أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد نجيب وهيبي - أوروبا في مأزق إعادة إنتاج نظامها من أزمة التسوية الاجتماعية إلى صراع إعادة تشكيل النظام العالمي















المزيد.....

أوروبا في مأزق إعادة إنتاج نظامها من أزمة التسوية الاجتماعية إلى صراع إعادة تشكيل النظام العالمي


محمد نجيب وهيبي
(Ouhibi Med Najib)


الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 16:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أوروبا في مأزق إعادة إنتاج نظامها
من أزمة التسوية الاجتماعية إلى صراع إعادة تشكيل النظام العالمي
ما يحدث في أوروبا ليس مجرد تعثر اقتصادي عابر ولا أزمة حكومات تتبدل من دون أن يتغير شيء في بنية السلطة. نحن أمام أزمة أعمق تطال الأسس التي قام عليها النموذج الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية: التسوية الاجتماعية، ودولة الرعاية، والتوازن بين رأس المال والعمل، والقدرة على تحويل النمو الاقتصادي إلى ضمانات اجتماعية واستقرار سياسي.
لقد بُنيت أوروبا ما بعد الحرب على صيغة تاريخية محددة. رأس المال يحتفظ بملكية وسائل الإنتاج وبالقرار الاقتصادي، والطبقة العاملة تنتزع، عبر التنظيم النقابي والسياسي والصراع الاجتماعي، جزءاً من الثروة في شكل أجور وخدمات عمومية وحماية اجتماعية. لم تكن تلك الصيغة انتصاراً نهائياً للعمال، ولا تنازلاً أخلاقياً من البرجوازية، بل كانت حصيلة ميزان قوى دولي وطبقي فرضته ظروف تاريخية محددة.
لكن هذا التوازن بدأ يتآكل مع التحولات النيوليبرالية، وتحرير حركة رأس المال، وتفكيك قطاعات من الإنتاج الصناعي، وخصخصة الخدمات، وإعادة هيكلة سوق العمل. ومع كل أزمة مالية أو طاقية أو جيوسياسية، كانت كلفة الإنقاذ تُحمّل بدرجات متفاوتة إلى الأجراء والفئات الشعبية، بينما ظلت أدوات القرار الاقتصادي الكبرى محكومة بمنطق الربحية وتراكم رأس المال.
هنا ينبغي أن نتوقف: الأزمة الأوروبية ليست أزمة نقص في الثروة، بل أزمة في كيفية إنتاجها وامتلاكها وتوزيعها. إنها أزمة مجتمع ينتج ثروة هائلة، لكنه يعجز عن تحويلها إلى أمن اجتماعي متكافئ، لأن علاقات الملكية وموازين السلطة تحدد من يستفيد ومن يدفع الثمن.
ولا تعني المؤشرات الاقتصادية أن أوروبا تقف على حافة انهيار شامل. فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من سنة 2026 نمواً فصلياً بنسبة 0.4 بالمائة في منطقة اليورو و0.5 بالمائة في الاتحاد الأوروبي، لكن هذه الأرقام لا تلغي هشاشة النمو ولا التفاوت بين الاقتصادات ولا أزمة الصناعة والقدرة التنافسية. كما أن نمو فرنسا كان سلبياً بنسبة 0.1 بالمائة في ذلك الربع، وفق التقدير الأولي ليوروستات. المسألة إذن ليست إعلان موت الاقتصاد الأوروبي، بل فهم التناقض بين استمرار إنتاج الثروة وتراجع قدرة النموذج الاجتماعي والسياسي على احتواء نتائجه وتوزيع مكاسبه.
في فرنسا تتجلى الأزمة في صراع مفتوح حول من يتحمل كلفة الدين والعجز وإعادة ترتيب الإنفاق العام، وفي ألمانيا تتداخل أزمة الصناعة والطاقة والتحول التكنولوجي مع تراجع موقعها التقليدي داخل الاقتصاد العالمي. أما إيطاليا فتظل أسيرة اختلالات بنيوية بين الشمال الصناعي والجنوب المهمش، بينما تقدم إسبانيا صورة مختلفة نسبياً من حيث دينامية النمو، من دون أن يعني ذلك تجاوز هشاشة سوق العمل والتفاوتات الاجتماعية. لا يجوز وضع هذه البلدان في سلة واحدة؛ فالأزمة الأوروبية مشتركة، لكن شروطها وتجلياتها وموازين القوى داخل كل مجتمع مختلفة.
