|
|
فرنسا: هل تُسقط سياط «بونابرت المالي» أوهام الجمهوريات الخمس؟
محمد نجيب وهيبي
(Ouhibi Med Najib)
الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 19:33
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
من الفلاحين والسترات الصفراء إلى الشبيبة المنتفضة... ومن البونابرتية المالية إلى الشبح الكوموني
«هناك شبح يجوب أوروبا العجوز اليوم»... ليس شبحاً بالمعنى الذي قصده ماركس في منتصف القرن التاسع عشر فحسب، وليس بالضرورة شبحاً لكومونة باريس تعود كما كانت سنة 1871، وإنما شبح السؤال الذي لم تستطع الرأسمالية الأوروبية دفنه: ماذا يحدث عندما يفقد النظام قدرته على جعل المحكومين يقبلون بصورة دائمة دفع ثمن أزماته؟ في فرنسا، لا ينبغي أن نقرأ ما يحدث اليوم باعتباره انفجاراً مفاجئاً بدأ من بوابات المدارس والثانويات. فالشارع الفرنسي لم يستيقظ أمس. لقد كان الفلاحون هناك قبل سنوات، وكانوا يقطعون الطرقات ويغلقون المعابر ويواجهون الدولة دفاعاً عن قدرتهم على البقاء. وكانت «السترات الصفراء» قد سبقت الجميع إلى اكتشاف أن ما يسمى الجمهورية الاجتماعية يمكن أن يصبح، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الفرنسيين، جمهورية للضرائب غير العادلة والوقود الغالي وتراجع القدرة الشرائية واتساع المسافة بين المركز والأطراف. ثم جاءت معركة التقاعد. وجاءت الإضرابات. وجاءت احتجاجات 2023. وجاءت معركة سانت-سولين، حيث تحول الصراع حول الماء والزراعة والنموذج الاقتصادي إلى مواجهة أمنية كبرى، وأصبحت مسألة الحق في الاحتجاج نفسها جزءاً من الصراع. وقد سجلت منظمات حقوقية فرنسية ودولية منذ سنوات انتقادات لاستخدام القوة أثناء الاحتجاجات، كما دعا مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا، خلال أزمة «السترات الصفراء»، إلى مراجعة استخدام الأسلحة ذات التأثير غير القاتل، محذراً من خطورة الإصابات الناجمة عنها. ولذلك فإن ما يحدث اليوم ليس بداية الحكاية. إنه تراكم الحكاية. الفلاح الذي قال إن الدولة تريد منه أن ينتج أكثر ويبيع بأقل. والعامل الذي قال إن إصلاح التقاعد يعني أن يعمل أطول كي يحصل على أقل. والموظف الذي يرى راتبه يتآكل بينما تتآكل معه المدرسة والمستشفى والنقل والخدمات العمومية. والشاب الذي يدخل المدرسة أو الجامعة وهو لا يرى أمامه سوى سنوات أطول من الدراسة، وسوق عمل أكثر هشاشة، وارتفاع في كلفة الحياة، وديون اجتماعية واقتصادية تتراكم قبل أن يبدأ حياته. إنهم ليسوا حركة واحدة. لكنهم يعيشون، بدرجات مختلفة، أزمة واحدة. السترات الصفراء والجيل الجديد كانت «السترات الصفراء» لحظة كاشفة. فقد خرجت من خارج البنى الحزبية والنقابية التقليدية، وحملت إلى قلب فرنسا العميقة غضباً لم تستطع الطبقة السياسية التقليدية احتواءه بسهولة. ولم يكن ذلك الغضب مجرد اعتراض على ضريبة المحروقات؛ بل كشف عن أزمة أعمق تتعلق بالمجال الاجتماعي والجغرافي، وبإحساس قطاعات من السكان بأن الدولة المركزية تطلب منهم التضحية بينما تتقلص قدرتهم على الوصول إلى الخدمات والعيش الكريم. وكان الرد الأمني أحد أكثر وجوه تلك الأزمة إثارة للجدل. المجلس الأوروبي لحقوق الإنسان، وهيئات حقوقية أخرى، وثقت مخاوف جدية بشأن الإصابات الناجمة عن استخدام القوة خلال احتجاجات السترات الصفراء، بينما وثقت هيومن رايتس ووتش إصابات خطيرة مرتبطة باستخدام المقذوفات المطاطية والغاز والقنابل المسيلة للدموع. ولذلك فإن من يرفع اليوم صوته احتجاجاً على القمع البوليسي لا يتحدث عن حادثة معزولة. إنه يتحدث عن استمرارية في عقيدة إدارة الاحتجاج. لقد أصبح السؤال في فرنسا أكثر خطورة من مجرد: كيف تحافظ الشرطة على النظام؟ السؤال هو: ما هو الحد الفاصل بين حماية النظام العام وقمع التعبير الاجتماعي عن رفض النظام الاجتماعي القائم؟ وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما يكون المحتجون قاصرين. ففي احتجاجات أكتوبر 2026 الحالية، سُجلت آلاف الاعتقالات، وأصيب عدد من المتظاهرين وأفراد الشرطة، ووقعت أعمال عنف وتخريب لا يمكن تبريرها. لكن ذلك لا يلغي السؤال المتعلق بتناسب القوة المستخدمة، ولا يجعل كل تلميذ محتج مشروعاً أمنياً. وقد أثار فقدان فتى يبلغ 15 عاماً يده بعد التقاطه قنبلة صاعقة للشرطة في مدينة لانس احتجاجات وانتقادات حادة لطريقة إدارة الاحتجاجات. وهنا يجب أن تكون الكلمة واضحة: العنف ضد الأشخاص والممتلكات مرفوض، لكن لا يمكن تحويله إلى رخصة مفتوحة لاستخدام القوة المفرطة ضد الاحتجاج السلمي، ولا إلى ذريعة لمعاقبة جيل كامل لأنه تجرأ على النزول إلى الشارع. فالشرطة ليست فوق القانون. والدولة ليست فوق المجتمع. والجمهورية التي تتحدث باسم الحرية والمساواة والأخوة لا يمكنها أن تجعل من العصا والغاز والاعتقال لغتها الأولى في مخاطبة شباب المدارس. الشارع لم يبدأ اليوم لهذا يجب أن نرفض القراءة التي تريد تصوير الحركة الراهنة باعتبارها «مؤامرة» اخترعتها جهة سياسية. فالوقائع تقول إن الاحتجاجات الطلابية الحالية بدأت من مطالب ملموسة: نقص المدرسين، اكتظاظ الأقسام، تدهور البنية التحتية، طول ساعات الدراسة، ومشكلات نظام القبول الجامعي. ثم اتسعت إلى مئات المدارس، وتزامنت مع تعبئة عمالية وموظفين عموميين ضد مشروع موازنة 2027. وفي 29 سبتمبر وحده خرج موظفو القطاع العام في تعبئة وطنية واسعة، بينما قدرت الحكومة عدد المشاركين بأكثر من مئتي ألف، وقدمت النقابات أرقاماً أعلى. وكانت قضية الأجور والقدرة الشرائية والخدمات العامة في قلب التحرك. إذن نحن أمام شيء يتجاوز «احتجاجاً مدرسياً». إنه تراكم اجتماعي يبحث عن نقطة التقاء. وقد تكون هذه هي المسألة الحاسمة في المرحلة القادمة: هل تستطيع هذه الاحتجاجات أن تبقى جزر غضب منفصلة؟ أم تستطيع أن تلتقي حول مطالب اجتماعية مشتركة؟ بين العامل والطالب، بين الفلاح والعاطل، بين الموظف وساكن الضواحي، بين المستشفى والمدرسة والمصنع والميناء؟ هنا يبدأ التاريخ الحقيقي. بونابرتية مالية فوق مجتمع مأزوم إن الأزمة المالية الفرنسية هي الوجه الآخر للمشهد. بلغ الدين العمومي الفرنسي نحو 119 بالمائة من الناتج الداخلي الخام في منتصف 2026، فيما تواجه الحكومة عجزاً مرتفعاً وتضغط عليها الأسواق المالية لخفضه. وقد قفزت تكاليف الاقتراض، واتسع الفارق بين السندات الفرنسية والألمانية، في وقت تحاول فيه الحكومة تمرير موازنة تقوم على مزيج من خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات. وهنا تحديداً تعود إلينا ماركسية «الثامن عشر من برومير». ليس لأن ماكرون هو