أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد نجيب وهيبي - أوروبا في زمن التحولات الكبرى ​من أزمة الرأسمالية الأوروبية إلى إعادة تشكيل النظام العالمي















المزيد.....



أوروبا في زمن التحولات الكبرى ​من أزمة الرأسمالية الأوروبية إلى إعادة تشكيل النظام العالمي


محمد نجيب وهيبي
(Ouhibi Med Najib)


الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 18:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



​ملاحظة منهجية
​هذه الدراسة ليست رصداً صحفياً للأحداث الأوروبية، ولا تجميعاً لمؤشرات النمو والبطالة والدين العام. إنها محاولة لقراءة التحولات الأوروبية من داخل التناقضات التي تنتجها الرأسمالية نفسها، ومن خلال العلاقة الجدلية بين الاقتصاد والسياسة والاجتماع والجغرافيا السياسية.
​لا يمكن فهم أزمة أوروبا بالوقوف عند حدود تراجع نسب النمو أو ارتفاع الدين العام، لأن هذه المؤشرات لا تفسر وحدها طبيعة الأزمة ولا تكشف من يتحمل كلفتها. ينبغي أن نطرح أسئلة أخرى: من يملك الثروة؟ من يقرر وجهة الاستثمار؟ من يستحوذ على فائض القيمة؟ كيف أعيد توزيع المخاطر بين رأس المال والعمل؟ وما الوظيفة التي تؤديها الدولة حين تتعارض مصالح المجتمع مع شروط التراكم الرأسمالي؟
​وسنميّز في هذا العمل بين الوقائع الإحصائية والتقديرات والتحليل السياسي. فالأرقام الخاصة بالربع الثالث من سنة 2026، مثلاً، هي تقديرات أولية قابلة للمراجعة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها معطيات نهائية. وقد أظهرت بيانات يوروستات الصادرة في 30 أكتوبر 2026 نمواً فصلياً أولياً بنسبة 0.4% في منطقة اليورو و0.5% في الاتحاد الأوروبي، مع انكماش الاقتصاد الفرنسي بنسبة 0.1% خلال الفترة نفسها، مقابل نمو ألمانيا بنسبة 0.2% وإسبانيا بنسبة 0.6%، فيما بقي الاقتصاد الإيطالي دون نمو فصلي يُذكر. وهذه الفوارق ليست تفصيلاً إحصائياً؛ إنها مدخل لفهم التفاوتات داخل المجال الأوروبي نفسه.
​المقالة التأسيسية
​أوروبا في مأزق إعادة إنتاج نظامها
​من أزمة التسوية الاجتماعية إلى صراع إعادة تشكيل النظام العالمي
​ثمة شيء يتغير في أوروبا، وليس الأمر مجرد تعاقب حكومات أو تراجع أحزاب وصعود أخرى، ولا يتعلق فقط بتباطؤ النمو أو عجز الموازنات أو اتساع المديونية. ما يجري أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام أزمة في قدرة النظام الرأسمالي الأوروبي على إعادة إنتاج شروط استقراره الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وأمام تصدع متزايد في التسوية التاريخية التي قامت عليها أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية.
​لقد تأسس النموذج الأوروبي الحديث على معادلة تاريخية محددة: رأسمالية صناعية قوية، ودولة اجتماعية واسعة الوظائف، وحركة عمالية منظمة، ونقابات وأحزاب جماهيرية، وتوازن دولي فرضته الحرب الباردة. لم تكن دولة الرعاية الاجتماعية هبة من الرأسمالية، ولم تكن الحماية الاجتماعية نتيجة تلقائية لتطور الاقتصاد أو ارتفاع الإنتاجية. لقد كانت حصيلة صراع طبقي طويل، فرضت خلاله الطبقات العاملة، عبر التنظيم والإضراب والتمثيل السياسي، تنازلات على رأس المال، كما ساهم وجود الاتحاد السوفياتي وصعود الحركات التحررية في توسيع هامش تلك التسوية.
​لكن ميزان القوى بدأ يتغير منذ سبعينيات القرن الماضي. دخلت الرأسمالية مرحلة جديدة من إعادة هيكلة الإنتاج، وتحرير حركة رأس المال، وتوسيع الأسواق المالية، ونقل أجزاء واسعة من النشاط الصناعي إلى مناطق أقل كلفة، وتفكيك الضوابط التي كانت تحد من سلطة السوق. لم تختف الدولة، كما توحي بعض الأدبيات النيوليبرالية، بل أعادت تعريف وظائفها. انسحبت من بعض مسؤولياتها الاجتماعية، لكنها بقيت حاضرة بقوة لحماية الملكية الخاصة، وضمان شروط التراكم، وإنقاذ المؤسسات المالية، وفرض الانضباط على قوة العمل.
​وهنا ينبغي أن نتوقف. فالأزمة الأوروبية ليست أزمة نقص في الثروة، بل أزمة في طريقة إنتاجها وامتلاكها وتوزيعها. أوروبا ما زالت فضاءً اقتصادياً ضخماً، وتمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية ومالية متقدمة، لكنها تعيش تناقضاً متزايداً بين القدرة الإنتاجية للمجتمع وبين الشروط الاجتماعية التي يفرضها النظام على أغلبية السكان. تتوسع الثروة في قطاعات محددة، بينما تتعرض الأجور والخدمات العمومية والسكن والحماية الاجتماعية لضغوط متواصلة.
​إن ارتفاع المديونية العامة لا يمكن قراءته باعتباره نتيجة إسراف اجتماعي مجرد. فالدين العام علاقة قوة بين الدولة والأسواق المالية، وبين دافعي الضرائب وأصحاب الأصول، وبين المجتمع والجهات التي تمول العجز وتحدد شروطه. وفي نهاية 2025 بلغ الدين العام 87.7% من الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو و81.5% في الاتحاد الأوروبي، وفق بيانات يوروستات. وفي الربع الثاني من 2026 ارتفعت النسبة إلى 88.8% في منطقة اليورو و82.9% في الاتحاد الأوروبي. لكن الأهم من الرقم هو السؤال المتعلق بمن يستفيد من بنية الدين، ومن يتحمل كلفة خدمته، وكيف يتحول العجز المالي إلى ذريعة لإعادة ترتيب الأولويات الاجتماعية .
​وفي فرنسا، تتخذ الأزمة شكلاً أكثر حدة بفعل التقاء المديونية المرتفعة بالانسداد السياسي والتوتر الاجتماعي. أما ألمانيا فتواجه مأزقاً صناعياً واستراتيجياً مرتبطاً بالطاقة والمنافسة العالمية والتحول التكنولوجي. وفي إيطاليا تتداخل هشاشة النمو مع التفاوتات الإقليمية والديون والاختلالات البنيوية. بينما تبدو إسبانيا أكثر قدرة على تحقيق نمو نسبي، لكن ذلك لا يلغي التفاوتات الاجتماعية ومشكلات السكن والعمل والأجور.
​لا ينبغي إذن أن نتحدث عن أوروبا كما لو كانت وحدة اقتصادية واجتماعية متجانسة. فالأزمة واحدة في جذورها العامة، لكنها متعددة في تجلياتها الوطنية. كما أن صعود اليمين القومي ليس حادثاً انتخابياً عابراً، بل تعبير عن فراغ سياسي واجتماعي، وعن تآكل قدرة الأحزاب التقليدية على تمثيل مصالح قطاعات واسعة من المجتمع. غير أن هذا اليمين، رغم خطابه الاحتجاجي، لا يقدم بالضرورة قطيعة مع علاقات الملكية والتراكم التي تنتج الأزمة. إنه يستطيع أن يوظف الغضب الاجتماعي، وأن يعيد توجيهه نحو المهاجرين أو الأقليات أو المؤسسات الأوروبية، من دون أن يمس بالضرورة البنية الاقتصادية التي تنتج التفاوت.
​وفي المقابل، لا يمكن لليسار أن يستعيد المبادرة بمجرد الدفاع عن دولة الرعاية كما كانت، أو الاكتفاء باستعادة خطاب اجتماعي فقد شروطه التنظيمية والسياسية. المسألة تتطلب إعادة تركيب المصالح الاجتماعية المتضررة من التحول النيوليبرالي، وبناء كتلة تاريخية قادرة على الربط بين الأجراء والعمال والفئات الشعبية والموظفين وصغار المنتجين والشباب، حول برنامج يتجاوز رد الفعل إلى المبادرة.
​ثم إن أوروبا لا تتحرك داخل فراغ دولي. لقد أصبحت التنافسات بين الولايات المتحدة والصين وروسيا عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل خياراتها الصناعية والعسكرية والطاقية. فالتبعية الأطلسية، التي شكلت لعقود ضمانة أمنية وسياسية للنخب الأوروبية، أصبحت في الوقت نفسه قيداً على استقلال القرار الاستراتيجي. والحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، والصراع على الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل التوريد، كلها تكشف حدود المشروع الأوروبي حين يتعلق الأمر بالسيادة الفعلية.
​أما المغرب الكبير، فلا يمكنه أن يبقى خارج هذه التحولات. فكل إعادة ترتيب للاقتصاد الأوروبي تنعكس على الطاقة والهجرة والتجارة والاستثمار والديون والأمن. وتونس والجزائر والمغرب ليست مجرد هوامش جغرافية لهذه التحولات، بل مواقع داخل شبكة من علاقات التبادل غير المتكافئ والاستلحاق البنيوي. ومن هنا يصبح السؤال عن مستقبل أوروبا مرتبطاً أيضاً بالسؤال عن شروط استقلال القرار الاقتصادي والسياسي في الضفة الجنوبية للمتوسط.
​إن المسألة لا تتعلق فقط بأوروبا التي تتغير، بل بالعالم الذي يعيد تشكيل موازين قواه. ولا يتعلق الأمر بمجرد انتقال من نموذج اقتصادي إلى آخر، بل بصراع على من يملك القدرة على فرض قواعد المرحلة المقبلة.
​المقدمة العامة
​العالم الذي يتغير... والطبقات التي تدفع ثمن إعادة تشكيله
​لا يمكن قراءة ما يجري في أوروبا باعتباره أزمة داخلية معزولة، ولا يمكن فهم التحولات التي تعرفها فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا من خلال نتائج الانتخابات أو تغير الحكومات وحدها. نحن أمام مرحلة انتقالية تتراجع فيها أسس النظام الاقتصادي والسياسي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، وتتقدم فيها تناقضات ظلت لعقود محكومة بتوازنات داخلية ودولية لم تعد قائمة بالشكل نفسه.
​لقد قامت أوروبا الحديثة على تسوية اجتماعية ربطت بين نمو الإنتاج الصناعي وتوسع دولة الرعاية، وبين تراكم رأس المال وتحسين شروط إعادة إنتاج قوة العمل. غير أن هذه التسوية لم تكن تعبيراً عن توافق أبدي بين العمل ورأس المال. كانت نتيجة ميزان قوى تاريخي، وارتبط استمرارها بوجود حركة عمالية قوية، وتنظيم نقابي واسع، وأحزاب ذات امتداد اجتماعي، وبنموذج إنتاجي قادر على تمويل جزء من التنازلات الاجتماعية.
​ومع التحول النيوليبرالي، بدأ تفكيك هذه المعادلة. لم تعد الأرباح مرتبطة فقط بتوسيع الإنتاج الصناعي، بل توسعت آليات التراكم المالي والعقاري والرقمي، وأصبحت الملكية الفكرية والبيانات والمنصات وسلاسل القيمة العالمية أدوات مركزية للسيطرة الاقتصادية. وتغيرت بنية الطبقة العاملة نفسها، لا بمعنى اختفائها، بل بفعل تفتت مواقع العمل، وتوسع المناولة والعمل المؤقت والعمل المنصاتي، وتراجع مراكز التجمع الصناعي التي كانت تمنح الحركة النقابية قوتها التاريخية.
​وفي الوقت نفسه، أعادت الدولة ترتيب وظائفها. فهي تتدخل لإنقاذ المؤسسات الكبرى، وتدعم الصناعات الاستراتيجية، وتمول التحولات العسكرية والتكنولوجية، لكنها حين يتعلق الأمر بالحقوق الاجتماعية تصبح أكثر ميلاً إلى الحديث عن الضرورات المالية والانضباط والمنافسة. هنا تظهر الطبيعة الطبقية للسياسات العامة: ليست الدولة جهازاً محايداً يقف فوق المجتمع، بل مجالاً للصراع ومؤسسة تتحدد خياراتها وفق موازين القوى والائتلافات الاقتصادية والسياسية المهيمنة.