ومن قلب هذا التناقض يتقدم اليمين القومي والشعبوي. غير أن صعوده لا يمكن تفسيره بمجرد المحافظة الثقافية أو النزعة العنصرية، وإن كانتا حاضرتين بقوة في خطابه. إنه يستثمر أيضاً في فراغ سياسي تركته قوى اجتماعية فقدت الثقة في الأحزاب التقليدية، وفي شعور قطاعات من الأجراء وصغار المنتجين والفئات الهشة بأن العولمة النيوليبرالية أعادت توزيع المخاطر لمصلحتها ضدهم. يقدم اليمين تفسيراً زائفاً للأزمة، ينقل الصراع من علاقات الإنتاج والملكية إلى المهاجرين والحدود والهوية، ويحوّل الغضب الاجتماعي إلى مادة لإعادة بناء الهيمنة السياسية.
لكن اليمين لا يخرج من النظام الذي ينتقده؛ إنه يعيد ترتيب أولوياته وخطابه وأدوات سلطته، مع الحفاظ على جوهر علاقات الملكية ومصالح الكتل الرأسمالية المهيمنة. وهنا تكمن خطورته: إنه يستطيع توظيف الاحتجاج على نتائج السياسات النيوليبرالية لتوسيع سلطة الدولة الأمنية والقومية، من دون المساس بالبنية التي تنتج التفاوت والاستغلال.
أما اليسار الأوروبي، فإن أزمته لا تختزل في خسارة الانتخابات أو تراجع العضوية النقابية. إنها أزمة مشروع وتنظيم وقدرة على بناء كتلة اجتماعية تاريخية تجمع الأجراء والعمال والفئات الشعبية وصغار المنتجين والشباب، حول برنامج يتجاوز الدفاع المتفرق عن المكتسبات إلى إعادة توزيع السلطة والثروة. فلا يكفي أن يندد اليسار بالتقشف أو أن يلتحق بالاحتجاجات بعد اندلاعها؛ المطلوب أن يستعيد موقعه في إنتاج الوعي والتنظيم والمبادرة، وأن يحوّل المطالب الجزئية إلى أفق سياسي واجتماعي جامع.
ولا يمكن فهم المأزق الأوروبي بمعزل عن التحولات العالمية. فالولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية وتضغط على حلفائها، والصين تتقدم في قطاعات صناعية وتكنولوجية أساسية، وروسيا تفرض على أوروبا مراجعة حساباتها الأمنية والطاقية، فيما تتحول الحرب والإنفاق العسكري والعقوبات وإعادة توطين سلاسل الإنتاج إلى عناصر في صراع أوسع على الأسواق والموارد ومواقع النفوذ. أوروبا ليست مجرد ضحية لهذه التحولات؛ إنها طرف فيها، لكنها طرف يعاني اختلالاً في قدرته على تحويل ثقله الاقتصادي إلى استقلال استراتيجي.
وهذا ما يجعل علاقتها بالولايات المتحدة علاقة تحالف وتبعية وتنافس في آن واحد، لا علاقة تطابق كامل. كما أن صعود الصين لا يعني تلقائياً قيام بديل تحرري للنظام الرأسمالي العالمي، ولا أن التناقض مع الهيمنة الأمريكية يلغي التناقضات الاجتماعية والسياسية داخل القوى الصاعدة نفسها.
أما المغرب الكبير، فلا يقف خارج هذه التحولات. إن إعادة تشكيل الصناعة والطاقة والهجرة والأمن وسلاسل التوريد الأوروبية تعيد تحديد وظائف اقتصادات الضفة الجنوبية للمتوسط. وحين تُختزل تونس في حراسة الحدود وتدبير الهجرة وتوفير شروط الاستقرار، أو حين تتحول الطاقة والمواد الأولية والموانئ إلى أوراق في معادلات النفوذ، فإننا نكون أمام شكل من أشكال الاستلحاق البنيوي والجيوسياسي. السيادة الوطنية لا تُقاس بالخطاب، بل بقدرة المجتمع على امتلاك شروط إنتاج ثروته والتحكم في قراره الاقتصادي.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل ستنهض أوروبا من أزمتها أم ستسقط؟ بل: أي قوى اجتماعية ستحدد شكل الخروج منها، وعلى حساب من ستُعاد صياغة شروط التراكم؟
فالأزمات لا تنتج البدائل من تلقاء نفسها. وقد يخرج النظام من أزمته بتشديد الاستغلال وتوسيع السلطوية وإعادة توزيع النفوذ بين الكتل الرأسمالية، كما قد تفتح التناقضات مجالاً أمام مشروع اجتماعي وسياسي جديد. الفارق لا تصنعه حدة الأزمة وحدها، بل وجود القوى القادرة على تنظيم الغضب الاجتماعي وتحويله إلى فعل تاريخي.
من هنا تبدأ مهمة اليسار: لا من انتظار انهيار النظام، ولا من الاكتفاء بتسجيل تناقضاته، بل من بناء الذات السياسية والتنظيمية التي تستطيع نقل الصراع من الدفاع عن المكتسبات إلى تغيير شروط إنتاج الثروة وامتلاكها وتوزيعها.
النظام القديم لا يسقط لأنه متعب، ولا يتغير لأن تناقضاته أصبحت فاضحة. إنه يتغير عندما تظهر قوة اجتماعية منظمة قادرة على فرض بديلها.



