أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب وهيبي - اضغاث واقع














المزيد.....

اضغاث واقع


محمد نجيب وهيبي
(Ouhibi Med Najib)


الحوار المتمدن-العدد: 8562 - 2025 / 12 / 20 - 20:47
المحور: الادب والفن
    


أضغاث واقع ...
استيقظ متأخرًا كعادته في يوم الأحد، ثقيل الرأس من أثر الليلة الماضية، والصداع يُقيم حفلا صاخبا بين جدران جمجمته، غادر سريره متثاقلًا، يجر جسده المنهك نحو المطبخ الصغير الذي بالكاد يتسع له ولثلاجته القديمة. سكب الماء المغلي فوق القهوة السوداء، بينما عيناه تائهتان في الفراغ، كأن الحياة حوله لا تعنيه.

في هذه الأزقة، حيث تتكدس البيوت بعضها فوق بعض مثل أكوام من الطوب المتهالك، يعيش الآلاف مثله. غرف ضيقة، جدران متهالكة، وحياة بائسة يلتهمها الروتين. الموظف البسيط الذي يكدح كل يوم، يكافح من أجل سداد الفواتير، بينما الاخرون يرفلون في نعيم الحياة و يطمسون بالقوة والقهر ملامح البؤس اليومية لغالبية الناس ويجبرونهم أن يقنعوا برتابة موتهم على الهامش .

جلس أمام التلفاز وضغط على زر التشغيل ودون إرادة منه، ظهرت قناة الأخبار، تعيد بث مشاهد الخراب والدمار. وجوه مشوهة من الحروب، أطفال جائعون يلتهمهم البرد، وأمهات تتوسل السماء لرحمة لا تأتي. اراد تغيير القناة ولكن الريموت ابى ان يستجيب، كأنه هو الآخر تآمر مع هذا الواقع ليكشفه أمام نفسه. نبضات قلبه تتسارع، وشيء داخله يتحرك، كأنه يستيقظ من غيبوبة طالت أكثر من اللازم.

أمثاله في الغالب يغرقون في روتين العمل القاسي مقابل رواتب بالكاد تكفي لسد الاحتياجات الأساسية. مجتمع قائم على التفاوت الطبقي حيث تتركز الثروات في أيدي القلة، بينما يُستنزف السواد الأعظم في أعمال مملة بلا أي فرصة للهروب من دوامة الفقر. الوعد بالعدالة الاجتماعية يبدو خياليًا في ظل النظام الذي يحكم كل شيء.

حاول الهروب من هذا الواقع عبر التلفاز، ولكن المشاهد لم تتغير، فقرر اللجوء إلى ما يفعله دائمًا عندما تضيق به الحياة: فتح هاتفه وتصفح الفضاء الأزرق. كان يبحث عن أخبار كرة القدم، عن الصور المعتادة التي تملأ يومه الخاوي من أي معنى، صور الحسناوات المبتسمات وفيديوهات المقالب والنكت الخفيفة ، وعلى غير العادة اعترضته دعوة لمظاهرة، دعوة لمساندة قضية لم يكن يتابعها بجدية من قبل.

حدّق في الشاشة، لم يكن هذا ما يبحث عنه، ولكن شيئًا ما شدّه. الدعوة كانت ملحّة بشكل غريب، كأنها تنتظر منه ردًا فوريًا. وقبل أن يفهم ما يحدث، وجد نفسه يرتدي ملابسه على عجل. لم يفكر كثيرًا. كل شيء حدث بسرعة غير مفهومة. خرج من غرفته الضيقة واندفع إلى الشارع كأن شيئًا في داخله يقوده، كأن هناك قوة خفية تدفعه نحو المجهول.

لم يكن أمثاله عادة يشاركون في الاحتجاجات أو يتدخلون في الشأن السياسي. هؤلاء هم "المواطنون الصامتون"، الذين يعملون ويعيشون ويموتون دون أن يُسمع لهم صوت. لكن عندما تتحرك المشاعر المكبوتة، عندما يُفاجأ المرء بالظلم على الشاشة، يتغير كل شيء. النظام الذي يُبقينا مشغولين بالروتين والبؤس اليومي لا يستطيع دائمًا أن يمنع شرارة الغضب.

وجد نفسه وسط حشد ضخم، يرفع الشعارات ويهتف بحرقة وحماسة فاجآه أنهما تسكناه. هتف للحرية، للمقاومة، وصرخ ضد الاحتلال والظلم وضد القهر والحيف الاجتماعي والفقر والمهانة ، سبّ السّاسة وشتم الحكومة حتى ، عبارات يعرفها كل حياته ولم يرددها يوما أصبحت الآن تخرج من فمه بعفوية. كان يحمل لافتة كتب عليها "الحرية للإنسان" ويرفعها بكل قوته شعور قوي بالانتماء يغمىه لاول مرة ، إنه الآن جزءًا من شيء أشمل من حياته البائسة.