​إن هذه الدراسة تنطلق من فرضية أساسية: أزمة أوروبا ليست مجرد أزمة نمو، بل أزمة نموذج للتراكم وإعادة الإنتاج الاجتماعي والتمثيل السياسي. ومن هذه الفرضية سنعالج خمسة مستويات مترابطة:
​تفكيك التسوية الاجتماعية التاريخية والتحول النيوليبرالي.
​تحليل أزمة التمثيل السياسي وصعود اليمين القومي وتراجع اليسار.
​فهم موقع أوروبا في الصراع العالمي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
​دراسة انعكاسات التحولات الأوروبية على المغرب الكبير، وخاصة تونس والجزائر والمغرب.
​البحث في شروط إعادة بناء اليسار والذات السياسية والبرنامج البديل.
​ولا ندعي أن هذه المحاولة تقدم وصفة جاهزة أو تتنبأ بمسار حتمي. فالتحليل المادي لا يعني استبدال الوقائع بشعارات مسبقة، ولا تحويل المفاهيم إلى قوالب جامدة. إنه يعني وضع الوقائع داخل علاقاتها، وفهم الحركة والتناقض، وتحديد المصالح والقوى والاحتمالات.
​والسؤال الذي سيظل يرافق فصول هذه الدراسة هو: هل تستطيع المجتمعات الأوروبية أن تنتج تسوية اجتماعية جديدة تتجاوز حدود النموذج النيوليبرالي، أم أن الأزمة ستُستثمر في إعادة تشكيل الهيمنة عبر القومية المحافظة والعسكرة والانضباط المالي؟
​والسؤال المقابل الذي يهمنا في الضفة الجنوبية: هل ستظل بلدان المغرب الكبير مواقع لتلقي نتائج التحولات الأوروبية، أم تستطيع بناء مشروع سيادي وتنموي يخرجها من الاستلحاق البنيوي؟
​الفصل الأول
​أوروبا التي صنعت تسويتها الاجتماعية... وأوروبا التي تستهلك شروطها التاريخية
​التسوية الاجتماعية لم تكن هبة من الرأسمالية
​لا يمكن فهم الأزمة الأوروبية الراهنة دون العودة إلى اللحظة التاريخية التي تأسس فيها النموذج الاجتماعي الذي جعل من أوروبا الغربية، طوال عقود، أحد أبرز مراكز الرأسمالية الصناعية والمالية في العالم.
​لم تكن دولة الرعاية الاجتماعية نتاج تطور طبيعي للرأسمالية، ولا تعبيراً عن انتقال البرجوازية الأوروبية من منطق الربح إلى منطق العدالة الاجتماعية. لقد كانت، في جوهرها، نتيجة ميزان قوى تاريخي فرضته الحرب العالمية الثانية، وصعود الحركة العمالية، واتساع التنظيمات النقابية والسياسية، والانتصار الذي حققته الشعوب على الفاشية، إلى جانب وجود الاتحاد السوفياتي وما مثله آنذاك من عامل ضغط في معادلة الصراع الدولي.
​لقد وجدت البرجوازية الأوروبية نفسها أمام ضرورة تاريخية: إعادة بناء اقتصادات مدمرة، وإعادة إنتاج قوة العمل، واحتواء الصراع الطبقي، ومنع اتساع النفوذ السياسي للحركة الشيوعية والاشتراكية. وكان عليها أن تقبل بتوسيع الأجور غير المباشرة، والخدمات العمومية، والتغطية الصحية، والتعليم، والتقاعد، والحماية الاجتماعية، مقابل الحفاظ على جوهر الملكية الرأسمالية واستمرار سلطة القرار الاقتصادي.
​كانت تلك تسوية تاريخية، لا مصالحة نهائية بين العمل ورأس المال.
​فالعامل الذي حصل على حقه في العلاج والتعليم والتقاعد لم يصبح شريكاً في ملكية المصنع أو المؤسسة المالية. والطبقة العاملة التي انتزعت تحسينات مهمة في شروط عيشها لم تنتزع بالضرورة سلطة القرار في تحديد وجهة الاستثمار أو توزيع فائض القيمة. لقد تحسنت شروط إعادة إنتاج قوة العمل، لكن علاقات الإنتاج الرأسمالية ظلت قائمة، وظلت الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج هي المحدد الأساسي لتوجيه الثروة.
​وهنا يكمن التناقض المؤسس للنموذج الأوروبي: توسيع الحقوق الاجتماعية من جهة، واستمرار السيطرة الرأسمالية على القرار الاقتصادي من جهة أخرى.
​من الرأسمالية الصناعية إلى هيمنة رأس المال المالي
​لم تكن التحولات التي عرفتها أوروبا منذ سبعينيات القرن الماضي مجرد تعديلات تقنية في إدارة الاقتصاد. لقد مثلت انتقالاً تدريجياً في بنية التراكم الرأسمالي، وفي علاقة الدولة برأس المال والعمل.
​مع تراجع معدلات الربحية في قطاعات من الصناعة، وتزايد المنافسة الدولية، وتوسع حركة الرساميل، بدأت تتقدم سياسات تحرير الأسواق والخصخصة وتقليص الإنفاق الاجتماعي وإضعاف التنظيمات النقابية. ولم يكن ذلك خروجاً للدولة من الاقتصاد كما روج الخطاب النيوليبرالي، بل إعادة توظيف لها في خدمة شروط جديدة لتراكم رأس المال.
​فالدولة التي قيل إنها تنسحب من السوق ظلت حاضرة بقوة في إنقاذ المؤسسات المالية، وإعادة هندسة التشريعات، وتوفير البنية التحتية، وضبط سوق العمل، وتحميل المجتمع كلفة الأزمات.
​لم تختف الدولة الطبقية، بل تغيرت وظائفها وأدوات تدخلها.
​لقد انتقلت قطاعات واسعة من الاقتصاد الأوروبي إلى مرحلة يتزايد فيها التركّز والتمركز، وتتعاظم فيها سلطة الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية وصناديق الاستثمار الكبرى. ولم تعد المنافسة تعني بالضرورة تعدد المنتجين وتكافؤ الفرص؛ إذ باتت السيطرة على التكنولوجيا والتمويل وسلاسل الإمداد والبيانات والملكية الفكرية عوامل حاسمة في إعادة توزيع القوة الاقتصادية.
​والنتيجة أن قطاعات من الإنتاج انتقلت إلى مناطق أخرى، بينما احتفظت المراكز الأوروبية بجزء كبير من وظائف التمويل والتصميم والتكنولوجيا والتسويق والتحكم في شبكات القيمة العالمية. لكن هذا التحول لم يكن بلا ثمن: تآكلت قواعد صناعية محلية، وتراجعت بعض مواقع العمالة المنظمة، واتسعت هشاشة قطاعات من سوق العمل، وأصبحت مجتمعات بأكملها أكثر تعرضاً لتقلبات سلاسل الإنتاج والطاقة والأسواق العالمية.
​لم تعد المسألة مجرد انتقال مصانع من بلد إلى آخر. إنها إعادة تشكيل لعلاقة رأس المال بالمجال الجغرافي وبالعمل، بما يسمح بتوسيع هامش الربح عبر المقارنة بين الأجور وشروط الإنتاج والضرائب والامتيازات.
​حين تتحول الأزمة إلى آلية لإعادة توزيع الخسائر
​أظهرت الأزمات المالية والطاقية والاقتصادية المتعاقبة أن النموذج الأوروبي لم يعد قادراً على ضمان التوازن القديم بين متطلبات التراكم الرأسمالي والحقوق الاجتماعية بالكيفية نفسها.
​في كل مرة تتعرض فيها المنظومة لهزة، يطرح السؤال حول كلفة الإنقاذ: من يتحملها؟ ومن تُحمى مصالحه أولاً؟
​لقد كشفت الأزمة المالية لسنة 2008 أن المؤسسات التي استفادت من التوسع الائتماني والمضاربات المالية تستطيع، عند الانهيار، أن تستدعي الدولة لإنقاذها. أما الأجراء والمتقاعدون والعاطلون عن العمل، فيجدون أنفسهم أمام التقشف وتجميد الأجور وتراجع الخدمات وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية.
​ثم جاءت جائحة كورونا لتكشف هشاشة سلاسل الإنتاج والاعتماد المفرط على الخارج في بعض القطاعات الاستراتيجية، قبل أن تعيد الحرب في أوكرانيا وأزمات الطاقة طرح مسألة الأمن الاقتصادي والسيادة الصناعية. ولم تكن تلك الأزمات متطابقة في أسبابها أو نتائجها، لكنها التقت عند نقطة واحدة: أن المجتمعات الأوروبية أصبحت أكثر انكشافاً على صدمات لا تتحكم وحدها في شروط إنتاجها.
​وهكذا تحولت الأزمة من حدث استثنائي إلى عنصر دائم في إدارة التناقضات.
​لكن ينبغي الحذر من اختزال كل ما يحدث في مؤامرة مالية أو قرار سياسي منفرد. فالأمر يتعلق ببنية تراكم تتفاعل فيها مصالح الشركات الكبرى والمؤسسات المالية والدول والأسواق، وتنتج سياسات قد تختلف أدواتها من بلد إلى آخر، لكنها تلتقي في كثير من الأحيان عند حماية شروط الربحية وإعادة توزيع كلفة الاختلالات على المجتمع.
​التناقض بين الثروة المنتجة والحقوق الاجتماعية
​إن أوروبا لا تعاني من انعدام القدرة على إنتاج الثروة. إنها تعاني من اختلال متزايد بين ما تنتجه مجتمعاتها وما تستطيع الطبقات الشعبية انتزاعه من هذه الثروة.
​وهذا الاختلال لا يُقاس فقط بمعدلات النمو أو البطالة أو التضخم. يجب أن نسأل عن طبيعة الوظائف الجديدة، وعن الأجور الحقيقية، وعن كلفة السكن والطاقة والنقل، وعن تراجع الخدمات العمومية، وعن الفوارق بين المركز والأطراف، وبين أصحاب الأصول المالية وأصحاب الأجور.
​فقد يكون الاقتصاد في حالة نمو، بينما تتدهور شروط عيش قطاعات واسعة من المجتمع. وقد تتراجع البطالة العامة، فيما تتسع هشاشة التشغيل والعمل المؤقت وضعف القدرة على السكن المستقل. وقد ترتفع الاستثمارات، من دون أن تتحول بالضرورة إلى تحسينات متناسبة في الأجور أو في الخدمات العمومية.
​لذلك لا يكفي أن نسأل عن حجم الثروة المنتجة. علينا أن نسأل: من يملك وسائل إنتاجها؟ من يقرر وجهة استثمارها؟ من يستحوذ على فائض القيمة؟ ومن يتحمل كلفة إعادة إنتاج المجتمع؟
​إنها أسئلة الصراع الطبقي في صيغته المعاصرة.
​الدولة والبونابرتية المالية
​حين تتسع الفجوة بين المصالح الاجتماعية المتناقضة، وتضعف قدرة الأحزاب التقليدية على الوساطة والتمثيل، تجد الدولة نفسها أمام ضرورة متزايدة لإدارة الصراع من أعلى.
​تتقدم عندئذ أشكال من الحكم تستند إلى خطاب الكفاءة والاستقرار والضرورة الاقتصادية، وتتعامل مع القرارات الاجتماعية الكبرى كما لو أنها مسائل تقنية لا تحتمل النقاش أو الاختيار السياسي.
​هنا يمكن أن نتحدث عن ملامح من البونابرتية المالية: سلطة تنفيذية تتقدم باعتبارها حكماً فوق المصالح، لكنها تدير الدولة في إطار علاقات ملكية وتوازنات اقتصادية محددة، وتستعمل أدوات القانون والميزانية والأمن والإدارة لفرض خيارات تقدم باعتبارها حتميات لا بدائل لها.
​ولا يعني ذلك أن كل دولة أوروبية أصبحت نظاماً بونابرتياً بالمعنى التاريخي الدقيق، بل إن المفهوم يساعدنا على فهم نزعة متنامية إلى تحصين القرار الاقتصادي من الرقابة الاجتماعية، وإلى نقل القضايا التي تمس حياة الملايين من مجال الصراع الديمقراطي إلى مجال الخبراء والأسوق والمؤسسات المالية.
