أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد نجيب وهيبي - الجزائر، رياح التغيير وإعادة تشكيل المغرب الكبير من صراع الأنظمة إلى مهمة اليسار الوطني















المزيد.....

الجزائر، رياح التغيير وإعادة تشكيل المغرب الكبير من صراع الأنظمة إلى مهمة اليسار الوطني


محمد نجيب وهيبي
(Ouhibi Med Najib)


الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 20:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الجزائر، رياح التغيير وإعادة تشكيل المغرب الكبير

من صراع الأنظمة إلى مهمة اليسار الوطني

محمد نجيب وهيبي
(Ouhibi Med Najib)

مقدمة: من الجزائر التي كانت إلى الجزائر التي تتشكل

لم تعد الجزائر اليوم هي الجزائر التي كنا نقرأها سنة 2012 أو حتى سنة 2015. يومها كان السؤال يدور حول قدرة النظام الجزائري على امتصاص رياح ما سمي بالربيع العربي، وعلى حماية منظومته السياسية والاقتصادية بواسطة فائض الريع النفطي والغازي، وعلى منع انتقال عدوى التغيير إلى الداخل. أما اليوم فقد تغيرت البيئة الدولية والإقليمية بصورة عميقة: تراجع النفوذ الفرنسي التقليدي في الساحل، صعود أدوار روسية وتركية وخليجية، اشتداد المنافسة المغربية–الجزائرية، تفكك منظومات الأمن القديمة في مالي والنيجر، وتحوّل الصحراء الغربية إلى عقدة مركزية في إعادة ترتيب شمال إفريقيا.

والأهم أن الجزائر نفسها انتقلت من سياسة تقوم على الحذر الشديد من التدخل العسكري خارج الحدود إلى سياسة أكثر استعداداً لحماية مصالحها في العمق الساحلي. وفي سبتمبر 2026 برز تحول نوعي آخر مع قطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، بعد سنوات من التوتر المتصاعد بين البلدين.

لذلك فإن قراءة الجزائر اليوم لا يمكن أن تبقى أسيرة صورة الدولة الريعية المغلقة، ولا لصورة القلعة الوطنية المحاصرة. نحن أمام دولة تحاول إعادة إنتاج دورها الإقليمي في لحظة تاريخية تتفكك فيها قواعد النظام القديم، فيما تبقى مهمات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي مطروحة بقوة على جدول الشعوب.

---

المحور الأول: 2012 ــ مالي تفتح البوابة الجنوبية

كان انهيار الدولة المالية سنة 2012 لحظة تأسيسية في إعادة صياغة الأمن الإقليمي للجزائر. لم يكن الأمر مجرد أزمة داخلية في دولة مجاورة، بل انكشافاً للحدود الجنوبية أمام تحولات حملت معها السلاح والجماعات المسلحة والطوارق وتداعيات سقوط النظام الليبي.

آنذاك كانت الجزائر تنظر إلى مالي باعتبارها عمقاً أمنياً لا يمكن السماح بتحوله إلى منصة لقوى دولية منافسة. وكانت فرنسا تدفع باتجاه تدخل عسكري واسع، بينما كانت الجزائر تتحفظ على الحل العسكري خشية تحول الساحل إلى أفغانستان مفتوحة على حدودها.

كانت تلك اللحظة تكشف مبكراً التناقض بين منطقين: منطق جزائري يريد إبقاء الأزمة داخل فضائها الإفريقي وإدارتها بالتفاوض والأمن الإقليمي، ومنطق فرنسي يرى في الفوضى فرصة لإعادة تثبيت النفوذ السياسي والعسكري. ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن إعادة ترتيب الأدوار.

لكن الأهم أن مالي كشفت هشاشة النظام الأمني الذي بناه الاستعمار في الساحل: دول واسعة جغرافياً، فقيرة اجتماعياً، ضعيفة المؤسسات، وحدودها أكبر من قدرتها على السيطرة عليها. ومنذ ذلك التاريخ لم تعد الجزائر قادرة على التعامل مع جنوبها باعتباره مجرد حزام أمني؛ لقد تحول الساحل إلى ساحة صراع دولي مفتوحة.