#محمد_نجيب_وهيبي (هاشتاغ)       Ouhibi_Med_Najib#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العالم يحترق... والنظام القديم يترنح
- تونس... حين يغدو الشارع ضرورة تاريخية لا خيارًا تكتيكيًا
- تونس بعد 17 أكتوبر: حين يستعيد الشارع موقعه... وتستنهض الذات ...
- فرنسا: هل تُسقط سياط «بونابرت المالي» أوهام الجمهوريات الخمس ...
- الجزائر، رياح التغيير وإعادة تشكيل المغرب الكبير من صراع ال ...
- تفكيك -الاستلحاق البنيوي-: في المأزق الوطني التونسي وشروط ال ...
- ثور ونحلبوه ...... من تونسي يتصبب عرقًا في بيته... إلى تونسي ...
- الاهواز عربية ، فلسطين عربية و شعب الصحراء عربي
- لا مصلحة للشعوب في الحرب الدائرة في الشرق الاوسط
- الصراع الأمريكي–الإيراني: حين تتصارع الهيمنة والكهنوت على أر ...
- اضغاث واقع
- تشظي اليسار الاشتراكي الديمقراطي التونسي كنموذج لأزمة التقاط ...
- في ازمة الاتحاد العام التونسي للشغل
- الانتخابات التونسية في مهب الريح - براني سموم-
- دموع وعرق واسفلت
- ماكرون يُقامر بكل فرنسا لإنقاذ اوراقه الاخيرة
- نافورة ... ( دورة الحياة الرتيبة )
- بداية ب ( لا) نهاية
- كيان ... ( انعكاس ام حقيقة )
- رؤيا


المزيد.....




- الملكة رانيا تستحضر التراث الأردني بالمدرقة الكركية في افتتا ...
- خبير مكياج يظهر بنسخة مطابقة لممثلة أمريكية على السجادة الحم ...
- محمد رمضان يتواصل مع زوج عاملة النظافة لتبرئتها
- ناريشكين: أوروبا تسقط عيوبها التاريخية على روسيا
- الصين تطلق المجموعة 21 من أقمار الاتصالات-SpaceSail-
- مصر.. مودة الأدهم تعود لجمهورها بعد خروجها من السجن
- إسرائيل.. تهديدات بالقتل وتسلل مريب أمام منزل آيزنكوت
- مصر تلغي تسهيلات الدخول لمواطني 3 دول
- عراقجي: إيران لا تكن أي عداء لدول الخليج
- وساطات -مكوكية- لتجنب جولة حرب جديدة في المنطقة، وإيران تقول ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد نجيب وهيبي - أوروبا في مأزق إعادة إنتاج نظامها من أزمة التسوية الاجتماعية إلى صراع إعادة تشكيل النظام العالمي