بونابرت جديد بالمعنى التاريخي. وليس لأن فرنسا أصبحت دكتاتورية. وإنما لأن هناك شيئاً يستحق التأمل في تحول السلطة التنفيذية إلى مركز إدارة دائم لأزمة تتراجع فيها قدرة التمثيل البرلماني التقليدي على إنتاج توافق اجتماعي. هذه هي البونابرتية المالية في معناها التحليلي. حين تضيق هوامش الدولة المالية، تصبح الموازنة أداة لإعادة توزيع الأزمة. وحين تعجز السياسة عن إقناع المجتمع، يصبح القانون والإجراء التنفيذي والأجهزة الأمنية أدوات لإدارة الرفض. وحين تصبح الأسواق والدين العام وكلفة الاقتراض محددات مركزية للسياسة الاقتصادية، تضيق مساحة الاختيار الاجتماعي حتى لو بقيت صناديق الاقتراع مفتوحة. لكن علينا ألا نقع في التفسير التآمري السهل. فالمسألة ليست أن «البنوك أمرت» والإليزيه نفذ. إنها منظومة أكثر تعقيداً: أسواق مالية، دين عام، قواعد أوروبية، تكلفة الاقتراض، مصالح اقتصادية، اختيارات سياسية، ونموذج إنتاج وتوزيع للثروة يضع الدولة أمام تناقض مستمر بين حماية التوازنات المالية وحماية الحقوق الاجتماعية. وهنا تصبح المعركة على الموازنة معركة طبقية في معناها الواسع. من يدفع؟ ومن يُحمى؟ ومن يتحمل التقشف؟ ومن يحصل على الإعفاءات؟ ومن يدفع فاتورة الدين؟ ومن يدفع فاتورة الحرب؟ الماكرونية: من وعد التجاوز إلى مأزق النهاية دخلت الماكرونية حياتها السياسية بوعد يتجاوز اليمين واليسار. لكنها انتهت، في سنواتها الأخيرة، إلى مشهد فرنسي أكثر استقطاباً وتفككاً، مع تراجع الأحزاب التقليدية وتعمق الأزمة البرلمانية والاجتماعية. وقد أشارت تحليلات سياسية حديثة إلى أن تفكك الوسط السياسي التقليدي وتراجع الأحزاب القديمة تزامنا مع صعود اليمين المتطرف واليسار الراديكالي، بينما أصبحت الماكرونية نفسها أكثر ارتباطاً بالسلطة التنفيذية وأقل قدرة على إنتاج قاعدة سياسية شعبية مستقرة. والأهم أن ماكرون لم يعد يملك رفاهية تقديم نفسه باعتباره الرجل الذي يستطيع أن يقف فوق الانقسامات. إن الانقسامات هي التي أصبحت تحاصره. وفي نهاية ولايته، لم تعد القضية فقط من سيخلف ماكرون، وإنما ماذا سيبقى من النموذج السياسي الذي مثله؟ هل تستطيع فرنسا الاستمرار في الجمع بين دولة اجتماعية قوية، وانضباط مالي متزايد، وإعادة تسلح مكلفة، وانخراط جيوسياسي متصاعد، دون أن تدفع الطبقات الشعبية الثمن؟ هذا هو السؤال المسكوت عنه. من إفريقيا إلى أوكرانيا: فرنسا التي تتقلص في الداخل وتتحرك في الخارج وهنا لا يمكن فصل الأزمة الاجتماعية عن السياسة الخارجية. ففرنسا ليست دولة أوروبية تعيش أزمة داخلية فقط. إنها قوة إمبريالية سابقة وحاضرة، نووية، عضو دائم في مجلس الأمن، ذات مصالح عسكرية واقتصادية واسعة، وتحاول الاحتفاظ بمكانة دولية تتعرض منذ سنوات لضغوط شديدة. في إفريقيا، شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً كبيراً للوجود العسكري الفرنسي في الساحل، في سياق انقلابات وصعود سلطات عسكرية ورفض متزايد للنفوذ الفرنسي، مع انتقال بعض دول الساحل إلى علاقات أمنية وسياسية أوثق مع روسيا. وقد وصفت تحليلات حديثة انسحاب فرنسا من الساحل بأنه أحد التحولات الاستراتيجية الكبرى في عهد ماكرون. إن فرنسا التي كانت تريد أن تقدم نفسها بوصفها القوة الأوروبية القادرة على إدارة فضائها