وهنا تبدأ الحكاية الجديدة للجزائر.

---

المحور الثاني: 2015 ــ الجزائر بين الريع والاحتواء

في منتصف العقد الماضي كانت الجزائر لا تزال تمتلك هامشاً مالياً يسمح لها بشراء الوقت. الريع الطاقي مكّن السلطة من تمويل السلم الاجتماعي، وتغطية جانب من الاختلالات الاقتصادية، وإدارة التوازنات بين مؤسسات الدولة وأجنحة الحكم.

لكن نموذج الدولة الريعية كان يحمل تناقضه داخله: كلما توسعت وظيفة الدولة الاجتماعية دون أن يتوسع الاقتصاد المنتج، أصبحت الدولة أكثر ارتباطاً بسعر النفط والغاز، وأكثر تعرضاً للصدمات الخارجية.

كانت تلك هي الفكرة المركزية التي ظهرت في القراءة السياسية للجزائر آنذاك: المشكلة ليست في نقص الثروة وإنما في طبيعة إنتاجها وتوزيعها. فالاقتصاد الذي يبيع المادة الخام ويستورد القيمة المضافة يبقى اقتصاداً تابعاً حتى وإن راكم احتياطيات مالية ضخمة.

وفي المقابل كان النظام السياسي يحاول الحفاظ على شرعيته عبر مزيج من الوطنية والأمن والذاكرة التحررية والإنفاق الاجتماعي.

لكن نهاية عهد بوتفليقة أظهرت حدود هذه المعادلة. فقد انفجرت سنة 2019 حركة شعبية واسعة أدت إلى إسقاط مشروع الولاية الخامسة. وهنا لم يعد السؤال: هل تستطيع السلطة شراء السلم؟ بل أصبح: هل تستطيع إعادة إنتاج نفسها بعد سقوط رمزها المركزي؟

لقد دخلت الجزائر منذ ذلك التاريخ مرحلة جديدة: استمرار الدولة، مع إعادة ترتيب السلطة داخلها.

---

المحور الثالث: 2019 ــ الحراك وسؤال الدولة الوطنية

كان حراك 2019 لحظة مختلفة عن احتجاجات العقود السابقة. فقد كشف أن المجتمع الجزائري لم يعد يقبل بسهولة أن تكون شرعية الثورة التحريرية بديلاً دائماً عن الشرعية السياسية والاجتماعية المعاصرة.

لكن الحراك كشف في الوقت نفسه مأزق المعارضة الجزائرية، وخاصة اليسار الوطني. فقد امتلك الشارع قوة احتجاجية كبيرة، لكنه لم يمتلك بالمقابل مركزاً سياسياً منظماً قادراً على تحويل الاحتجاج إلى مشروع دولة.

وهنا تظهر إحدى العقد التي لم تتجاوزها القوى اليسارية في المنطقة منذ عقود: كيف يمكن الجمع بين الدفاع عن الدولة الوطنية ومقاومة الدولة الأمنية؟ وكيف يمكن مواجهة التبعية الخارجية دون التحول إلى سند سياسي للسلطة القائمة؟

هذه ليست مسألة جزائرية فقط.

فاليسار الوطني الذي يربط السيادة الوطنية بالدفاع غير المشروط عن السلطة يفرغ الوطنية من مضمونها الاجتماعي. واليسار الذي يختزل الديمقراطية في إسقاط النظام دون تصور اقتصادي واجتماعي بديل يترك المجال لقوى أخرى لإدارة المرحلة.

المطلوب تاريخياً هو صياغة مفهوم ثالث: دولة وطنية ديمقراطية، مستقلة في قرارها، اجتماعية في وظائفها، ومنتجة في اقتصادها.

وهذا هو المدخل الحقيقي لفهم دور اليسار الوطني اليوم، لا باعتباره ملحقاً بالسلطة ولا ذيلاً للمعارضة الليبرالية أو للإسلام السياسي.