​وحين يصبح العجز المالي حجة دائمة لتقليص الحقوق، بينما لا تكون الثروة الخاصة موضوعاً مماثلاً للمساءلة، فإننا نكون أمام سياسة طبقية تتخفى وراء لغة الضرورة.
​من أزمة النموذج إلى أزمة المشروع
​إن التسوية الاجتماعية الأوروبية لم تتآكل لأن الطبقات الشعبية توقفت عن الحاجة إليها، بل لأن شروط التراكم الرأسمالي وموازين القوى التي سمحت بقيامها تغيرت.
​لقد تغيرت بنية الإنتاج، وتراجعت بعض أشكال التنظيم العمالي التقليدي، واتسعت قطاعات الخدمات والعمل غير المستقر، وتغيرت تركيبة الطبقة العاملة، بينما لم تنجح قوى اليسار في بناء أدوات سياسية وتنظيمية تستوعب هذه التحولات وتعيد تركيب المصالح الاجتماعية في مشروع موحد.
​وهنا نصل إلى جوهر الأزمة السياسية الأوروبية: ليست المسألة فقط أن اليمين يتقدم، بل أن قوى اليسار لم تنجح في تحويل التحولات الاجتماعية إلى كتلة تاريخية قادرة على فرض بديلها.
​فالاحتجاج على التقشف لا يصبح مشروعاً لمجرد اتساعه، والإضراب لا يتحول تلقائياً إلى قوة سياسية، والغضب الشعبي لا ينتج تنظيماً من تلقاء نفسه.
​إن الانتقال من الدفاع عن المكتسبات إلى تغيير شروط إنتاج الثروة وامتلاكها وتوزيعها يتطلب بناء ذات سياسية واجتماعية منظمة، تمتلك برنامجاً واضحاً وأدوات نضال مستقلة وقدرة على توحيد الفئات المتضررة من علاقات التراكم السائدة.
​ومن هنا لا يكون السؤال: هل انتهى النموذج الأوروبي؟ بل: هل تستطيع الطبقات الشعبية إعادة بناء ميزان القوى الذي يسمح بانتزاع تسوية اجتماعية جديدة، أم أن الأزمة ستُستثمر لإنتاج شكل أكثر سلطوية من الرأسمالية؟
​ذلك هو المدخل إلى فهم أوروبا اليوم، وهو أيضاً المدخل إلى الفصول التالية التي ستتبحث في تحولات الطبقة العاملة، وأزمة النقابات، وصعود اليمين القومي، وتباين المسارات الوطنية داخل الاتحاد الأوروبي.
​الفصل الثاني
​التحول النيوليبرالي وتفكيك التسوية الاجتماعية
​كيف أعاد رأس المال بناء سلطته على حساب العمل؟
​النيوليبرالية: ليست انسحاب الدولة بل إعادة توظيفها
​من الأخطاء الشائعة في قراءة التحول النيوليبرالي اعتباره مجرد انتقال من اقتصاد تتدخل فيه الدولة إلى اقتصاد تترك فيه السوق تعمل بحرية. فهذه الصورة، التي روج لها الخطاب الاقتصادي الليبرالي، تخفي حقيقة أكثر تعقيداً: الدولة لم تنسحب من الاقتصاد، بل أعادت تنظيم تدخلها بما يتلاءم مع التحولات التي عرفتها بنية التراكم الرأسمالي.
​لقد كانت الدولة في مرحلة التسوية الاجتماعية أداة لإدارة التوازن بين متطلبات إعادة إنتاج رأس المال والحفاظ على شروط الاستقرار الاجتماعي. أما في المرحلة النيوليبرالية، فقد أصبح تدخلها موجهاً بصورة متزايدة إلى تحرير حركة رأس المال، وتوسيع مجال الاستثمار الخاص، وإضعاف القيود الاجتماعية والتنظيمية التي تحد من حرية التصرف في قوة العمل.
​لم يكن تحرير الأسواق قراراً تقنياً محايداً. كان اختياراً سياسياً وطبقياً أعاد ترتيب العلاقة بين الدولة والملكية والعمل.
​فالخصخصة لم تكن مجرد نقل ملكية مؤسسة عمومية إلى مستثمر خاص، بل كانت في حالات كثيرة نقلاً لمجالات استراتيجية من دائرة القرار الاجتماعي والسياسي إلى دائرة القرار الرأسمالي الخاص. وتحرير سوق العمل لم يكن مجرد تحديث للتشريعات، بل كان إعادة توزيع لموازين القوة داخل المؤسسة ومواقع الإنتاج. أما تقليص الإنفاق الاجتماعي فلم يكن دائماً نتيجة حتمية لنقص الموارد، بل كان جزءاً من إعادة ترتيب الأولويات المالية للدولة.
​هنا ينبغي أن نتوقف عند التناقض المركزي: الدولة التي تقدم نفسها باعتبارها عاجزة عن ضمان الحقوق الاجتماعية، تظل قادرة على توفير الامتيازات والحوافز والضمانات لرأس المال، وعلى التدخل لإنقاذ المؤسسات الكبرى عندما تهدد الأزمات استقرار المنظومة.
​إنها ليست دولة أقل حضوراً، بل دولة تعيد تحديد من تخدم، وكيف تتدخل، ولأي غاية.
​من الإنتاج إلى التمويل: تحولات بنية التراكم
​لم تنشأ الهيمنة المتزايدة لرأس المال المالي بمعزل عن التحولات التي عرفها الإنتاج الصناعي والتجارة الدولية والتكنولوجيا. فقد تزامن تحرير حركة الرساميل مع توسع الأسواق المالية، وتزايد دور الائتمان والمضاربة والأصول المالية في تحديد القرارات الاقتصادية.
​أصبحت المؤسسات المالية الكبرى قادرة على التأثير في وجهة الاستثمار، وفي السياسات العمومية، وفي قرارات المؤسسات الصناعية نفسها. ولم يعد القرار الاقتصادي محصوراً في المصنع أو المؤسسة المنتجة، بل امتد إلى شبكات التمويل والتأمين والتداول والملكية العابرة للحدود.
​لكن لا ينبغي أن نفهم هذا التحول على أنه اختفاء للصناعة أو انفصال كامل للمال عن الإنتاج. فرأس المال المالي لا يعيش خارج علاقات الإنتاج؛ إنه يرتبط بها عبر الائتمان والملكية والأسهم والديون والتحكم في الاستثمار، ويستحوذ على جزء من الفائض المتولد داخل الاقتصاد.
​لقد تغيرت أشكال السيطرة على الإنتاج، وتوسعت قنوات الاستحواذ على الثروة، وأصبحت الحدود بين رأس المال الصناعي والمالي أكثر تشابكاً.
​ومن هنا فإن المسألة ليست صراعاً بسيطاً بين اقتصاد منتج واقتصاد مضارب، بل إعادة تركيب لعلاقات السيطرة داخل الرأسمالية نفسها. فالشركات الصناعية الكبرى باتت مرتبطة بمراكز التمويل، وصناديق الاستثمار أصبحت من كبار المساهمين في مؤسسات قطاعات متعددة، بينما تحولت الديون والأسواق المالية إلى أدوات ضغط على الدول والمؤسسات والأسر.
​وهذا ما يجعل التركّز والتمركز المتزايد لرأس المال أحد المفاتيح الأساسية لفهم التحول الأوروبي.
​إعادة تنظيم الإنتاج: العامل بين المصنع والشبكة
​لم يعد المصنع الأوروبي التقليدي، بما يمثله من تجمع عمالي مستقر وعلاقة تشغيل طويلة الأمد وتنظيم نقابي متماسك، الشكل الوحيد أو المهيمن في عالم الإنتاج.
​لقد أعادت الشركات الكبرى توزيع مراحل الإنتاج بين بلدان ومناطق مختلفة، بحثاً عن شروط أكثر ملاءمة للربحية: أجور أقل، ضرائب أخف، تشريعات أكثر مرونة، وقرب أكبر من الأسواق أو المواد الأولية.
​أنتج ذلك سلاسل قيمة عابرة للحدود، تتحكم في حلقاتها الأساسية شركات تمتلك التكنولوجيا والعلامات التجارية والتمويل وشبكات التوزيع. أما قطاعات من العمل الصناعي، فقد وجدت نفسها موزعة بين مواقع إنتاج متباعدة، يصعب على العاملين فيها إدراك وحدة مصالحهم أو بناء أشكال نضالية مشتركة.
​لقد أصبح العامل جزءاً من شبكة إنتاج واسعة، لكنه لا يملك بالضرورة القدرة على التأثير في القرارات التي تحدد مصير هذه الشبكة.
​وهنا يظهر أحد التناقضات الجديدة: اتساع الترابط الموضوعي بين العمال عبر الحدود، مقابل تشتت أدواتهم التنظيمية والسياسية.
​كما أن التحول التكنولوجي والرقمنة لم يؤديا بصورة آلية إلى تحرير الإنسان من العمل المرهق أو تقليص ساعات العمل. ففي ظل علاقات الملكية القائمة، يمكن للتكنولوجيا أن تصبح أداة لرفع الإنتاجية وتوسيع المراقبة وتكثيف العمل، وأن تسمح بإعادة توزيع الأرباح لمصلحة أصحاب رأس المال، دون أن يحصل العامل بالضرورة على نصيب متناسب من مكاسبها.
​إن السؤال ليس ما إذا كانت التكنولوجيا ستغير العمل، فهذا أمر واقع، بل من يملكها ومن يحدد وظيفتها ومن يستحوذ على نتائجها.
​تفكيك العمل المستقر وإعادة إنتاج الهشاشة
​كان العمل المستقر أحد أعمدة التسوية الاجتماعية الأوروبية. فهو لم يكن يوفر الأجر فقط، بل كان يمنح العامل موقعاً اجتماعياً، وقدرة على التخطيط للحياة، وإمكانية للانخراط في التنظيم النقابي والسياسي.
​ومع توسع العمل المؤقت والمناولة والعمل الجزئي والعمل عبر المنصات، بدأت هذه القاعدة تتعرض للتفكيك.
​لم تعد الهشاشة حالة هامشية تخص فئات محدودة، بل أصبحت سمة متزايدة في قطاعات من سوق العمل، خصوصاً بين الشباب والعمال المهاجرين والعاملين في الخدمات واللوجستيك والتوزيع والرعاية.
​وهذا التحول لا يمكن قراءته باعتباره مجرد نتيجة لتغير طبيعة المهن. إنه يرتبط أيضاً بسياسات أعادت توزيع المخاطر الاقتصادية بين المؤسسة والعامل.
​فالمؤسسة تحتفظ بمرونة أكبر في تعديل عدد العاملين وشروط التشغيل، بينما يتحمل العامل قسماً متزايداً من مخاطر البطالة وتذبذب الدخل وعدم استقرار المستقبل.
​لقد أصبح العامل مطالباً بالتكيف المستمر مع السوق، فيما لا تتحمل السوق مسؤولية مماثلة تجاه حياته.
​وهكذا لم تعد إعادة إنتاج قوة العمل مسألة اجتماعية تضمنها الدولة والمؤسسات بدرجة من الاستقرار، بل أصبحت في جوانب واسعة منها عبئاً فردياً تتحمله الأسرة والعامل نفسه، من خلال الديون والسكن المكلف والعمل الإضافي وتأجيل الاستقلال الاقتصادي.
​إن هشاشة العمل ليست مجرد هشاشة في الأجر، بل هشاشة في شروط الحياة وإمكانية الفعل الجماعي.
​الهجوم على النقابات: إضعاف الوسيط الطبقي
​لم يكن تراجع الحركة النقابية الأوروبية نتيجة طبيعية لاختفاء الطبقة العاملة، كما يذهب بعض التحليل السطحي. فالطبقة العاملة لم تختف، بل تغيرت بنيتها ومواقعها وأشكال تشغيلها.
​لقد اتسعت قطاعات العمل الخدمي واللوجستي والتكنولوجي، وتراجعت بعض القواعد الصناعية التقليدية، وتعددت أنماط التشغيل، وازدادت صعوبة تنظيم العمال الموزعين بين شركات المناولة والعمل المؤقت والمنصات الرقمية.
​لكن التحولات البنيوية وحدها لا تفسر تراجع النقابات. فقد ساهمت السياسات التشريعية والاقتصادية في إضعاف قدرتها التفاوضية، كما أدى تراجع العضوية في قطاعات واسعة، وتراجع الثقة في بعض القيادات، وتداخل العمل النقابي مع حسابات الأحزاب والمؤسسات، إلى إضعاف استقلالية أجزاء من الحركة النقابية.