الإفريقي تجد نفسها أمام واقع مختلف. النفوذ الفرنسي التقليدي يتراجع. روسيا تتقدم. تركيا حاضرة. دول الخليج حاضرة. الصين حاضرة. والدول الإفريقية نفسها أصبحت أكثر قدرة على رفض الوصاية القديمة. لقد انكسر شيء أساسي في علاقة فرنسا بإفريقيا. وهذا لا يعني اختفاء المصالح الفرنسية، ولا يعني أن القوى الجديدة تحولت إلى بدائل تحررية؛ بل يعني ببساطة أن الاحتكار الفرنسي القديم للنفوذ لم يعد قائماً كما كان. وفي أوكرانيا يحدث العكس تقريباً. هناك تتحرك فرنسا في الاتجاه الآخر: مزيد من الانخراط العسكري والأمني الأوروبي. في يوليو 2026 أعلنت باريس وكييف اتفاقات تتعلق بتزويد أوكرانيا بمقاتلات رافال، وأنظمة دفاع جوي، ورادارات، وإنتاج بعض الأسلحة الفرنسية والأوروبية داخل أوكرانيا، في إطار دعم عسكري طويل الأمد. كما أكدت فرنسا وألمانيا استمرار دعمهما العسكري لأوكرانيا وتعزيز التعاون الدفاعي الأوروبي. وهنا تظهر مفارقة صارخة. في الوقت الذي تقول فيه السلطة الفرنسية إن البلاد مطالبة بتقليص الإنفاق وضبط العجز، تتوسع استراتيجية إعادة التسلح والدفاع الأوروبي. وفي الوقت الذي يُطلب فيه من المدرسة والمستشفى والإدارة أن تتحمل ضغط الميزانية، يُعاد بناء الصناعة العسكرية الفرنسية والأوروبية وتتصاعد النفقات الدفاعية. لا يعني ذلك أن الأمن الأوروبي وهم أو أن الحرب في أوكرانيا لا تفرض كلفة استراتيجية. لكنه يفرض سؤالاً اجتماعياً لا يمكن إسكاته: لماذا تكون التقشفية قدراً محتوماً عندما يتعلق الأمر بالأجور والخدمات الاجتماعية، بينما تصبح الزيادة في الإنفاق العسكري ضرورة استراتيجية؟ هذا السؤال ليس دعوة إلى إنكار تعقيدات الأمن الدولي. إنه سؤال عن أولويات الدولة الطبقية. إفريقيا وأوكرانيا ليستا قضيتين منفصلتين من الخطأ أيضاً قراءة إفريقيا وأوكرانيا كملفين منفصلين. فرنسا تحاول، في لحظة تراجع نفوذها الإفريقي، أن تعيد تعريف موقعها داخل أوروبا. وحين تتراجع قدرة فرنسا على التأثير منفردة في الساحل، يصبح المشروع الأوروبي للدفاع والأمن أكثر أهمية بالنسبة إليها. وحين تتراجع أوروبا أمام الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا وقوى إقليمية أخرى، تحاول باريس أن تحافظ على وزنها عبر الجيش والصناعة الدفاعية والدبلوماسية النووية. هذه ليست سياسة دولة بلا مصالح. إنها سياسة قوة تحاول إعادة تركيب قوتها في عالم يتغير. لكن كل إعادة تركيب خارجية لها فاتورة داخلية. والفاتورة يدفعها، في نهاية المطاف، مجتمع فرنسي يعيش أزمة ديون وغلاء وتراجع خدمات واحتقان اجتماعي. وهنا تتصل إفريقيا بأوكرانيا بالمدرسة والمستشفى والمصنع. وأين اليسار؟ هنا يصل السؤال إلى النقطة الأصعب. ليس السؤال: هل يستطيع اليسار الفوز في الانتخابات المقبلة؟ هذا السؤال وحده أصغر من حجم الأزمة. السؤال هو: هل يستطيع اليسار الفرنسي أن يحول تعدد الاحتجاجات إلى مشروع اجتماعي؟ هنا تبرز «فرنسا الأبية» بوصفها إحدى القوى الأكثر حضوراً في محاولة الربط بين الحركات الاجتماعية والسياسة الوطنية. وقد أعلنت الحركة في مايو 2026 دخولها مرحلة التحضير للانتخابات الرئاسية 2027، وقدمت جان لوك ميلانشون مرشحاً مقترحاً في إطار مسارها الداخلي، مع تأكيد خطابها على تغيير عميق للنظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. كما أن «فرنسا الأبية» دخلت مباشرة في دعم احتجاجات الشباب الحالية، وهو ما وضعها في مواجهة مع الحكومة التي اتهمتها باستغلال الحركة، بينما تؤكد الحركة دعمها للطلاب وتدعو إلى الانضباط وعدم الانجرار إلى العنف. لكن اليسار أمام امتحان تاريخي. فإذا تحولت الاحتجاجات إلى مجرد مادة انتخابية، فسوف تخسر الحركة الاجتماعية استقلالها. وإذا انفصل اليسار عن الشارع، سيتركه للفراغ السياسي ولليمين المتطرف. وإذا اكتفى بإدارة المؤسسات، فسوف يصبح جزءاً من النظام الذي ينتقده. المطلوب، في أفق اليسار الاشتراكي، ليس مجرد استبدال حكومة بحكومة. المطلوب إعادة بناء قوة اجتماعية قادرة على فرض توزيع مختلف للثروة والسلطة. وهنا يمكن أن تتقاطع «فرنسا الأبية» مع النقابات، والحركة العمالية، والطلاب، والفلاحين، والحركات البيئية، وسكان الضواحي، وكل القوى الاجتماعية التي تدفع ثمن التحولات الاقتصادية دون أن تكون لها القدرة الكافية على التحكم في اتجاهها. لكن هذا التقاطع ليس مضموناً. إنه معركة سياسية واجتماعية. من الانتخابات إلى الثورة الاجتماعية؟ وهنا نصل إلى السؤال الذي يتجاوز الانتخابات نفسها. هل يمكن أن تنتج الأزمة الفرنسية ثورة اجتماعية؟ لا أحد يستطيع أن يقرر ذلك مسبقاً. التاريخ لا يعمل وفق الرغبات. لكن يمكن القول إن الشروط التي تجعل السؤال ممكناً تتجمع حين تتزامن أزمة مالية، وأزمة شرعية، وأزمة تمثيل، وحركة اجتماعية واسعة، وانقسام داخل الطبقة السياسية، وصعوبة متزايدة في إدارة المجتمع بالأدوات القديمة. وإذا كان هناك درس حقيقي من مايو 1968، فهو أن الطلاب وحدهم لا يصنعون التحول. وإذا كان هناك درس من السترات الصفراء، فهو أن الغضب الاجتماعي خارج التنظيمات التقليدية قادر على هز الدولة، لكنه يمكن أن يبقى بلا أفق سياسي جامع. وإذا كان هناك درس من الإضرابات العمالية، فهو أن قوة العمل لا تزال قادرة على تعطيل دورة الاقتصاد عندما تتحول من غضب متفرق إلى فعل جماعي منظم. وإذا كان هناك درس من كومونة باريس، فهو أن السؤال السياسي لا ينتهي عند إسقاط حكومة. بل يبدأ عند السؤال: من يدير المجتمع؟ ولصالح من؟ وبأي مؤسسات؟ لا للشرطة كحل سياسي لهذا فإن معركة اليوم ليست فقط حول الموازنة. إنها أيضاً معركة حول معنى الجمهورية. لا يمكن لدولة أن تتحدث عن الحرية في الخارج ثم تتعامل مع شبابها في الداخل بمنطق أمني. ولا يمكن أن يكون كل احتجاج اجتماعي «تهديداً للنظام العام». ولا يمكن أن يصبح كل شاب غاضب مشروع مشتبه فيه. ولا يمكن أن يكون الرد على انهيار الثقة مزيداً من القوة. إن القمع البوليسي المفرط لا يحل الأزمة. إنه تؤجلها وتعمقها. وقد أظهرت التجربة الفرنسية السابقة، من السترات الصفراء إلى احتجاجات التقاعد، أن الاستخدام المفرط للقوة يمكن أن يتحول من وسيلة لضبط الشارع إلى عامل إضافي في إنتاج الغضب وفقدان الثقة. وهذه ليست مجرد قراءة سياسية؛ فقد وثقت هيئات حقوقية أوروبية ودولية مخاوف متكررة بشأن استخدام القوة أثناء الاحتجاجات الفرنسية. أما اليوم، فإن التعامل العنيف مع احتجاجات يقودها قاصرون يجعل المسألة أكثر خطورة. إن الجمهورية التي تخاف من تلميذ يحمل لافتة أكثر مما تخاف من اختلالات النظام الاجتماعي، تكون قد دخلت مرحلة