---

المحور الرابع: 2021 ــ المغرب والجزائر يدخلان مرحلة القطيعة الاستراتيجية

منذ قطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب سنة 2021 أصبح الصراع بين القوتين المغاربيتين أكثر وضوحاً وأقل قابلية للاحتواء بالخطاب التقليدي عن الوحدة المغاربية.

لم تعد قضية الصحراء الغربية وحدها تفسر الصراع. أصبحت القضية نقطة تقاطع بين ملفات الطاقة والأمن والموانئ والتحالفات الدولية والنفوذ في إفريقيا.

المغرب اتجه بصورة متزايدة نحو الأطلسي، وعزز علاقاته مع الولايات المتحدة ودولة الكيان والإمارات، بينما حافظت الجزائر على موقع مختلف في ملفات التطبيع والصحراء والساحل.

وقد أصبح التنافس المغربي–الجزائري عاملاً مؤثراً حتى في أوروبا؛ إذ باتت علاقات القوى الأوروبية مع أحد الطرفين تُقرأ في كثير من الأحيان من زاوية انعكاساتها على الطرف الآخر.

أما الصحراء الغربية فقد تحولت من نزاع إقليمي إلى ورقة استراتيجية في إعادة توزيع الاعترافات والشراكات. ومع استمرار دعم الجزائر لجبهة البوليساريو ودعم المغرب لخطة الحكم الذاتي، أصبح كل تقدم دبلوماسي لطرف مكسباً سياسياً للطرف الآخر.

وهنا تكمن المعضلة: لقد تحولت قضية تحرر وحق تقرير مصير إلى جزء من لعبة محاور أكبر من أطرافها المباشرة.

---

المحور الخامس: الساحل ــ مالي والنيجر وانهيار النظام القديم

إذا كان عام 2012 قد فتح الأزمة، فإن السنوات الأخيرة جعلت منها نظاماً إقليمياً جديداً.

مالي والنيجر وبوركينا فاسو لم تعودا تتحركان وفق القواعد التي كانت فرنسا تفرضها في الساحل. خروج القوات الفرنسية، وصعود التحالفات العسكرية المحلية، ودخول روسيا عبر Africa Corps، كلها عناصر أنهت عملياً جزءاً مهماً من البنية الأمنية التي حكمت المنطقة لعقود.

لكن خروج فرنسا لم يعنِ انتهاء التبعية؛ بل أعاد توزيعها.

وهذا هو الخطأ الذي ينبغي على اليسار الوطني تجنبه: استبدال شعار "فرنسا" بشعار "روسيا" دون تغيير طبيعة العلاقة الاقتصادية والسياسية. الاستقلال الحقيقي لا يكون بتغيير الراعي الخارجي، وإنما ببناء قدرة وطنية على التحكم في الموارد والسياسات.

وقد أصبحت مالي والنيجر اليوم أكثر اضطراباً أمنياً؛ وتشير المعطيات الحديثة إلى تصاعد كبير في نشاط الجماعات المرتبطة بالقاعدة وتنظيم الدولة في الساحل.

وفي 2026 اتخذت الجزائر خطوة أكثر جرأة في هذا المجال، مع ظهور عقيدة تسمح بدور عسكري خارجي أكثر مباشرة، خصوصاً بعد أزمة النيجر ومحاولة الانقلاب فيها.

وهكذا تنتقل الجزائر من سياسة "عدم التدخل" إلى سياسة "حماية المجال الاستراتيجي".

---

المحور السادس: الإمارات، المغرب ودولة الكيان ــ تشكل محور جديد

التوتر الجزائري–الإماراتي لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي عابر. ففي 10 سبتمبر 2026 أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، متهمة أبوظبي بأفعال "استفزازية وعدائية"، بينما لم تقدم الجزائر تفصيلاً علنياً واحداً يختزل أسباب القطيعة كلها.

وتكشف الخلفية أن الخلاف أوسع: الإمارات أقرب إلى المغرب في ملف الصحراء، ولها علاقات وثيقة مع دولة الكيان، فيما تتمسك الجزائر بموقف مختلف جذرياً من التطبيع ومن القضية الفلسطينية.