​ومع ذلك، لا ينبغي تحويل النقد إلى إنكار للدور التاريخي للنقابات أو التقليل من أهميتها. فهي تظل إحدى أدوات الدفاع عن المصالح المباشرة للعمال، لكنها لا تستطيع وحدها تجاوز حدود التفاوض حول شروط بيع قوة العمل.
​إن المسألة المطروحة أمام الحركة النقابية هي استعادة قدرتها على تنظيم العمال في الأشكال الجديدة للإنتاج، وربط النضال حول الأجور والحقوق المهنية بقضايا السكن والطاقة والنقل والصحة والتعليم والسياسات الاقتصادية.
​فالمعركة لم تعد محصورة في حدود المؤسسة، لأن رأس المال نفسه لم يعد محصوراً فيها.
​الديون: من أزمة المؤسسات إلى انضباط المجتمع
​أصبحت الديون إحدى الآليات الأساسية لإدارة التناقضات داخل الرأسمالية الأوروبية.
​فالدولة تقترض لتمويل العجز والاستثمار والخدمات، والمؤسسات تقترض لتوسيع نشاطها أو إعادة هيكلته، والأسر تقترض لتمويل السكن والاستهلاك والتعليم في ظل تراجع القدرة الشرائية أو ارتفاع كلفة الحياة.
​لكن الدين لا يمثل مجرد علاقة مالية بين دائن ومدين. إنه علاقة قوة تحدد من يملك القدرة على فرض الشروط ومن يتحمل تبعاتها.
​حين تتحول خدمة الدين إلى أولوية في الميزانية، يصبح الإنفاق الاجتماعي والاستثمار العمومي خاضعين لضغوط إضافية. وحين ترتفع كلفة الاقتراض، تتسع مساحة القرارات التقشفية، وتُقدَّم الخيارات السياسية كما لو أنها استجابة حسابية لا مفر منها.
​ولا يعني ذلك أن كل دين عام غير مشروع أو أن كل اقتراض يؤدي بالضرورة إلى التقشف. فالمسألة تتعلق بطبيعة الدين، والجهة المستفيدة منه، ووجهة استخدامه، وشروط تمويله، وكيفية توزيع كلفته وعوائده.
​فالدين الذي يمول البنية التحتية والتعليم والصحة والانتقال الصناعي لا يؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها الدين الذي يستخدم لتغطية اختلالات بنيوية أو إنقاذ مصالح مالية خاصة دون مساءلة.
​ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس كم تبلغ المديونية فقط، بل من اقترض؟ ولمن؟ وبأي شروط؟ ومن يستفيد؟ ومن يدفع؟
​أوروبا بين المنافسة العالمية وإعادة توطين الصناعة
​أعادت المنافسة مع الولايات المتحدة والصين طرح مسألة القاعدة الصناعية الأوروبية.
​فأوروبا التي استفادت طويلاً من موقعها في التجارة العالمية ومن شبكات الإنتاج الدولية، تجد نفسها أمام تحديات متزايدة في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والرقائق والبطاريات والصناعات المتقدمة.
​وتكشف هذه التحديات حدود نموذج اعتمد على الانفتاح التجاري وسلاسل التوريد العابرة للحدود، دون أن يضمن دائماً امتلاك القدرات الاستراتيجية في المجالات الحيوية.
​لكن الاستجابة لهذه التحولات لا يمكن اختزالها في الدعوة إلى إعادة المصانع إلى أوروبا. فإعادة التوطين قد تعني استثمارات جديدة وفرص عمل، لكنها قد تعني أيضاً دعماً مالياً للشركات الكبرى، وتوسيعاً للإعفاءات، وتحمّل المجتمع كلفة الانتقال الصناعي، إذا لم ترتبط بخطة اجتماعية وديمقراطية واضحة.
​إن السيادة الصناعية لا تتحقق بمجرد عودة المصنع إلى الأرض الأوروبية، بل بامتلاك المجتمع قدرة فعلية على تحديد وجهة الإنتاج، وحماية حقوق العاملين، والتحكم في التكنولوجيا والموارد الاستراتيجية، وربط الاستثمار بالحاجات الاجتماعية والبيئية.
​وهنا تتقاطع مسألة السيادة الاقتصادية مع الصراع الطبقي: من يملك قرار إعادة بناء الصناعة؟ ومن يحدد القطاعات ذات الأولوية؟ وهل يكون التحول الصناعي مشروعاً اجتماعياً أم فرصة جديدة لتوسيع أرباح الشركات؟
​من تفكيك التسوية إلى إعادة تشكيل الهيمنة
​لقد نجح التحول النيوليبرالي في إعادة بناء جانب مهم من سلطة رأس المال داخل المجتمعات الأوروبية. لكنه لم يلغ التناقضات التي أفرزتها الرأسمالية، بل أعاد إنتاجها في أشكال جديدة.
​فالتفاوتات الاجتماعية لم تختف، بل تغيرت مصادرها وأدواتها. والعمل لم يفقد مركزيته، بل أصبح أكثر تشتتاً وتنوعاً. والدولة لم تتراجع، بل أعادت تنظيم وظائفها. أما رأس المال، فقد وسع قدرته على الحركة والسيطرة، بينما واجهت قوى العمل صعوبات في إعادة تركيب أدواتها التنظيمية والسياسية.
​وهكذا لم يكن التحول النيوليبرالي مجرد مرحلة اقتصادية، بل مشروعاً لإعادة تشكيل المجتمع وموازين القوى داخله.
​غير أن نجاح رأس المال في فرض شروط جديدة لا يعني امتلاكه حلاً نهائياً لأزماته. فالسياسات التي وسعت الربحية وأضعفت الحماية الاجتماعية أنتجت في الوقت نفسه هشاشة اجتماعية وتفاوتات ومجالات جديدة للاحتجاج.
​وهنا تتحدد المفارقة: النظام الذي أعاد بناء سلطته على حساب العمل يواجه اليوم مجتمعاً تتسع فيه دائرة المتضررين من خياراته، لكنه لا يواجه بالضرورة قوة سياسية موحدة قادرة على تحويل هذا التضرر إلى مشروع بديل.
​وهذه هي المسافة بين الأزمة الموضوعية والقدرة الذاتية على التغيير.
​إن تفكيك التسوية الاجتماعية لم ينتج تلقائياً تسوية جديدة، كما أن تراجع التنظيمات التقليدية لم ينتج تلقائياً أشكالاً أكثر تقدماً من التنظيم.
​لذلك فإن الانتقال إلى الفصل التالي لا يتعلق فقط بوصف تحولات الطبقة العاملة الأوروبية، بل بفهم السؤال الذي أصبح مركزياً: كيف يمكن إعادة تركيب الطبقة العاملة في بنيتها الجديدة، واستعادة قدرتها على التنظيم والفعل السياسي المستقل؟
​القسم الثاني: الصراع الطبقي وأزمة التمثيل السياسي
​الفصل الثالث
​الطبقة العاملة الأوروبية: من وحدة المصنع إلى تشتت مواقع الإنتاج
​لم تختف الطبقة العاملة الأوروبية، كما توحي بعض القراءات التي تربط نهاية العامل الصناعي التقليدي بنهاية الصراع الطبقي. الذي حدث هو أن الرأسمالية أعادت تركيب الطبقة العاملة، وغيّرت مواقع إنتاجها وأشكال تشغيلها وعلاقاتها بالمؤسسة وبالسوق.
​لم يعد المصنع الكبير وحده مركز إنتاج القيمة. فقد اتسعت قطاعات الخدمات والنقل واللوجستيك والرعاية والاتصالات والمنصات الرقمية، وأصبحت ملايين الأجراء يعملون في شبكات إنتاج وتوزيع متداخلة، من دون أن تجمعهم بالضرورة مؤسسة واحدة أو علاقة تشغيل مستقرة.
​إن وحدة الطبقة العاملة لا ينبغي أن تُقاس بالتشابه المهني أو بالانتماء إلى قطاع صناعي محدد، بل بالموقع داخل علاقات الإنتاج وبالعلاقة بملكية وسائل الإنتاج وببيع قوة العمل. فالعامل في المصنع، والعامل في المستودع، والممرض، والعامل في النقل، والمبرمج الأجير، وعامل المنصة، قد تختلف ظروفهم المهنية، لكنهم يواجهون بدرجات متفاوتة سلطة رأس المال على شروط عملهم ودخلهم ووقتهم ومستقبلهم.
​غير أن هذا الترابط الموضوعي لا ينتج تلقائياً وحدة سياسية. فالعمل المؤقت والمناولة وتعدد المشغلين والهجرة والتفاوتات المهنية تضعف إمكانات التنظيم، وتخلق تنافساً بين قطاعات من الأجراء حول الوظائف والأجور والحماية الاجتماعية.
​وهنا تظهر المهمة التاريخية لليسار والنقابات: إعادة تركيب المصالح المتفرقة داخل مشروع اجتماعي جامع. فلا يمكن بناء قوة طبقية جديدة بالحنين إلى المصنع القديم، ولا بالاكتفاء بتعداد الفئات المتضررة. المطلوب فهم أشكال الاستغلال الجديدة، وتطوير أدوات التنظيم التي تتناسب معها.
​إن الطبقة العاملة لا تحتاج إلى من يعلن موتها أو يستحضر ماضيها، بل إلى من يساعدها على إدراك وحدتها الممكنة وتحويلها إلى قوة سياسية مستقلة.
​الفصل الرابع
​النقابات الأوروبية: بين الدفاع عن المكتسبات وأزمة الأفق
​تظل النقابات إحدى أهم المؤسسات التاريخية التي أنتجتها الحركة العمالية. لقد كانت أداة للدفاع عن الأجور والحقوق، ومدرسة للتنظيم الجماعي، وفضاءً لتراكم الخبرة النضالية. لكن التحولات الاقتصادية والسياسية وضعتها أمام أزمة تتجاوز تراجع العضوية أو ضعف القدرة التفاوضية.
​لقد تغيرت بنية العمل، بينما بقيت أجزاء من التنظيم النقابي أسيرة أشكال تقليدية في التمثيل والتدخل. كما أن بعض القيادات النقابية اندمجت في آليات الحوار الاجتماعي إلى درجة جعلت التفاوض أحياناً غاية في ذاته، بدلاً من أن يكون أداة ضمن مشروع أوسع لتغيير موازين القوى.
​ليس المطلوب التقليل من أهمية الحوار الاجتماعي أو التفاوض القطاعي، بل تحديد حدودهما. فالتفاوض يستطيع تحسين شروط بيع قوة العمل، لكنه لا يغير وحده سلطة رأس المال على الاستثمار والإنتاج والتوزيع.
​وتزداد هذه المعضلة حدة حين تتحول النقابات إلى مؤسسات تدبير للاحتجاج، أو حين تنفصل القيادات عن القواعد، أو حين تتعامل مع العمال باعتبارهم كتلة انتخابية وتفاوضية لا قوة اجتماعية صاحبة مصلحة تاريخية.
​إن تجديد الحركة النقابية يمر عبر إعادة بناء التنظيم في مواقع العمل الجديدة، وتوسيع تمثيل العمال المؤقتين والمهاجرين والعاملين في الخدمات والمنصات، وربط النضال المهني بالمعارك الاجتماعية الكبرى.
​فالأجور لا تنفصل عن السكن والطاقة والنقل والصحة والتعليم. والحقوق النقابية لا تنفصل عن الحق في المشاركة في القرار الاقتصادي. أما استقلالية النقابات فلا تعني الانغلاق على المطالب القطاعية، بل القدرة على بناء تحالف اجتماعي واسع من دون الخضوع لحسابات الأحزاب أو الحكومات.
​المطلوب إذن الانتقال من نقابة تدافع عن موقع العامل داخل المؤسسة إلى حركة عمالية قادرة على التدخل في الخيارات التي تحدد مصير المجتمع.
​الفصل الخامس
​فرنسا: أزمة الجمهورية الاجتماعية وصعود البونابرتية المالية
​تحتل فرنسا موقعاً مركزياً في فهم الأزمة الأوروبية، ليس فقط بسبب وزنها الاقتصادي والسياسي، بل لأن تناقضاتها تكشف بوضوح الأزمة التي أصابت العلاقة بين الجمهورية والتمثيل الاجتماعي والدولة والطبقات الشعبية.
