أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد نجيب وهيبي - تفكيك -الاستلحاق البنيوي-: في المأزق الوطني التونسي وشروط التجاوز التنموي والسيادي














المزيد.....

تفكيك -الاستلحاق البنيوي-: في المأزق الوطني التونسي وشروط التجاوز التنموي والسيادي


محمد نجيب وهيبي
(Ouhibi Med Najib)


الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 15:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


​لم تعد أزمة تونس أزمة حكومة تتعثر أو حزب يفشل أو نخبة سياسية تخطئ التقدير. ما نعيشه اليوم أعمق من ذلك بكثير: إنها أزمة مشروع وطني مستقل وأزمة قوى اجتماعية وسياسية عجزت طوال سنوات عن تحويل الدولة من مجال لتدبير الأزمات واستلحاق الوظائف إلى أداة حقيقية لبناء المستقبل.
​في المحيط الإقليمي والدولي تبدو تونس أكثر فأكثر محكومة بمنطق الموقع الجغرافي ووظائفه المحدودة. فالدولة التي كان يفترض أن تكون جزءاً فاعلاً من فضائها المغاربي والمتوسطي يجري التعامل معها باعتبارها خطاً متقدماً في إدارة الهجرة وحراسة الحدود وامتصاص الأزمات؛ بين الرؤية الإيطالية التي تقود الموقف الأوروبي والفرنسي لتمرير التمويلات الترقيعية وبين الضغوط المترتبة عن المحور الإقليمي الممتد من واشنطن مروراً بباريس وأبوظبي لابتزاز القرار الوطني بالمديونية وشح السيولة. وفي الأثناء تظل الإرادة الوطنية شلاء ومسكونة بالخوف تتجاذبها الحسابات الجزائرية والتوازنات المصرية دون القدرة على صياغة موقع مغاربي مستقل.
​وفي الداخل لم تنجح التكنوقراطية في تقديم نفسها إلا باعتبارها بديلاً عن السياسة. كلما استعصت الأزمة جرى استدعاء «القولدن بوي» وتضخيم «الكفاءة» و«الخبرة» والبيروقراطية المحافظة وكأن الدولة تحتاج إلى مدير ممتاز يطابق دفاتر الشروط أكثر مما تحتاج إلى مشروع تنموي وطني. والحال أن إدارة الملفات اليومية والتسيير الإداري مهما بلغا من الدقة لا ينتجان اقتصاداً جديداً ولا يعيدان توزيع الثروة ولا يحسمان الخيارات البنيوية للسيادة في الطاقة والغذاء والمؤسسات العمومية كشركة الكهرباء والغاز. التكنوقراطية تصبح خطراً حين تتحول من أداة لتنفيذ الاختيارات إلى وسيلة للهروب من التغيير التاريخي نفسه.
​ولا يمكن في المقابل إعفاء اليمين الديني من مسؤوليته التاريخية؛ فتسنّمه للحكم ونهمه للسيطرة على مفاصل الدولة دون حيازة حد أدنى من برنامج جامِع يُقيم صرحاً جمهورياً أو ديمقراطياً ولّد حالة العقم الشامل. غير أن الشعبوية لم تولد من فراغ بل وجدت أرضيتها في صراع الهويات التافه وفي الفقر والتهميش وعجز النخب فتصيّدت لحظة الانهيار السياسي والأخلاقي لتجهض وتقبر كل محاولات إنجاز انتقال ديمقراطي وطني ناجز وشامل يفتح على أفق العدالة الاجتماعية.
​أما اليسار والقوى التقدمية فليس من حقها أن تكتفي بدور الضحية بعد أن بددت طاقتها في صراعات انتخابوية ضيقة وتطاحن حول الأوهام الأيديولوجية. وفي لحظة كان الشباب فيها يبحث عن معنى سياسي صدامي تراجعت التنظيمات السياسية والنقابية عن التأطير الميداني تاركة المجال لموجة التمويل الخارجي والشبكات الجمعياتية بين 2011 و2015 لتخترق الفضاء الشبابي والطلابي. إن المشكلة تكمن في تفريغ النضال من بعده الفكري وتحويل النشاط الشبابي من قوة تغيير تستهدف علاقات الإنتاج إلى مجرد "NGOs" تُدير المشاريع وتصيغ التقارير الاستهلاكية.
​وهكذا وصل المجتمع إلى حالة إنهاك مادي ومعنوي جعلت «سياسة السندويتش» بديلاً عن الاستراتيجية الوطنية: تصريح سريع صورة "لايف" على مواقع التواصل قرار ظرفي ثم الانتقال إلى أزمة أخرى؛ بينما تبقى الأسئلة الهيكلية مؤجلة. إن الخروج من هذا المأزق لا يكون بتبديل الأشخاص ولا باستجداء التكنوقراطية أو إملاءات الخارج بل بإعادة بناء وعي طبقي ووطني مستقل وقوة اجتماعية جادة تستعيد القرار الاقتصادي وتفرض مشروعاً ذاتي الارتكاز.
​إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة لا يتحقق بتبديل الأشخاص ولا بإعادة تدوير التحالفات المغشوشة ولا بالاستكانة لإملاءات الدوائر المالية الدولية؛ بل يمر حتماً عبر إعادة بناء مشروع تنموي وسيادي ذاتي الارتكاز يتأسس على قطيعة إبستمولوجية وسياسية مع خيارات "الاستلحاق" بدءاً باستعادة الدولة لدورها التخطيطي والاستثماري في قطاعات السيادة الحيوية—من طاقة ومياه وغذاء وتصنيع تحويلي—وحماية المؤسسات العمومية والمالية الوطنية كركائز للتماسك الاجتماعي وقاعدة لبناء اقتصاد إنتاجي حقيقي. كما يفترض هذا البديل صياغة عقد اجتماعي جديد يُعيد الاعتبار للعمل والعدالة الجبائية وتوزيع الثروة ويؤسس لسياسة خارجية ندّية تنطلق من المصلحة الوطنية العليا والأفق المغاربي المستقل. غير أن جبهة هذا القطع التاريخي لن تتشكل في الفراغ؛ إذ يتطلب الأمر أولاً وقبل كل شيء خضوع اليسار الاشتراكي الديمقراطي التونسي لنقد ذاتي جدي وشجاع يقطع مع عثرات الماضي والصراعات الانتخابوية الضيقة ويميط اللثام عن مكامن الخلل الذاتي ليؤسس لوحدة تنظيمية وسياسية صلبة قائمة على برامج استراتيجية واضحة. إن اليسار الاشتراكي الديمقراطي حين يستعيد عافيته النقدية وانسجامه البرنامجي هو وحده الكفيل بأن يكون القاطرة التاريخية والرافعة الحقيقية لأي تغيير وطني جذري يتجه بتونس نحو الأفضل. إنها في الجوهر معركة استعادة الوعي والقرار الوطني لبناء دولة ديمقراطية اجتماعية صلبة تملك برنامجها وتستند إلى القوى الحية لشعبها وتسترد حقها التاريخي في صنع مستقبلها بإرادة حرة ومستقلة.