لكن ينبغي هنا تجنب عقلية المؤامرة. وجود مصالح إماراتية وإسرائيلية ومغربية متقاطعة لا يعني وجود غرفة سرية واحدة تدير كل شيء. السياسة الدولية أكثر تعقيداً: هناك رأسمال يبحث عن الأسواق والموانئ والطاقة، ودول تبحث عن النفوذ، وأنظمة تبحث عن الحماية، وقوى كبرى تعيد توزيع مواقعها.

المسألة بالنسبة للجزائر هي أن شبكة هذه التحالفات تقترب من فضائها الاستراتيجي: المغرب غرباً، الساحل جنوباً، المتوسط شمالاً، والخليج في شبكة استثمارات وتحالفات تتقاطع مع هذه الملفات.

لذلك جاءت القطيعة مع الإمارات في سياق أوسع من مجرد العلاقات الثنائية: إنها تعبير عن صراع على شكل النظام الإقليمي القادم.

---

المحور السابع: تونس ــ من الجار الندّي إلى المجال الوظيفي؟

هنا تصبح المسألة التونسية أكثر حساسية.

ليس السؤال هل الجزائر "شقيقة" أم لا. العلاقات الدولية لا تبنى على قاموس القرابة. السؤال الحقيقي هو: ما طبيعة المصالح المتبادلة؟ وما موقع كل دولة داخل منظومة الإنتاج والأمن والطاقة والنقل والحدود؟

كانت تونس تاريخياً تملك وظيفة إقليمية أكبر من حجمها الجغرافي، بفضل التعليم والخدمات والتجارة والدبلوماسية والموارد البشرية. لكن الاختلال الاقتصادي بعد 2011، ثم الاضطراب السياسي، ثم إعادة تشكيل السلطة بعد 25 جويلية، أضعف قدرة الدولة التونسية على إنتاج خيارات مستقلة.

وفي المقابل تحولت الجزائر إلى قوة إقليمية أكثر حضوراً، مستفيدة من وزنها الطاقي والعسكري والجغرافي.

وهنا يمكن أن يتحول التعاون الضروري إلى تبعية إذا غابت الندية والمؤسسات والشفافية.

المصلحة التونسية ليست في مواجهة الجزائر، كما أنها ليست في الارتماء في حضن الجزائر. المصلحة هي بناء علاقة ندية طويلة المدى: طاقة، تجارة، أمن حدود، استثمارات، نقل، مياه، تنمية حدودية، وسوق مغاربية.

اليسار الوطني هنا مطالب بإعادة تعريف الوطنية: لا عداء للشعوب، ولا تقديس للأنظمة، ولا قبول بتحويل تونس إلى ساحة خلفية لأي قوة إقليمية.

---

المحور الثامن: اليسار الوطني أمام الامتحان التاريخي

هنا نصل إلى جوهر المسألة.

لم يعد ممكناً لليسار الوطني في الجزائر وتونس والمغرب والساحل أن يبقى أسير الثنائية القديمة: إمبريالية مقابل نظام وطني، أو ديمقراطية مقابل سيادة، أو معارضة مقابل سلطة.

التجربة أثبتت أن هذه الثنائيات تنتج مأزقاً دائماً.

فاليسار الذي يدافع عن السلطة الأمنية باسم مقاومة الإمبريالية يفقد استقلاله الطبقي. واليسار الذي يطلب التدخل الخارجي باسم الديمقراطية يفقد معناه الوطني. واليسار الذي يكتفي بالشعارات الاجتماعية دون بناء مشروع اقتصادي يبقى خارج دائرة التأثير.

المطلوب هو استعادة مفهوم اليسار الوطني الديمقراطي باعتباره مشروعاً يجمع السيادة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

أي اقتصاد منتج، سياسة طاقية وطنية، عدالة جبائية، حماية للمؤسسات العمومية الاستراتيجية، تنمية للمناطق المهمشة، فصل الدين عن الدولة، استقلال القضاء، حقوق نقابية، ورفض تحويل الجيوش والأجهزة الأمنية إلى فاعل سياسي دائم.