​لقد قامت الجمهورية الاجتماعية الفرنسية على تراكم تاريخي من النضالات العمالية والشعبية، وعلى دور الدولة في التعليم والصحة والخدمات العمومية والحماية الاجتماعية. غير أن التحولات النيوليبرالية أعادت تشكيل هذه العلاقة، ودفعت نحو تقليص بعض أدوار الدولة الاجتماعية، وتوسيع منطق المنافسة والربحية وإخضاع قطاعات متزايدة لمعايير السوق.
​لم تعد الأزمة مجرد خلاف حول قانون تقاعد أو ميزانية أو حكومة. إنها أزمة في شرعية الخيارات الاقتصادية وفي قدرة المؤسسات السياسية على تمثيل المجتمع.
​وقد أظهرت حركات السترات الصفراء والاحتجاجات العمالية والفلاحية والشبابية أن الغضب الاجتماعي لا يختفي بمجرد غياب قيادة سياسية موحدة. إنه يتراكم في مواقع مختلفة، ويتفجر حين تتقاطع كلفة الحياة مع الإحساس بالتهميش وانعدام العدالة واحتكار القرار.
​وتتجلى ملامح البونابرتية المالية عندما تقدم السلطة التنفيذية نفسها باعتبارها صاحبة القرار الضروري فوق المجتمع، وتتعامل مع الاختيارات الاقتصادية بوصفها حقائق تقنية لا تقبل التفاوض السياسي. فالدولة لا تتخلى عن تدخلها، بل تستخدم أدواتها الدستورية والمالية والأمنية لفرض خيارات محددة.
​لكن اختزال فرنسا في سلطة تنفيذية قوية سيكون تبسيطاً. فالمجتمع الفرنسي يظل مجالاً لصراع اجتماعي وسياسي مفتوح، تتداخل فيه الحركة النقابية واليسار واليمين القومي والحركات الاحتجاجية.
​السؤال الحقيقي ليس من سيحكم فرنسا في الانتخابات المقبلة فقط، بل من يمتلك القدرة على تحويل التناقضات الاجتماعية إلى مشروع سياسي، ومن يستطيع إعادة بناء الجمهورية على قاعدة العدالة في توزيع الثروة والمشاركة في القرار.
​الفصل السادس
​ألمانيا: أزمة المركز الصناعي الأوروبي
​لا يمكن فهم الأزمة الأوروبية من دون ألمانيا، التي مثلت لعقود أحد أعمدة القوة الصناعية والتجارية في القارة. لقد قام النموذج الألماني على قاعدة صناعية قوية، وتكوين مهني متقدم، وشبكة من المؤسسات الصناعية المصدرة، وعلاقة تفاوضية بين رأس المال والعمل، إلى جانب الاستفادة من السوق الأوروبية والتجارة العالمية.
​لكن هذا النموذج واجه تحولات متراكبة: المنافسة الصناعية الصينية، وتغير شروط الطاقة، والتحولات التكنولوجية، والضغوط المرتبطة بالانتقال البيئي، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد. وقد كشفت هذه التحولات أن قوة الصناعة لا تتحدد فقط بحجم الإنتاج، بل بالقدرة على التحكم في التكنولوجيا والطاقة والمواد الأولية والأسواق.
​إن أزمة ألمانيا ليست دليلاً على انهيار صناعتها، بل على تعرض نموذجها التقليدي لاختبار تاريخي. فالصناعة التي اعتمدت على الطاقة المستقرة والأسواق الخارجية والقدرة التنافسية التصديرية تجد نفسها أمام بيئة دولية مختلفة.
​ويطرح ذلك تناقضاً اجتماعياً واضحاً: من يتحمل كلفة إعادة الهيكلة؟ العمال الذين تواجه قطاعاتهم خطر التقليص أو التحول؟ أم الشركات التي استفادت من تراكم طويل ومن امتيازات الدولة؟ وهل يصبح الانتقال الصناعي مشروعاً اجتماعياً يحمي العمل ويعيد توزيع مكاسب التكنولوجيا، أم فرصة لتمويل الشركات من المال العام دون ضمانات كافية؟
​كما أن صعود القوى القومية في ألمانيا لا يمكن فصله عن التحولات الاجتماعية والمجالية، وعن الشعور بالتهميش في بعض المناطق، وعن تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية. لكن توظيف هذا الشعور ضد المهاجرين أو ضد التعددية لا يمس جوهر التفاوتات الاقتصادية.
​ألمانيا ليست مجرد محرك اقتصادي للاتحاد الأوروبي؛ إنها مختبر لاختبار قدرة الرأسمالية الأوروبية على تجديد قاعدتها الصناعية والاجتماعية في آن واحد.
​الفصل السابع
​إيطاليا وإسبانيا: تفاوتات المركز والأطراف وحدود النمو
​تقدم إيطاليا وإسبانيا مسارين مختلفين داخل أزمة أوروبية مشتركة. ولا يجوز اختزال البلدين في نموذج واحد، لكنهما يكشفان أن التفاوتات الداخلية ليست مسألة جغرافية محضة، بل تعبير عن توزيع غير متكافئ للاستثمار والفرص والسلطة الاقتصادية.
​في إيطاليا، ظل التفاوت بين الشمال الصناعي والجنوب الأقل نمواً أحد عناصر الاختلال البنيوي. فوجود قطاعات صناعية وتصديرية متقدمة لا يلغي استمرار الفجوات الاجتماعية والمجالية، ولا يعالج ضعف فرص التشغيل في مناطق واسعة. كما أن الدين العام والضغوط المالية يحددان مجال المناورة أمام السياسات الاقتصادية، فيما تتداخل المصالح المحلية مع شبكات رأس المال والسياسة.
​أما إسبانيا، فقد عرفت تحولات مهمة في سوق العمل والقطاعات الخدمية والسياحة والطاقة، لكن النمو لا يلغي هشاشة التشغيل أو أزمة السكن أو التفاوتات بين الأجيال والمناطق. فاقتصاد يمكنه تحقيق نمو في الناتج قد يظل عاجزاً عن ضمان شروط عيش مستقرة لفئات واسعة من العاملين والشباب.
​في البلدين معاً، تكشف مسألة السكن أن السوق لا تضمن وحدها الحق في الحياة. فحين تتحول المساكن إلى أصول استثمارية، وتخضع الأراضي والعقارات لمنطق المضاربة، يصبح السكن مجالاً لاستخراج الريع، لا مجرد حاجة اجتماعية.
​وهنا تتقاطع مصالح الأجراء مع مصالح المستأجرين والشباب والعائلات ذات الدخل المحدود. كما يتضح أن الصراع حول الثروة لا يدور داخل المصنع فقط، بل يمتد إلى الأرض والسكن والخدمات والموارد.
​إن التحدي أمام اليسار في إيطاليا وإسبانيا هو بناء مشروع يتجاوز التناوب الحكومي، ويعيد طرح مسألة الملكية والريع والسيادة الصناعية والحقوق الاجتماعية، من دون الوقوع في وهم أن النمو الاقتصادي وحده قادر على معالجة التناقضات.
​الفصل الثامن
​اليمين القومي والشعبوي: تحويل الغضب الاجتماعي إلى أداة للهيمنة
​لا يمكن تفسير صعود اليمين القومي في أوروبا باعتباره عودة بسيطة للماضي الفاشي، كما لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد انحراف ثقافي أو موجة انتخابية عابرة.
​إنه ظاهرة سياسية واجتماعية تستفيد من أزمة التمثيل، ومن تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية، ومن شعور قطاعات اجتماعية بأن السياسات الاقتصادية لم تعد توفر لها الأمن والاستقرار والاعتراف.
​لكن اليمين لا يقدم قراءة مادية لأسباب الأزمة. إنه ينقل الصراع من علاقات الملكية والتوزيع إلى الهوية والحدود والهجرة، ويعيد تعريف العدو الاجتماعي باعتباره أجنبياً أو مهاجراً أو فئة ثقافية مختلفة.
​وبذلك تتحول التناقضات التي تنتجها الرأسمالية إلى مادة لتقسيم الطبقات الشعبية نفسها. فالعامل الذي يواجه تراجع أجره لا يُدعى إلى مساءلة صاحب رأس المال، بل إلى تحميل المهاجر مسؤولية المنافسة على الوظائف والخدمات. والمواطن الذي يعاني من أزمة السكن لا يُدعى إلى مساءلة المضاربة العقارية، بل إلى البحث عن كبش فداء.
​إن خطورة هذا الخطاب تكمن في قدرته على الجمع بين الاحتجاج على بعض نتائج النيوليبرالية والدفاع عن جوهر علاقات الملكية التي تنتجها.
​ومع ذلك، فإن قاعدة اليمين ليست كتلة متجانسة. فهي تضم شرائح من البرجوازية الصغيرة، وفئات من الأجراء، وقطاعات محافظة، ومصالح رأسمالية متفاوتة. ولا يمكن مواجهتها بخطاب أخلاقي يكتفي بإدانة العنصرية، بل بتحليل اجتماعي يميز بين مصالح هذه الفئات، ويستعيد المسائل التي تركها اليسار خارج دائرة الصراع.
​المواجهة الحقيقية تكون بربط الدفاع عن الحقوق والحريات بالعدالة الاجتماعية، وبإعادة طرح سؤال من يملك الثروة ومن يتحكم في القرار. فاليمين يربح حين يصبح العامل عدواً للعامل، ويخسر حين تستعيد الطبقات الشعبية إدراك مصالحها المشتركة.
​القسم الثالث: أوروبا وإعادة تشكيل النظام العالمي
​الفصل التاسع
​الولايات المتحدة وأوروبا: التحالف والتبعية والتنافس
​لا يمكن فهم موقع أوروبا في العالم باعتبارها مجرد امتداد للسياسة الأمريكية، كما لا يمكن تصويرها كقوة مستقلة تماماً عن واشنطن. العلاقة بين الطرفين تقوم على تداخل التحالف الاستراتيجي والتبعية الأمنية والتنافس الاقتصادي.
​لقد تشكل النظام الأطلسي بعد الحرب العالمية الثانية في إطار موازين قوى دولية محددة، وأصبحت الولايات المتحدة الضامن العسكري والسياسي الأساسي للأمن الغربي. لكن هذا الضمان لم يكن منفصلاً عن المصالح الاقتصادية والتجارية والمالية الأمريكية.
​ومع تغير موازين القوى العالمية، أصبحت أوروبا مطالبة بإعادة تعريف موقعها: هل تواصل الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة، أم تطور قدرة مستقلة على اتخاذ القرار الدفاعي والصناعي والطاقي؟
​إن الخلافات حول الإنفاق العسكري والتجارة والطاقة والتكنولوجيا لا تعني انهيار التحالف الأطلسي، لكنها تكشف أن المصالح لا تتطابق دائماً.
​وتظهر التبعية حين تعجز أوروبا عن صياغة خيارات استراتيجية مستقلة في قضايا تمس أمنها واقتصادها، بينما يظهر التنافس عندما تتعارض مصالح الشركات والأسواق والقطاعات الصناعية على توزيع الأرباح والأسواق.
​أما على المستوى الاجتماعي، فإن زيادة الإنفاق العسكري تطرح سؤالاً مباشراً حول الأولويات: ما الذي يُقتطع من الميزانيات الاجتماعية لتمويل التسلح؟ ومن يستفيد من العقود العسكرية؟ وهل يصبح الأمن مرادفاً لتوسيع القدرة العسكرية فقط، أم يشمل أيضاً الأمن الغذائي والطاقي والاجتماعي؟
​لا يمكن بناء استقلال أوروبي حقيقي بمجرد زيادة الإنفاق الدفاعي. فالاستقلال يبدأ من امتلاك قاعدة إنتاجية وتكنولوجية وطاقية، ومن قدرة المجتمع على التحكم في خياراته، لا من استبدال تبعية بأخرى.
​الفصل العاشر
​الصين: المنافسة الصناعية وإعادة توزيع القوة الاقتصادية
​أصبحت الصين أحد المراكز الأساسية في الاقتصاد العالمي، ليس فقط بسبب حجم إنتاجها التجاري، بل بسبب انتقالها التدريجي من قاعدة صناعية واسعة إلى قوة تنافس في التكنولوجيا والابتكار والبنية التحتية والقطاعات الاستراتيجية.