عميقة من أزمة الثقة. الشبح الذي لا يموت ربما لا تعود الكومونة. وربما لا يأتي مايو 1968 جديد. وربما لا تتحد كل الحركات الاجتماعية الفرنسية في حركة واحدة. لكن شيئاً واحداً لا يمكن تجاهله: الغضب الاجتماعي الفرنسي لم يعد حادثة موسمية. إنه تاريخ متراكم. فلاحون. سترات صفراء. عمال. موظفون. طلاب. شباب الضواحي. مدافعون عن الخدمات العمومية. بيئيون. محتجو التقاعد. كلهم، رغم اختلافاتهم، يطرقون أبواب الدولة بالسؤال نفسه: إلى متى؟ إلى متى يدفع العامل ثمن أزمة لم يصنعها؟ إلى متى يطلب من الموظف التضحية فيما تتسع نفقات الدولة العسكرية؟ إلى متى يُطلب من الفلاح أن ينتج بأقل الأسعار؟ إلى متى يصبح المستشفى مدرسةً للأزمات والمدرسةُ مصنعاً للاكتظاظ؟ إلى متى يصبح الشاب هدفاً للشرطة بدل أن يكون موضوعاً لسياسة اجتماعية؟ وإلى متى تستطيع الماكرونية أن تقدم نفسها بوصفها الحل، بينما أصبحت جزءاً من أزمة النظام السياسي الذي وعدت بتجاوزه؟ من هنا لا يكون الرهان الحقيقي على الانتخابات وحدها. الانتخابات مهمة، لكنها ليست بديلاً عن بناء القوة الاجتماعية. واليسار، بما فيه «فرنسا الأبية»، سيواجه امتحانه الحقيقي في قدرته على وصل السياسة بالاجتماعي، والبرلمان بالشارع، والعامل بالطالب، والفلاح بالعاطل، والضاحية بالمصنع، والقضية الاجتماعية بالقضية الأممية. أما الأفق الاشتراكي فلا يمكن أن يكون مجرد شعار انتخابي. إنه سؤال عن إعادة بناء المجتمع على قاعدة مختلفة: أولوية الإنسان على المال، والعمل على الريع، والخدمة العمومية على منطق الربح، والتعاون الأممي على المنافسة الإمبريالية، والسلام على اقتصاد الحرب، والسيادة الشعبية على خضوع القرار العام لضغط رأس المال المالي. ومن هذه الزاوية، فإن معركة العمال والشباب في فرنسا ليست شأناً فرنسياً خالصاً. إنها جزء من سؤال عالمي. الرأسمالية في مركزها الأوروبي القديم تواجه أزماتها الخاصة، كما تواجهها المجتمعات في الجنوب العالمي بطرق أخرى. والطبقات العاملة في مختلف البلدان لا تواجه العدو نفسه بالطريقة نفسها، لكنها تواجه منطقاً عالمياً واحداً في جوهره: تراكم الثروة في الأعلى، وتحميل كلفة الأزمات إلى الأسفل. لذلك فإن التضامن الأممي ليس زينة خطابية. إنه شرط لفهم العالم. وإذا كان هناك شبح يجوب أوروبا العجوز اليوم، فهو ليس بالضرورة شبح الكومونة كما كانت في 1871. إنه شبح إمكانية أن يستعيد العمل المنظم والجماهير الشعبية حقها في طرح السؤال الذي تحاول الرأسمالية دائماً إبعاده: من يملك؟ ومن يحكم؟ ولصالح من؟ ومن شوارع باريس إلى المصانع والموانئ والمدارس والضواحي، يبقى السؤال مفتوحاً. هل تستطيع الجمهورية الخامسة أن تعيد إنتاج نفسها؟ أم أن تراكم الأزمات بدأ يفتح، من جديد، الباب أمام زمن آخر؟ زمن لا يكون فيه العامل مجرد ناخب. ولا الطالب مجرد متظاهر. ولا الفلاح مجرد محتج. بل يصبح الكادحون، حين يتوحدون وينظمون قوتهم، فاعلاً تاريخياً في صياغة مستقبلهم. المجد لنضالات العمال والفلاحين والشباب وكل ضحايا السياسات الاجتماعية النيوليبرالية. المجد للحرية في مواجهة القمع. والتضامن مع كل من يناضل من أجل العدالة الاجتماعية والحقوق الديمقراطية. ومن فرنسا إلى العالم: لا يمكن بناء مستقبل جديد بوسائل النظام القديم.