وعلى المستوى المغاربي، لا يمكن لليسار الوطني أن يقبل بأن يتحول الصراع الجزائري–المغربي إلى قدر تاريخي دائم. قضية الصحراء تحتاج حلاً يحفظ حقوق الصحراويين، لكن المنطقة تحتاج أيضاً إلى كسر منطق الحرب الباردة المغاربية.

هذه ليست رومانسية وحدوية؛ إنها ضرورة اقتصادية وسياسية.

---

المحور التاسع: من جغرافيا الصراع إلى جغرافيا الشعوب

المشكلة الأساسية في المغرب الكبير ليست نقص الموارد، وإنما سوء توزيعها وتحويلها إلى أدوات صراع بين أوليغارشيات متنافسة.

الغاز الجزائري، والموانئ المغربية، والموارد الليبية، والعمق الإفريقي، واليد العاملة التونسية، والموقع الجغرافي للمغرب العربي كلها يمكن أن تكون عناصر تكامل. لكنها تتحول اليوم إلى أوراق تفاوض وصراع.

والنتيجة أن أوروبا تحصل على الطاقة والأسواق، والقوى الدولية تتنافس على الموانئ والممرات، بينما تبقى المجتمعات المغاربية والساحلية في مواجهة البطالة والهجرة والفقر والعنف والتهميش.

هنا تصبح مهمة اليسار الوطني أكبر من حدود الدولة القطرية دون أن تلغيها.

إن بناء فضاء مغاربي ديمقراطي لا يعني إلغاء الدول، بل جعل التعاون بينها قائماً على الندية. والتكامل مع الساحل لا يعني التدخل فيه، بل بناء علاقات اقتصادية وتنموية تحفظ استقلال شعوبه.

أما تونس، فعليها أن تعيد بناء موقعها على قاعدة المصالح لا على قاعدة الخوف.

والجزائر مطالبة بأن تدرك أن القوة الإقليمية المستدامة لا تُقاس بعدد الدبابات ولا بحجم احتياطي الغاز، بل بقدرة الدولة على إنتاج مجتمع مستقر واقتصاد متنوع وعلاقات خارجية متوازنة.

وهنا بالذات يصبح اليسار الوطني أمام مهمته الأصعب: أن يعيد السياسة إلى المجتمع، والثروة إلى الإنتاج، والسيادة إلى الشعب.

---

خاتمة: الجزائر ليست قدراً وتونس ليست حديقة خلفية

من 2012 إلى 2026 تغيرت المنطقة أكثر مما تغيرت في العقود السابقة. سقطت أنظمة، وانكمشت قوى، وخرجت فرنسا من أجزاء واسعة من الساحل، ودخلت روسيا إلى مساحات جديدة، وصعدت الإمارات كقوة مالية وسياسية، وتعاظم الدور المغربي في الأطلسي وإفريقيا، بينما استعادت الجزائر جزءاً من مبادرتها الإقليمية.

لكن شيئاً واحداً لم يتغير بما يكفي: شعوب المنطقة ما زالت تبحث عن دولة وطنية حديثة، واقتصاد منتج، وعدالة اجتماعية، وديمقراطية حقيقية.

والدرس الأهم أن لا الجزائر شرّ لا بد منه، ولا المغرب، ولا تونس، ولا أي دولة أخرى قدر محتوم لشعوبها. المشكلة ليست في الشعوب، بل في علاقات القوة التي تنتجها الأنظمة وطبقات الحكم والتحالفات الاقتصادية.

ومن هنا فإن اليسار الوطني لا يستطيع أن يكون مجرد شاهد على الصراع.

عليه أن يطرح السؤال الذي تهرب منه الأنظمة جميعاً: لمن تكون الدولة؟ ولمن تكون الثروة؟ ومن يقرر اتجاه الاقتصاد والسياسة الخارجية؟ ومن يدفع ثمن الحروب والصراعات الإقليمية؟

إذا بقيت الإجابة بيد الأوليغارشيات والأجهزة ومراكز المال الخارجي، فستظل المنطقة تدور في الحلقة نفسها: صراع على السلطة، صراع على الحدود، صراع على الطاقة، وصراع على النفوذ، بينما تبقى الشعوب خارج الطاولة.