​وقد فرض هذا التحول على أوروبا والولايات المتحدة مراجعة علاقاتهما التجارية والصناعية. فالمنافسة لم تعد مقتصرة على أسعار المنتجات أو حجم الصادرات، بل امتدت إلى الرقائق والبطاريات والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والاتصالات والذكاء الاصطناعي.
​لكن ينبغي عدم الخلط بين التنافس مع الهيمنة الأمريكية وبين قيام نموذج تحرري بديل. فالصين نفسها جزء من النظام الرأسمالي العالمي، ولها مصالح استراتيجية وتجارية وجيوسياسية، وتواجه تناقضات اجتماعية وطبقية خاصة بها.
​إن تحليل الصين يتطلب تجاوز صورتين متقابلتين: صورة تجعلها مجرد خطر خارجي على أوروبا، وصورة تجعلها بديلاً تاريخياً جاهزاً للنظام الإمبريالي. كلاهما يعطل الفهم المادي للعلاقات الاقتصادية والسياسية.
​بالنسبة إلى أوروبا، يكمن التحدي في كيفية التعامل مع المنافسة الصينية دون تحويل السياسة الصناعية إلى ذريعة للحمائية الانتقائية أو لتقديم امتيازات غير مشروطة للشركات الكبرى.
​أما السؤال الاجتماعي فهو: هل ستستخدم أوروبا هذه المنافسة لتطوير قاعدة صناعية مستقلة وتوسيع الحقوق الاجتماعية، أم ستستخدمها لفرض مزيد من الانضباط على العمل وخفض كلفته؟
​فالمنافسة الدولية لا تحدد وحدها شكل التحول. إنها تفتح مجالاً للصراع حول من يدفع ثمنه ومن يستحوذ على نتائجه.
​الفصل الحادي عشر
​روسيا والحرب الأوكرانية: الأمن الأوروبي وحدود القوة
​أعادت الحرب الروسية الأوكرانية مسألة الأمن الأوروبي إلى مركز القرار السياسي والاقتصادي. ولم تعد الحرب مجرد نزاع حدودي أو مواجهة عسكرية بين دولتين، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع حول الترتيبات الأمنية والنفوذ وموازين القوى في أوروبا والعالم.
​ولا يمكن اختزال الحرب في تفسير واحد يتجاهل مسؤوليات الأطراف المختلفة أو السياق التاريخي الذي سبق اندلاعها. كما لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد صراع بين الديمقراطية والاستبداد، لأن هذا التأطير الأخلاقي لا يكفي لتفسير المصالح الاستراتيجية والتحالفات وموازين القوى.
​لقد فرضت الحرب على أوروبا مراجعة علاقاتها بالطاقة والتجارة والدفاع، وأعادت طرح حدود استقلالها عن الولايات المتحدة. كما أظهرت أن الأمن الأوروبي لا يمكن فصله عن الاقتصاد والصناعة والموارد وسلاسل التوريد.
​لكن الحرب لا تخدم مصالح الشعوب لمجرد أن طرفاً يعلن أنه يدافع عن الأمن أو السيادة. فالشعوب التي تدفع الثمن المباشر هي التي تواجه الموت والتهجير والتدمير، بينما تتوزع كلفة الحرب الاقتصادية على المجتمعات عبر الطاقة والتضخم والإنفاق العام.
​ومن الضروري التمييز بين حق الشعوب في الدفاع عن سيادتها وبين تحويل الصراع إلى منافسة بين قوى كبرى على مناطق النفوذ.
​إن الموقف التحرري لا يكون بالاصطفاف الآلي مع أحد المعسكرات، بل بالدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، ورفض العدوان والتوسع، ومقاومة تحويل الحرب إلى أداة لإعادة توزيع الأسواق والثروات ومواقع السيطرة.
​الفصل الثاني عشر
​الطاقة والصناعة والتسلح: الاقتصاد السياسي للأمن الأوروبي
​أثبتت التحولات الدولية أن الطاقة ليست مجرد سلعة تجارية، بل أحد محددات السيادة الاقتصادية والقدرة الصناعية والأمن الاجتماعي.
​فالدولة التي لا تتحكم في شروط حصولها على الطاقة تظل معرضة لتقلبات الأسعار والضغوط الخارجية. والمؤسسات الصناعية التي تعتمد على مصادر طاقة مرتفعة الكلفة تجد نفسها أمام اختلال في القدرة التنافسية، بينما تتحمل الأسر كلفة ارتفاع الفواتير وتراجع القدرة الشرائية.
​لكن الانتقال الطاقي لا يمكن أن يُختزل في تغيير مصدر الطاقة. إنه تحول في بنية الإنتاج والاستهلاك والنقل والتكنولوجيا والملكية.
​فالانتقال إلى الطاقة المتجددة قد يفتح مجالاً لتقليص التبعية وتحسين الاستدامة، لكنه قد يتحول أيضاً إلى سوق جديدة للتركيز والتمركز إذا احتكرت الشركات الكبرى التكنولوجيا والتمويل والموارد.
​كما أن توسع الإنفاق العسكري يطرح تناقضاً بين الأمن الاجتماعي والأمن العسكري. فكل قرار بتوسيع ميزانيات التسلح يطرح سؤالاً عن الأولويات الاقتصادية وعن توزيع الموارد العامة.
​ليس المطلوب إنكار حق المجتمعات في الدفاع عن نفسها، بل رفض تحويل الأمن إلى مبرر دائم لتقليص الحقوق الاجتماعية أو لتوجيه الموارد نحو قطاعات لا تخضع للمساءلة الديمقراطية الكافية.
​إن السيادة الطاقية والصناعية لا تتحقق بمجرد امتلاك منشآت جديدة، بل بامتلاك القدرة على تحديد وجهة الإنتاج والتحكم في التكنولوجيا والموارد وضمان توزيع عادل للمكاسب.
​القسم الرابع: المغرب الكبير والاستلحاق البنيوي
​الفصل الثالث عشر
​المتوسط: من فضاء للتبادل إلى مجال لإدارة الهجرة والأمن
​لم يعد البحر المتوسط مجرد مجال جغرافي للتبادل التجاري والثقافي، بل أصبح فضاءً تتقاطع فيه مصالح اقتصادية وأمنية وجيوسياسية متعددة.
​فبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، ترتبط الضفة الجنوبية بقضايا الطاقة والهجرة والأمن البحري وسلاسل الإمداد والأسواق. وقد أدى تزايد الضغوط الاجتماعية والسياسية المرتبطة بالهجرة إلى تحويل جزء من السياسات الأوروبية نحو بناء منظومة خارجية لإدارة الحدود، تتجاوز الحدود الجغرافية للاتحاد نفسه.
​وهكذا أصبحت دول الجنوب مطالبة بأداء وظائف أمنية وإدارية واقتصادية تتصل مباشرة بالأولويات الأوروبية.
​إن الخطر لا يكمن في التعاون بين الدول، بل في اختلال شروطه. فعندما يصبح تمويل الاقتصاد أو الدعم المالي أو الامتيازات التجارية مرتبطاً بمدى استعداد دولة ما للقيام بوظائف ضبط الهجرة أو حماية الحدود، فإن العلاقة تتحول من تعاون متكافئ إلى علاقة استلحاق وظيفي.
​ولا ينبغي اختزال الهجرة في بعدها الأمني. فهي مرتبطة بفوارق التنمية والأجور والحقوق وفرص الحياة، وبأزمات الحروب والتفاوتات الدولية، كما ترتبط بحقوق الأفراد في الحركة والكرامة والحماية.
​إن معالجة الهجرة عبر تحويل بلدان الجنوب إلى مناطق احتجاز أو ترحيل لا تعالج أسبابها، بل تنقل كلفتها الإنسانية والسياسية إلى المجتمعات الأضعف.
​والسؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل يريد الاتحاد الأوروبي شراكة تنموية متكافئة مع الضفة الجنوبية، أم يريد مجالاً خلفياً لإدارة المخاطر التي تنتجها اختلالات النظام العالمي؟
​الفصل الرابع عشر
​تونس: الاستلحاق البنيوي ومأزق السيادة الوطنية
​لا يمكن قراءة الأزمة التونسية باعتبارها مجرد أزمة حكومات أو خيارات مالية خاطئة أو صراع بين نخب سياسية. إنها أزمة مشروع وطني مستقل، وأزمة قوى اجتماعية وسياسية عجزت عن تحويل الدولة إلى أداة لبناء شروط التنمية والسيادة.
​لقد دخلت تونس مرحلة تتداخل فيها المديونية مع ضعف الاستثمار والإنتاجية والقدرة التصديرية، وتراجع بعض الخدمات العمومية، واختلالات القطاع العام، والاعتماد على الخارج في قطاعات استراتيجية.
​لكن الاستلحاق لا يقتصر على العلاقات المالية والتجارية. إنه يمتد إلى الوظائف التي تُسند إلى الاقتصاد والدولة في إطار التوازنات الإقليمية والدولية.
​فعندما تتحول الهجرة إلى ملف أمني، والطاقة إلى مجال للتبعية، والغذاء إلى نقطة ضعف استراتيجية، والتمويل الخارجي إلى أداة ضغط على القرار الاقتصادي، فإن السيادة تصبح مهددة في مضمونها حتى لو بقيت قائمة في شكلها القانوني.
​ولا يمكن تجاوز هذا المأزق بمجرد تغيير الشركاء أو تنويع العلاقات الخارجية. فتنويع الشركاء لا يساوي الاستقلال إذا ظلت البنية الإنتاجية عاجزة عن تلبية الحاجات الأساسية، وإذا بقيت الثروة الوطنية خارج سيطرة القرار الاجتماعي.
​إن السيادة ليست خطاباً سياسياً ولا موقفاً دبلوماسياً. إنها قدرة المجتمع على إنتاج غذائه وطاقته وجزء أساسي من حاجاته الصناعية والتكنولوجية، وعلى التحكم في موارده وفي وجهة الاستثمار.
​وهنا تبرز ضرورة إعادة بناء مشروع وطني ديمقراطي واجتماعي، يربط بين الإصلاح الاقتصادي والعدالة في توزيع الثروة، وبين استقلال القرار السياسي وتطوير الإنتاج، وبين الحقوق النقابية والديمقراطية التشاركية.
​ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون قوى اجتماعية منظمة قادرة على مساءلة الدولة ومراكز النفوذ المالي والاقتصادي، وتحويل السيادة من شعار إلى برنامج.
​الفصل الخامس عشر
​الجزائر: الطاقة والعمق الاستراتيجي ومهمة اليسار الوطني
​تحتل الجزائر موقعاً مهماً في معادلات الطاقة والأمن في المتوسط والساحل، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي ووزنها السياسي والعسكري.
​لكن أهمية الموقع لا تنعكس تلقائياً على امتلاك مشروع تنموي مستقل أو قدرة على تحويل الموارد الطبيعية إلى تنمية اجتماعية متوازنة.
​إن التحدي المركزي يتمثل في الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الريع الطاقي إلى اقتصاد منتج ومتنوع، قادر على خلق فرص العمل وتطوير الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، وتوسيع المشاركة الاجتماعية في القرار الاقتصادي.
​فالطاقة يمكن أن تكون قاعدة للسيادة والتنمية، لكنها قد تتحول إلى مصدر لتكريس التبعية إذا ظلت عوائدها منفصلة عن بناء قاعدة إنتاجية واسعة.
​كما أن التحولات في منطقة الساحل، وتراجع بعض أشكال النفوذ الخارجي وصعود قوى دولية وإقليمية جديدة، تضع الجزائر أمام معادلات أمنية وجيوسياسية معقدة. ولا ينبغي قراءة هذه التحولات بمنطق الانتصار المطلق لهذا الطرف أو ذاك، بل من زاوية قدرة دول المنطقة على حماية استقلال قرارها وبناء علاقات إقليمية متوازنة.
​أما مهمة اليسار الوطني فلا تتمثل في الاصطفاف وراء الدولة باعتبارها ممثلة آلية للمصلحة الوطنية، ولا في التقليل من أهمية السيادة والأمن. إنها تتمثل في ربط السيادة بمصالح الطبقات الشعبية، وبالديمقراطية الاجتماعية، وبالرقابة على الثروة الوطنية.
​فالاستقلال السياسي الذي لا يتحول إلى استقلال اقتصادي واجتماعي يظل منقوصاً، والموارد الطبيعية التي لا تتحول إلى تنمية عادلة قد تصبح أساساً لإعادة إنتاج التفاوتات.