#محمد_نجيب_وهيبي (هاشتاغ)
Ouhibi_Med_Najib#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الجزائر، رياح التغيير وإعادة تشكيل المغرب الكبير من صراع ال
...
-
تفكيك -الاستلحاق البنيوي-: في المأزق الوطني التونسي وشروط ال
...
-
ثور ونحلبوه ...... من تونسي يتصبب عرقًا في بيته... إلى تونسي
...
-
الاهواز عربية ، فلسطين عربية و شعب الصحراء عربي
-
لا مصلحة للشعوب في الحرب الدائرة في الشرق الاوسط
-
الصراع الأمريكي–الإيراني: حين تتصارع الهيمنة والكهنوت على أر
...
-
اضغاث واقع
-
تشظي اليسار الاشتراكي الديمقراطي التونسي كنموذج لأزمة التقاط
...
-
في ازمة الاتحاد العام التونسي للشغل
-
الانتخابات التونسية في مهب الريح - براني سموم-
-
دموع وعرق واسفلت
-
ماكرون يُقامر بكل فرنسا لإنقاذ اوراقه الاخيرة
-
نافورة ... ( دورة الحياة الرتيبة )
-
بداية ب ( لا) نهاية
-
كيان ... ( انعكاس ام حقيقة )
-
رؤيا
-
2 مارس 2024 موعد جديد من أجل إنقاذ تونس
-
فقّإعة الاقتصاد التونسي تُبشّر بكارثة
-
طابور خامس لا يعلم ... اكثر خطرا من طوابير الخبز الطويلة على
...
-
حكومة الحاكم بامره وحده لا شريك له !! تعتدي على الحق النقابي
...
المزيد.....
-
اليوم العالمي للمدرس/ة: لا لمدرسة الرأسمالية؛ خاتمة كتاب نيك
...
-
Perilous Surrender: The Pentagon Falls for Artificial Intell
...
-
فن التعلم من الاختلاف في الممارسة النقابية والنضالية: عندما
...
-
انتخابات البوسنة والهرسك: تقدم لليسار المعتدل والقوميون يحصن
...
-
لماذا يرفض يهود ألمان اتهام حزب اليسار بمعاداة السامية؟
-
-سابق لأوانه-.. حزب الشعب الأوروبي يرفض تخصيص 15 مليار يورو
...
-
-ديلي ميل-: اشتباكات بين متظاهرين والشرطة في بريطانيا بعد وص
...
-
المناظرة التلفزيونية الأخيرة تكشف تصدعات اليسار الفرنسي قبل
...
-
اليسار الفلسطيني أمام مفترق طرق قبل صناديق الاقتراع
-
ب? ئاکام گ?يشتني کام ر?و?ند ک?م?ل?گا ل? ق?يراني ئ?ستا رزگار
...
المزيد.....
-
حينما غضب النيل
/ ماهر الكرارسي
-
في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما
...
/ محسين الشهباني
-
ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا
...
/ بن حلمي حاليم
-
ثورة تشرين
/ مظاهر ريسان
-
كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها
/ تاج السر عثمان
-
غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا
...
/ علي أسعد وطفة
-
يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي
/ محمد دوير
-
احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها
/ فارس كمال نظمي و مازن حاتم
المزيد.....
|