أما إذا أصبح المواطن والطبقة العاملة والطبقات الشعبية طرفاً منظماً في صناعة القرار، فإن المغرب الكبير يستطيع الانتقال من جغرافيا الصراع إلى جغرافيا المصالح المشتركة.

وهنا فقط يمكن الحديث عن سيادة وطنية حقيقية، لا سيادة الأنظمة على شعوبها.

-----
* التغييرات الإستراتيجية في المنطقة : الجزائر ، رياح التغيير ودور قوى اليسار الوطني : https://m.ahewar.org/s.asp?aid=475664&r=0

* الملفّ المالي : خيار أمريكي فرنسي يدفع الجزائر الى المستنقع https://m.ahewar.org/s.asp?aid=332364&r=0
* تفكيك -الاستلحاق البنيوي-: في المأزق الوطني التونسي وشروط التجاوز التنموي والسيادي : https://m.ahewar.org/s.asp?aid=934246&r=0



#محمد_نجيب_وهيبي (هاشتاغ)       Ouhibi_Med_Najib#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفكيك -الاستلحاق البنيوي-: في المأزق الوطني التونسي وشروط ال ...
- ثور ونحلبوه ...... من تونسي يتصبب عرقًا في بيته... إلى تونسي ...
- الاهواز عربية ، فلسطين عربية و شعب الصحراء عربي
- لا مصلحة للشعوب في الحرب الدائرة في الشرق الاوسط
- الصراع الأمريكي–الإيراني: حين تتصارع الهيمنة والكهنوت على أر ...
- اضغاث واقع
- تشظي اليسار الاشتراكي الديمقراطي التونسي كنموذج لأزمة التقاط ...
- في ازمة الاتحاد العام التونسي للشغل
- الانتخابات التونسية في مهب الريح - براني سموم-
- دموع وعرق واسفلت
- ماكرون يُقامر بكل فرنسا لإنقاذ اوراقه الاخيرة
- نافورة ... ( دورة الحياة الرتيبة )
- بداية ب ( لا) نهاية
- كيان ... ( انعكاس ام حقيقة )
- رؤيا
- 2 مارس 2024 موعد جديد من أجل إنقاذ تونس
- فقّإعة الاقتصاد التونسي تُبشّر بكارثة
- طابور خامس لا يعلم ... اكثر خطرا من طوابير الخبز الطويلة على ...
- حكومة الحاكم بامره وحده لا شريك له !! تعتدي على الحق النقابي ...
- مائوية الحركة الشيوعية في تونس .. ماركسي مُعترفٌ ومنضبطُ


المزيد.....




- تحليل: رفع الفائدة بعد ضغط سوق السندات.. هل ارتكب الاحتياطي ...
- مصر: حصر المشروعات العقارية المُتعثرة وسط تحرك لتنظيم السوق ...
- مفاجأة عن حياة أبرز المحذرين من الذكاء الاصطناعي.. يرتبط بنج ...
- أنفاق وعبوات ومسيّرات.. إسرائيل تكشف كواليس معركة -بالغة الت ...
- -مخطط إيراني- لاغتيال عالم نووي إسرائيلي.. محكمة في القدس تد ...
- غوتيريش: ينبغي مساءلة الدول التي تؤجج الصراع في السودان
- بيان دولي من الرياض لتعزيز التعاون في أخلاقيات الذكاء الاصطن ...
- تاكر كارلسون: روسيا مكاني المفضل وأود العودة إليها
- بعد تقييده بشريط لاصق على متن الطائرة.. الراكب يفاجئ المحكمة ...
- فرض ضريبة على دفن الموتى بمصر.. بيان يحسم الجدل


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد نجيب وهيبي - الجزائر، رياح التغيير وإعادة تشكيل المغرب الكبير من صراع الأنظمة إلى مهمة اليسار الوطني