع , تمثل الرحمة الإلهية التي لا تتعامل بحسابات الكم بل بأثر النية ونقائها , ويجسد تشبث الآخرين وحدة المصير الإنساني , فالنجاة والخير فعل جماعي وتشاركي , اما انقطاع البصلة فيمثل السقوط الحتمي للأناني الذي يعجز عن النجاة حتى لو أُعطي طوق النجاة , لأن طبيعته التدميرية ترفض الآخرين.

تستمد هذه القصة جذورها من أفكار دوستويفسكي الرئيسية التي بثها في أعماله , كالخير غير المشروط بالاستحقاق , اذ يرى دوستويفسكي أن الرحمة تُمنح لتطهير نفس المعطي قبل المتلقي , وفي رواية الجريمة والعقاب , يبرز السؤال الراسكولنيكوفي الشهير: (( ما الذي يدفعك لفعل الخير لأناس يستحقون البصقة؟ )) والجواب , لأن فعل الخير يفقد جوهره إذا كان مشروطًا بالاستحقاق , فالإنسان لا يُطهر نفسه بالاحتقار , بل بالرحمة حتى لو مُنحت لمن يثير الغثيان , وهناك الصراع بين الخير والشر في النفس , فأعمال الخير لدى دوستويفسكي ليست نقية دائمًا , بل تتقاطع مع الشعور بالذنب والرغبة في التكفير عن الخطايا وصراع الضمير , ثم الثبات على العطاء , عندما يتلخص موقفه الأخلاقي في مقولته الشهيرة : (( لا تتوقف عن فعل الخير حتى لو قوبلت بالإساءة , فإن من أعطى الزهور تبقى في يديه رائحة الطيب )) .

تفتح لنا (( قصة البصلة )) باب أملٍ عريض , فالله لا يهمل أبسط أعمال الخير , ولو كانت مجرد بصلة صغيرة , لكنها في الوقت نفسه تُحذرنا من أن أسرع طريقة لإهلاك العمل الصالح هي الأنانية التي تفسده , فقد ينقذ الإنسانَ عملٌ صغيرٌ من الرحمة , لكن احتكار هذه الرحمة والتعالي بها يقطع طوق النجاة , ويعيد النفس إلى جحيمها الخاص , وتُختصر القصة في تلك المقولة الخالدة التي يُرددها نقاد دوستويفسكي (( قد ينقذ الإنسانَ عملٌ صغيرٌ من الرحمة , لكن لا شيء يهلكه أسرع من الأنانية التي تفسد تلك الرحمة )) , وتذكرنا بأن الخلاص الروحي والإنساني ليس حصناً نغلقه على أنفسنا , بل هو جسر نمدّه للآخرين , وحين نرفض أن يتشبث بنا الآخرون , نسقط جميعاً في الجحيم ذاته.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة كيمياء الوحل والوطن : مختبر السقوط الوطني بعد 2003 .
- مقامة وهج السنابل في ريح العراقيل : مكائد الصغار وعطاء الكبا ...
- مقامة آلاء وترند الموالاة : حين تختلط العقيدة بالتبعية وتضيع ...
- مقامة عنترة في حضرة الدرويش : تراتيل النصل المباح.
- مقامة الشغف .
- مقامة نبيذ لوعة الأنتظار .
- مقامة خيانة الوسيط : احتجاب الدعاء وأنانية العشق , قراءة في ...
- مقامة دموعٌ لا تبكيها الأغاني : حين يتكلم صمتُ الرجال .
- مقامة الأنف : عندما تُعرّي السريالية غرور البيروقراطية .
- مقامة خلخلة التابوهات : قراءة نقدية في نص رنيم نزار.
- مقامة الأَكْنَام : بين هَنْدَسَةِ اللَّفْظِ وَإِشْرَاقَةِ ال ...
- مقامة مندلي التي أحب .
- مقامة الغباء موهبة : النظرية البونهوفرية في آفة الحماقة والغ ...
- مَقَامَةُ الروُحِ وَأَخْلَاقُ المَسَافَة : صديقي الذي لا يُخ ...
- مقامة الأصطلام في دبلوماسية السهروردي.
- مقامة جذور الحزن العراقي : قلق التاريخ وطقوس الوجع الباقي .
- مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .
- مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس ...
- مقامة باهيزة .
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...


المزيد.....




- في الـ81 من عمره.. زواج الفنان المصري قيس عبد الفتاح للمرة ا ...
- ترامب يطلب من رئيس -يو إف سي- للفنون القتالية تولي منصب المت ...
- -واحدة من مليون-.. فيلم يوثق 10 أعوام من رحلة لاجئة سورية
- مهرجان سينمائي يمنح المصابين بأمراض نادرة حق رواية قصصهم
- السوبرانو المغربية سميرة قادري، من الغناء الأوبرالي إلى البح ...
- -سبيل الحوريات-.. حمّام الأميرات الذي يروي حكاية عمّان قبل أ ...
- موسيقى السيرك في المدرجات.. جماهير فالنسيان الفرنسي تحتج بسخ ...
- موسيقى السيرك.. جماهير نادٍ فرنسي تحتج بأسلوب ساخر على أداء ...
- 25 عاماً على أفلام هاري بوتر في السينما: إنتاج جديد كمسلسل ه ...
- قاعات أمريكية كبرى ترفض استضافة جولة الفنان ماكلمور الداعمة ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة بصلة دوستويفسكي : عن الرحمة التي تفككها الأنانية .