​الفصل السادس عشر
​المغرب: التحول الاقتصادي والتنافس الجيوسياسي
​لا يمكن فهم موقع المغرب في التحولات المغاربية والأوروبية من دون تحليل مسارات التصنيع والتجارة والاستثمار والعلاقات الخارجية.
​لقد عمل المغرب على تطوير موقعه في قطاعات صناعية وتصديرية، وعلى توسيع بنيته التحتية واللوجستية، وربط اقتصاده بأسواق أوروبية ودولية. لكن هذا الاندماج يطرح أسئلة تتعلق بطبيعة القيمة المضافة المحلية، وبموقع العمل في سلاسل الإنتاج، وبالتفاوتات الاجتماعية والمجالية، وبمدى استقلال القرار الاقتصادي.
​فنجاح بعض القطاعات التصديرية لا يعني بالضرورة بناء قاعدة إنتاجية مستقلة، كما أن جذب الاستثمارات لا يضمن وحده انتقال التكنولوجيا أو توزيع المكاسب بصورة عادلة.
​ويظل التنافس المغربي الجزائري أحد أبرز العوامل التي تعطل إمكانات بناء مجال مغاربي متكامل. فالصراع بين الدولتين لا ينفصل عن ملفات الأمن والحدود والصحراء الغربية والتحالفات الدولية، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى مبرر دائم لتجميد المصالح المشتركة للشعوب.
​إن بناء المغرب الكبير ليس مسألة عاطفية أو شعاراً وحدوياً. إنه ضرورة اقتصادية واستراتيجية، بالنظر إلى إمكانات التكامل في الطاقة والغذاء والصناعة والنقل والتجارة والبحث العلمي.
​لكن هذا التكامل لا يمكن أن يُبنى على حساب حقوق الشعوب أو بتجاهل قضية الصحراء الغربية. المطلوب حل سياسي عادل يحترم حق تقرير المصير ويضع حداً للصراع الذي استنزف إمكانات المنطقة.
​الفصل السابع عشر
​المغرب الكبير: من التنافس بين الأنظمة إلى إمكانات التكامل الشعبي
​إن أزمة المغرب الكبير ليست مجرد أزمة علاقات دبلوماسية بين دول متجاورة. إنها أزمة مشروع إقليمي، وعجز تاريخي عن تحويل الجغرافيا والموارد والتقارب الاجتماعي إلى قوة اقتصادية وسياسية مستقلة.
​لقد أنتجت الحدود المغلقة والتنافس الأمني والاصطفافات الخارجية اقتصاداً إقليمياً مجزأً، تتحمل الشعوب كلفته عبر ضعف المبادلات وغياب شبكات النقل والتكامل الطاقي وتكرار الاستثمارات وتراجع القدرة التفاوضية الجماعية.
​وفي الوقت نفسه، تستفيد القوى الخارجية من هذا التفكك بدرجات متفاوتة، سواء عبر صفقات السلاح أو التنافس على الطاقة أو الاستثمارات أو إدارة ملفات الهجرة والأمن.
​لكن الوحدة المغاربية لا يمكن أن تكون مجرد اتفاق بين الحكومات، ولا مشروعاً لتوسيع الأسواق أمام رأس المال من دون ضمانات اجتماعية. فالتكامل الحقيقي يجب أن يقوم على مصالح العمال والفلاحين والمنتجين والمستهلكين، وعلى توزيع متوازن للمنافع، وعلى احترام السيادة الوطنية والحقوق الديمقراطية.
​إن المجال المغاربي قادر موضوعياً على تطوير تكامل في الطاقة والنقل والغذاء والصناعة والبحث العلمي. لكن هذا الإمكان يظل معطلاً بفعل تناقضات الأنظمة وضعف الديمقراطية وتغليب الحسابات الأمنية والجيواستراتيجية الضيقة.
​وهنا تبرز مهمة اليسار الوطني والمغاربي: نقل المسألة من خطاب التضامن إلى برنامج سياسي واقتصادي ملموس، يربط بين العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية والتكامل الإقليمي.
​القسم الخامس: من أزمة النظام إلى بناء البديل
​الفصل الثامن عشر
​أزمة اليسار الأوروبي: حين يتراجع المشروع قبل أن يتراجع التصويت
​لا تكمن أزمة اليسار الأوروبي في تراجع نتائجه الانتخابية فقط، بل في تراجع قدرته على تقديم تفسير متماسك للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، وعلى بناء تنظيمات قادرة على تحويل هذا التفسير إلى فعل جماعي.
​لقد دخلت أجزاء من اليسار في مسار طويل من التكيف مع قواعد الاقتصاد النيوليبرالي، حتى أصبح الفرق بين برامجها وبرامج أحزاب الوسط الليبرالي محدوداً في بعض القضايا الأساسية.
​وفي المقابل، ظهرت اتجاهات يسارية احتجاجية قادرة على التعبئة حول قضايا اجتماعية وسياسية مهمة، لكنها لم تنجح دائماً في تحويل التعبئة إلى بنية تنظيمية مستدامة أو إلى مشروع اقتصادي واجتماعي متكامل.
​إن الأزمة أعمق من اختلاف التكتيكات الانتخابية. إنها أزمة في تحديد الفاعل الاجتماعي الذي يستند إليه المشروع، وفي فهم تحولات الطبقة العاملة، وفي العلاقة بين الحزب والنقابة والحركة الاجتماعية.
​كما أن الانقسامات الأيديولوجية والشخصية والتنظيمية ساهمت في استنزاف طاقات اليسار، وحولت الاختلافات إلى قطيعة دائمة، بدلاً من أن تكون مجالاً لإنتاج التعدد والوحدة على قاعدة برنامج مشترك.
​ليس المطلوب حزباً يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا جبهة انتخابية تجمع المتناقضات دون أرضية استراتيجية. المطلوب بناء فضاء سياسي قادر على إدارة الاختلاف، وتحديد الأولويات، وربط النضالات الاجتماعية بمشروع تغيير بنيوي.
​إن اليسار الذي لا يمتلك تصوراً للملكية والإنتاج والثروة والسلطة سيظل محصوراً في نقد النتائج، عاجزاً عن مساءلة الأسباب.
​الفصل التاسع عشر
​التنظيم والكتلة الاجتماعية التاريخية: من الغضب إلى الذات الثورية
​لا تسقط الأنظمة لمجرد أن أزماتها تتعمق، ولا تتحول التناقضات الاجتماعية إلى ثورة بمجرد اتساع الاحتجاجات.
​إن التاريخ لا يتحرك بفعل الشروط الموضوعية وحدها. فالأزمة قد تفتح إمكانات التغيير، لكنها قد تفضي أيضاً إلى إعادة إنتاج السلطة أو إلى صعود قوى رجعية تستثمر الخوف والارتباك وانعدام البديل.
​وهنا تبرز مسألة التنظيم الثوري، لا باعتباره جهازاً مغلقاً أو تنظيماً يختزل المجتمع في قيادته، بل باعتباره أداة لإنتاج الوعي الجماعي وتوحيد النضالات وتنظيم الفعل المستقل.
​إن بناء الذات الثورية يتطلب تجاوز الفردانية السياسية، ومشاريع الخلاص الفردي، والرهان على الزعيم أو المؤسسة أو اللحظة الانتخابية. كما يتطلب تجاوز التنظيمات التي تتحول إلى هياكل إدارية منفصلة عن قواعدها الاجتماعية.
​أما الكتلة الاجتماعية التاريخية فلا تُبنى بإعلان وحدة شكلية بين فئات مختلفة. إنها تتشكل عبر إدراك المصالح المشتركة، وصياغة برنامج يربط بين المطالب المباشرة والأفق الاستراتيجي، وإنتاج أدوات تنظيمية قادرة على الاستمرار.
​وتضم هذه الكتلة الأجراء والعمال والفلاحين وصغار المنتجين والشباب والنساء والفئات المتضررة من علاقات التراكم، لكن وحدة هذه الفئات لا تعني تطابق مصالحها في كل المسائل. إنها تتطلب عملاً سياسياً يحدد نقاط الالتقاء ويدير التناقضات دون إلغائها.
​إن التنظيم الذي لا يتجذر في المجتمع يتحول إلى نادٍ سياسي، والاحتجاج الذي لا يجد تنظيماً يضمن استمراريته يتحول إلى موجة عابرة.
​من هنا تصبح مهمة اليسار الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة، ومن مرافقة الاحتجاج إلى بناء القوة الاجتماعية القادرة على توجيهه وتطويره.
​الفصل العشرون
​السيادة الاقتصادية والبرنامج الاشتراكي الديمقراطي
​لا يمكن الحديث عن السيادة الوطنية في ظل تبعية غذائية وطاقية وتكنولوجية ومالية عميقة، كما لا يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية في ظل احتكار القرار الاقتصادي من قبل أقلية تملك وسائل الإنتاج وتحدد وجهة الاستثمار.
​إن السيادة الاقتصادية ليست انغلاقاً على العالم، ولا اكتفاءً ذاتياً مطلقاً، ولا رفضاً للتبادل الدولي. إنها قدرة المجتمع على تحديد أولوياته الإنتاجية، والتحكم في موارده الاستراتيجية، وتطوير قاعدة صناعية وزراعية وتكنولوجية، والدخول في علاقات تبادل لا تقوم على الاستتباع.
​ومن هنا يطرح البرنامج الاشتراكي الديمقراطي مجموعة من المحاور المترابطة:
​أولاً، حماية القطاعات الاستراتيجية والخدمات العمومية، وتطويرها على أساس النجاعة والرقابة الاجتماعية والمحاسبة، لا على أساس الخصخصة العمياء أو الإدارة البيروقراطية.
​ثانياً، إعادة توجيه الاستثمار نحو الإنتاج الحقيقي، والزراعة المستدامة، والصناعة، والبحث العلمي، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا.
​ثالثاً، تطوير نظام ضريبي عادل يجعل الثروة والريع والأرباح الكبيرة تتحمل نصيباً متناسباً من تمويل الخدمات العمومية.
​خامساً، تطوير الديمقراطية التشاركية والرقابة على المؤسسات والميزانيات والصفقات العمومية، حتى لا تتحول الدولة إلى مجال مغلق لتبادل المصالح بين النخب.
​سادساً، بناء سياسة إقليمية مغاربية قائمة على التكامل الاقتصادي والتضامن الشعبي واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها.
​لكن البرنامج لا يصبح اشتراكياً لمجرد إدراج هذه المطالب في وثيقة سياسية. إن جوهره يكمن في معالجة مسألة الملكية والقرار الاقتصادي، وفي توسيع المشاركة الاجتماعية في تحديد وجهة الإنتاج وتوزيع الفائض.
​فالعدالة ليست مجرد إعادة توزيع جزء من الثروة بعد إنتاجها؛ إنها أيضاً مشاركة المجتمع في تحديد ما يُنتج، وكيف يُنتج، ولمن يُنتج.
​الفصل الحادي والعشرون
​الديمقراطية التشاركية وإعادة تركيب العلاقات الاجتماعية
​لا يمكن بناء مشروع اجتماعي بديل بالاعتماد على الدولة المركزية وحدها، ولا بالاكتفاء بالآليات الانتخابية التي تختزل المشاركة في اختيار ممثلين كل بضع سنوات.
​إن الديمقراطية التشاركية ليست بديلاً عن التمثيل السياسي، بل آلية لتوسيعه وتعميقه، ولإشراك المواطنين والعمال والمنتجين في القرارات التي تمس حياتهم ومصالحهم.
​فالمؤسسة العمومية لا ينبغي أن تكون مجالاً مغلقاً بين الإدارة والسلطة السياسية. والمجالس المحلية لا ينبغي أن تتحول إلى واجهات شكلية. كما أن النقابات والجمعيات والتنظيمات المهنية لا يمكن أن تؤدي دورها إذا ظلت خارج دوائر القرار.
​إن إعادة تركيب العلاقات الاجتماعية تتطلب تطوير أشكال جديدة من المشاركة والرقابة، وربط القرار الاقتصادي بالمساءلة المجتمعية.
​لكن الديمقراطية التشاركية لا تعني إلغاء التناقضات أو افتراض وجود مصلحة موحدة بين جميع الفئات. فالصراع حول الموارد والميزانيات والأولويات يظل قائماً، والمطلوب هو إدارته في فضاءات ديمقراطية حقيقية، لا دفنه تحت خطاب الوحدة الوطنية.