هو هناك الآن في الميدان يحمل مدفعا رشّاشا و يقفز ويناور بين الاطلال ويجندل العدو من المسافة صفر ويهتف ملئ صدره للمقاومة ، من قلب المعركة ولهيبها تتناثر جثث المحتل حوله ، اثخنته الجراح و لِكِنّ سعادته رفعته دون أجنحة الى عنان السماء يُعانقُ سُحب المجد .
- ايا باش إنسكّروا ؟
ايقظه النادل بهذه العبارة من حلم يقظته ، نظر حوله كانت الحانة خاوية مثل الاطلال ، أحصى سبعة عشر جثة خضراء على طاولته ، كانت الجموع قد تفرقت وهدأ صخبهم ، لكن الهتافات لم تخفت داخله فاتجه الى حانته المعتادة وانتحى ركنا قصيا فيها ، تمطى بتبرم ونظر الى الساقي بانزعاج ثم نقده حقّه وغادر تحمله نشوة لم يتعوّدها يوما .
في الشارع اوقفته دورية وطلبت هويته ووجهته سلّمهم إياها وأخبرهم أنه يقصِدُ وطنه .
- أين المدفع الرشّاش ؟ باغته الشرطي
- أي مدفع ؟ أجاب وقد ارتدّ كالمصعوق !!
- أما كنت تُقاتل ؟ من أين حصلت عليه ؟
- ولكِنّه حلم !!! اقسم انه حلم !!!
- ومن سمح لك ان تحلم بمثل ذلك ؟ أين ترخيصك للأحلام ؟
- هاهو !!
- ولكن صلاحيته منتهية !!! وأصلا سقف احلامك المتاح لا يسمح لك بهذا المستوى ؟؟ من سمح لك ؟؟
حكم عليه في النهاية بسنتين من الكوابيس الشاقة عقابا على اختراقه لمرسوم الاحلام المسموحة وتعريضه للامن العام ومصلحة الوطن العليا للخطر .
-----



#محمد_نجيب_وهيبي (هاشتاغ)       Ouhibi_Med_Najib#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشظي اليسار الاشتراكي الديمقراطي التونسي كنموذج لأزمة التقاط ...
- في ازمة الاتحاد العام التونسي للشغل
- الانتخابات التونسية في مهب الريح - براني سموم-
- دموع وعرق واسفلت
- ماكرون يُقامر بكل فرنسا لإنقاذ اوراقه الاخيرة
- نافورة ... ( دورة الحياة الرتيبة )
- بداية ب ( لا) نهاية
- كيان ... ( انعكاس ام حقيقة )
- رؤيا
- 2 مارس 2024 موعد جديد من أجل إنقاذ تونس
- فقّإعة الاقتصاد التونسي تُبشّر بكارثة
- طابور خامس لا يعلم ... اكثر خطرا من طوابير الخبز الطويلة على ...
- حكومة الحاكم بامره وحده لا شريك له !! تعتدي على الحق النقابي ...
- مائوية الحركة الشيوعية في تونس .. ماركسي مُعترفٌ ومنضبطُ
- لا -ثورة- دون تنظيم ثوري : تونس بعد 25 جويلية
- عذرا رئيسنا لا احب لك غياهب النسيان ... فلا تزجّوا بي في غيا ...
- دردشة حول فلسطين ( مُتشنِّجة بهدوء ) ...
- صندوق الدعم مكسب اجتماعي وطني لا يجب التفريط فيه!!
- برلمان بائس لكنه حقيقي وضروري
- تونس : رئيس الجمهورية لا يؤمن بقيم الجمهورية


المزيد.....




- الخارجية العمانية: ركزت المشاورات على تهيئة الظروف الملائمة ...
- بالفيديو.. إيقاف رياضي في الفنون القتالية لسبب غريب
- مهرجان -جدّي كنعان- الرمضاني.. تعليم وترفيه للأطفال بروح مقد ...
- بن يونس ماجن: شطحات لكبار السن
- وزير الثقافة السعودي يزور المتحف الوطني السوري
- الشرع في افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب: -سوريا تعود-
- مصطفى محمد غريب: شهادة التأمل في الفصول
- محمد حلاق المثقف الثائر: المبدع عندما لا يترك وراءه أثره
- كيف أعاد التغير المناخي كتابة سرديات الرعب؟
- الممثل جوزيف غوردون ليفيت ينضم إلى حملة لإنهاء حصانة بعض شرك ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب وهيبي - اضغاث واقع