#محمد_نجيب_وهيبي (هاشتاغ)       Ouhibi_Med_Najib#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثور ونحلبوه ...... من تونسي يتصبب عرقًا في بيته... إلى تونسي ...
- الاهواز عربية ، فلسطين عربية و شعب الصحراء عربي
- لا مصلحة للشعوب في الحرب الدائرة في الشرق الاوسط
- الصراع الأمريكي–الإيراني: حين تتصارع الهيمنة والكهنوت على أر ...
- اضغاث واقع
- تشظي اليسار الاشتراكي الديمقراطي التونسي كنموذج لأزمة التقاط ...
- في ازمة الاتحاد العام التونسي للشغل
- الانتخابات التونسية في مهب الريح - براني سموم-
- دموع وعرق واسفلت
- ماكرون يُقامر بكل فرنسا لإنقاذ اوراقه الاخيرة
- نافورة ... ( دورة الحياة الرتيبة )
- بداية ب ( لا) نهاية
- كيان ... ( انعكاس ام حقيقة )
- رؤيا
- 2 مارس 2024 موعد جديد من أجل إنقاذ تونس
- فقّإعة الاقتصاد التونسي تُبشّر بكارثة
- طابور خامس لا يعلم ... اكثر خطرا من طوابير الخبز الطويلة على ...
- حكومة الحاكم بامره وحده لا شريك له !! تعتدي على الحق النقابي ...
- مائوية الحركة الشيوعية في تونس .. ماركسي مُعترفٌ ومنضبطُ
- لا -ثورة- دون تنظيم ثوري : تونس بعد 25 جويلية


المزيد.....




- لقاء ثلاثي قد يجمع بوتين وترامب وشي.. هذا ما كشفه الكرملين
- جندي واحد يقود عشرات المسيّرات والروبوتات.. إسرائيل تكشف منظ ...
- أشلاء وجثامين متفحمة.. قتلى وجرحى في انفجار مخزن ذخائر ومخلف ...
- -مقدمات المواجهة الكبرى تتبلور-.. تحذير إيراني: العالم على أ ...
- واشنطن تخطّط لـ-ضربات حاسمة- ضد نووي إيران.. -جبل الفأس- في ...
- للمرة الأولى منذ 20 عاماً.. -الطاقة الذرية- تحيل إيران إلى م ...
- نتنياهو يتوعد طهران من جنوب سوريا: -إسقاط النظام بات قريباً ...
- إسرائيل.. إجراءات عقابية ضد أوروبا قريبا
- غزة.. معاناة يومية للحصول على وجبة طعام
- حكومة صنعاء تصدر عفوا رئاسيا عن -المقاتلين المغرر بهم في الس ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد نجيب وهيبي - تفكيك -الاستلحاق البنيوي-: في المأزق الوطني التونسي وشروط التجاوز التنموي والسيادي