​إن الديمقراطية التي لا تمس توزيع السلطة الاقتصادية تظل محدودة، والعدالة الاجتماعية التي لا تستند إلى المشاركة السياسية تصبح عرضة للبيروقراطية والوصاية.
​من هنا فإن المشروع الاشتراكي الديمقراطي لا يقوم على تأميم القرار باسم الشعب، بل على بناء مؤسسات تتيح للمجتمع مراقبة الثروة والمشاركة في توجيهها، وعلى ضمان استقلال التنظيمات الاجتماعية والسياسية.
​الفصل الثاني والعشرون
​من المطلب إلى المشروع: أفق الصراع في أوروبا والعالم
​لقد بينت الفصول السابقة أن أوروبا لا تعيش أزمة اقتصادية منفصلة عن المجتمع والسياسة والعلاقات الدولية. إنها تعيش أزمة نموذج تاريخي، تتداخل فيها تحولات الإنتاج مع تراجع التسوية الاجتماعية، وصعود اليمين القومي مع أزمة اليسار، والتنافس الدولي مع مأزق الاستقلال الاستراتيجي.
​لكن هذه الأزمة لا تحمل في ذاتها ضمانة التغيير التقدمي. فقد تفضي إلى إعادة بناء الرأسمالية على قاعدة أكثر سلطوية وقومية وعسكرية، وقد تفتح المجال أمام مشروع اجتماعي بديل. والنتيجة ليست محسومة سلفاً.
​إن الفرق بين الاحتمالين لا يتحدد بحدة التناقضات وحدها، بل بوجود قوى اجتماعية قادرة على فهمها وتنظيمها وتوجيهها.
​ولهذا فإن الانتقال من المطلب إلى المشروع يقتضي تجاوز التجزئة التي تجعل كل فئة تدافع عن موقعها بمعزل عن بقية المجتمع. فلا يمكن فصل معركة الأجور عن معركة السكن، ولا معركة الخدمات العمومية عن السيادة الاقتصادية، ولا الدفاع عن الحقوق الديمقراطية عن مقاومة تركيز الثروة والسلطة.
​كما لا يمكن بناء يسار أوروبي جديد بمعزل عن التضامن مع شعوب الجنوب، ولا يمكن بناء استقلال مغاربي حقيقي في ظل استمرار الاستلحاق الاقتصادي والجيوسياسي.
​إن المطلوب هو بناء أفق سياسي يربط بين النضال الاجتماعي داخل كل بلد وبين مواجهة علاقات الهيمنة على المستوى الدولي، دون السقوط في الاصطفاف الآلي بين القوى الكبرى أو استبدال تبعية بأخرى.
​فلا الولايات المتحدة تمثل الحرية لمجرد أنها تتحدث باسم الديمقراطية، ولا الصين تمثل التحرر لمجرد أنها تنافس الهيمنة الأمريكية، ولا روسيا تمثل بديلاً للشعوب لمجرد صدامها مع الغرب.
​المعيار هو مصلحة الشعوب، وحقها في تقرير مصيرها، وقدرتها على التحكم في ثرواتها ومواردها وقرارها السياسي.
​وهنا تعود المسألة إلى جوهرها: من يملك؟ من يقرر؟ من يستفيد؟ ومن يدفع؟
​هذه ليست أسئلة اقتصادية فقط، بل أسئلة سياسية وتاريخية تحدد طبيعة النظام الذي نعيش فيه وإمكانات تجاوزه.
​خاتمة
​النظام القديم لا يسقط لأنه يترنح
​إن أوروبا التي عرفناها بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد هي أوروبا اليوم. لم تعد التسوية الاجتماعية قادرة على أداء الوظيفة نفسها، ولم تعد الدولة الاجتماعية تمتلك شروطها التاريخية القديمة، كما لم تعد الأحزاب والنقابات التقليدية قادرة بالضرورة على احتواء التحولات الاجتماعية أو تمثيل المصالح الجديدة للطبقات الشعبية.
​لكن هذا لا يعني أن أوروبا تتجه حتماً إلى الانهيار، ولا أن الرأسمالية فقدت قدرتها على التكيف. فقد أثبت التاريخ أن النظام الرأسمالي قادر على إعادة إنتاج نفسه عبر الأزمات، وعلى تحويل الهزائم الجزئية إلى فرص جديدة للتركيز والتمركز، وعلى نقل كلفة اختلالاته إلى المجتمع والدول الأضعف.
​إن الخطر الأكبر ليس في أزمة الرأسمالية وحدها، بل في إمكانية خروجها من الأزمة على قاعدة توسيع الاستغلال والسلطوية والعسكرة والقومية العدوانية.
​فحين يعجز اليسار عن تقديم بديل، لا تبقى الساحة فارغة. يملؤها اليمين بخطاب الهوية والخوف والعداء للمهاجرين، وتملؤها القوى المالية بخطاب الضرورة والانضباط، وتملؤها المؤسسات الأمنية بخطاب الاستقرار.
​ومن هنا لا يكفي أن يكون اليسار محقاً في نقد النظام. عليه أن يكون قادراً على بناء القوة الاجتماعية التي تجعل هذا النقد قابلاً للتحول إلى فعل تاريخي.
​إن المعركة ليست من أجل استعادة الماضي، بل من أجل بناء شروط جديدة للعدالة الاجتماعية والسيادة والديمقراطية. ولا يتعلق الأمر بإعادة إنتاج نموذج دولة الرعاية كما كان، بل بتجاوز حدود ذلك النموذج عبر توسيع المشاركة في القرار الاقتصادي والاجتماعي.
​أما بالنسبة إلى المغرب الكبير، فإن التحولات الأوروبية ليست مجرد أحداث تجري على الضفة الشمالية للمتوسط. إنها تؤثر في أسواقنا ومواردنا وهجرتنا وطاقتنا وقرارنا السياسي. لكننا لسنا مجرد متلقين سلبيين لهذه التحولات. فلدينا إمكانات إنتاجية وبشرية وموارد ومواقع استراتيجية يمكن أن تتحول إلى قاعدة لمشروع إقليمي مستقل، إذا توفرت الإرادة السياسية والقوى الاجتماعية القادرة على فرضه.
​إن السيادة لا تُمنح، والعدالة لا تُهدى، والحقوق لا تُصان بالانتظار.
​إنها تُنتزع بالتنظيم والوعي والصراع وبناء موازين قوى جديدة.
​النظام القديم لا يسقط لأنه يترنح، ولا يتغير لأن تناقضاته أصبحت فاضحة. إنه يتغير عندما تظهر القوى القادرة على بناء ما بعده.
​وهنا تكمن المهمة التاريخية لليسار: أن ينتقل من تفسير العالم إلى تنظيم القوى القادرة على تغييره.
​المراجع والإحالات
​أولاً: المصادر الاقتصادية والإحصائية
​Eurostat، «GDP up by 0.4% in the euro area and by 0.5% in the EU»، 30 أكتوبر 2026.
البيانات الأولية للناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من 2026.
الرابط: https://ec.europa.eu/eurostat/web/main/news/news-releases
​Eurostat، «Government debt at 88.8% of GDP in euro area»، 21 أكتوبر 2026.
بيانات الدين العام في الربع الثاني من 2026.
الرابط: https://ec.europa.eu/eurostat/databrowser/view/gov_10dd_edpt/
​Eurostat، «Government finance statistics»، أكتوبر 2026.
بيانات العجز والدين العام والمالية العمومية.
الرابط: https://ec.europa.eu/eurostat/statistics-explained/index.php?title=Government_finance_statistics
​المفوضية الأوروبية، «Economic forecast for France»، 21 مايو 2026.
التوقعات الاقتصادية لفرنسا.
الرابط: https://economy-finance.ec.europa.eu/economic-forecast-and-surveys/economic-forecasts/
​Reuters، «Fitch revises France s outlook to negative on worsening debt dynamics»، 30 أكتوبر 2026.
تطور النظرة الائتمانية لفرنسا.
الرابط: https://www.reuters.com/business/finance/
​البرلمان الأوروبي، نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي 2024.
النتائج وتوزيع المقاعد.
الرابط: https://results.elections.europa.eu/
​ثانياً: مقالات محمد نجيب وهيبي ومصادره الفكرية
​هذه المقالات تمثل خلفية فكرية وتحليلية لفصول هذه الدراسة، وهي ليست مصادر للبيانات الإحصائية الواردة فيها.
​صفحة الكاتب في الحوار المتمدن.
الرابط: https://www.ahewar.org/m.asp?i=9852
​تفكيك الاستلحاق البنيوي: في المأزق الوطني التونسي وشروط التجاوز التنموي والسيادي.
الرابط: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=821015
​العالم يحترق... والنظام القديم يترنح.
الرابط: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=815420
​فرنسا: هل تُسقط سياط بونابرت المالي أوهام الجمهوريات الخمس؟
الرابط: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=809312
​تونس بعد 17 أكتوبر: حين يستعيد الشارع موقعه... وتستنهض الذات الثورية مشروعها.
الرابط: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=801254
​لا ثورة دون تنظيم ثوري: تونس بعد 25 جويلية.
الرابط: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=795120
​الإطار النظري العام لبرنامج الاشتراكيين.
الرابط: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=782341
​نحو إعادة تركيب العلاقات الاجتماعية.
الرابط: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=771092
​لا مصلحة للشعوب في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.
الرابط: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=828450
​الجزائر، رياح التغيير وإعادة تشكيل المغرب الكبير: من صراع الأنظمة إلى مهمة اليسار الوطني.
الرابط: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=763110
​ولد الشعب يترنح يميناً مرة تلو أخرى.
الرابط: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=752981



#محمد_نجيب_وهيبي (هاشتاغ)       Ouhibi_Med_Najib#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أوروبا في مأزق إعادة إنتاج نظامها من أزمة التسوية الاجتماعية ...
- العالم يحترق... والنظام القديم يترنح
- تونس... حين يغدو الشارع ضرورة تاريخية لا خيارًا تكتيكيًا
- تونس بعد 17 أكتوبر: حين يستعيد الشارع موقعه... وتستنهض الذات ...
- فرنسا: هل تُسقط سياط «بونابرت المالي» أوهام الجمهوريات الخمس ...
- الجزائر، رياح التغيير وإعادة تشكيل المغرب الكبير من صراع ال ...
- تفكيك -الاستلحاق البنيوي-: في المأزق الوطني التونسي وشروط ال ...
- ثور ونحلبوه ...... من تونسي يتصبب عرقًا في بيته... إلى تونسي ...
- الاهواز عربية ، فلسطين عربية و شعب الصحراء عربي
- لا مصلحة للشعوب في الحرب الدائرة في الشرق الاوسط
- الصراع الأمريكي–الإيراني: حين تتصارع الهيمنة والكهنوت على أر ...
- اضغاث واقع
- تشظي اليسار الاشتراكي الديمقراطي التونسي كنموذج لأزمة التقاط ...
- في ازمة الاتحاد العام التونسي للشغل
- الانتخابات التونسية في مهب الريح - براني سموم-
- دموع وعرق واسفلت
- ماكرون يُقامر بكل فرنسا لإنقاذ اوراقه الاخيرة
- نافورة ... ( دورة الحياة الرتيبة )
- بداية ب ( لا) نهاية
- كيان ... ( انعكاس ام حقيقة )


المزيد.....




- بين مؤيد ومعارض لسعرها.. لفافة -طاووق- باهظة الثمن تثير جدلا ...
- رسالة من محمد بن سلمان إلى رئيس الصين.. وبكين سترسل مبعوثين ...
- منها السعودية وإيران.. العراق يعلن ضبط 9 أطنان من المخدرات ف ...
- مع تصاعد الاحتجاجات.. ترامب لماكرون: دمرت بلدك بسياسة الهجرة ...
- نبوءة لبابا فانغا تحذر مواليد هذا البرج من عام عصيب في 2027. ...
- طبيب يحدد المستوى المثالي للسكر في الدم
- طفيلي خطير يثير القلق في ولاية أمريكية.. تحذيرات من تنظيف ال ...
- تقرير عن احتمالات فشل استراتيجية الاتحاد الأوروبي في التخلي ...
- أطعمة قد ترتبط بانخفاض هرمون الذكورة لدى الرجال
- ترامب: سنحمي إيلون ماسك و-سبيس إكس- من الديمقراطيين عند الحا ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد نجيب وهيبي - أوروبا في زمن التحولات الكبرى ​من أزمة الرأسمالية الأوروبية إلى إعادة تشكيل النظام العالمي