أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - محمد نجيب وهيبي - تونس بعد 17 أكتوبر: حين يستعيد الشارع موقعه... وتستنهض الذات الثورية مشروعها















المزيد.....

تونس بعد 17 أكتوبر: حين يستعيد الشارع موقعه... وتستنهض الذات الثورية مشروعها


محمد نجيب وهيبي
(Ouhibi Med Najib)


الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 02:58
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


​لم تعد المسألة تتسع للمداراة السياسوية ولا للخطابات المترددة التي تقف منتصف الطريق. إن صمت الشارع التونسي طوال السنوات الماضية لم يكن استكانةً لمنظومة الحكم الاستثنائي، ولا تسليماً بالواقع المادي الرث، بل كان لحظة كُمون تاريخية ينضج في أحشائها غضب الطبقات المسحوقة. وجاء يوم 17 أكتوبر ليعلنها صريحة مدوية: التاريخ المادي لا يُصنع في الغرف المغلقة، بل تصنعه الجماهير حين تسترد فضاءها الطبيعي... الشارع.
​إن ما شهدته تونس العاصمة لم يكن مجرد استعراض قوة نقابي أو محطة كلاسيكية لتبادل الرسائل الفوقية بين السلطة والاتحاد. إن تدفق الآلاف نحو بطحاء محمد علي وشارع الحبيب بورقيبة —في أكبر عبور جماهيري تشهده البلاد منذ سنوات بشهادة التغطيات الدولية— هو انكسارٌ جدار الخوف والجمود. لقد التحم أجراء القطاعين العام والخاص، والمعطلون عن العمل، والعمال الفلاحيون، والمهنيون، والمثقفون الفاعلون، في مجرى طبقي واحد. أدرك الجميع أن معركتهم ليست معركة أجور قطاعية أو مطالب فئوية ضيقة، بل هي معركة وجود ضد بنية اقتصادية-اجتماعية ريعية تابعة، أفلست تماماً ولم تعد تنتج سوى الفقر، والندرة، وارتهان القرار الوطني لدوائر المديونية والهيمنة الإمبريالية.
​اليسار الاشتراكي الديمقراطي: من خندق الدفاع إلى قاطرة التغيير الشامل
​أمام هذا الانفجار المفهومي والعملي للتناقضات، لا يمكن لليسار الاشتراكي الديمقراطي التونسي أن يظل في موقع "جهاز الإنذار" أو أن يكتفي بالتنديد الأخلاقي بالاستبداد واجترار شعارات العقود الماضية. إن لحظة 17 أكتوبر هي لحظة استدعاء تاريخي لليسار ليتولى موقعه الطبيعي: قاطرةً فكرية وتنظيمية وسياسية لقيادة هذا الغضب الشعبي وتحويله من مجرد "تفريغ لحظي للشحنة الاحتجاجية" إلى مشروع هيكلي للبديل.
​إن الحسم في طبيعة الدولة ووظيفتها لا يتم عبر المساومات؛ فالاشتراكية الديمقراطية اليوم ليست خياراً ناعماً، بل هي ضرورة تاريخية لبناء الكتلة التاريخية البديلة. على اليسار التونسي أن يتحلى بالشجاعة النقدية لتفكيك آليات إنتاج الريع، وإلغاء منظومة الامتيازات الطبقية، وطرح برنامج ثوري مادي يضع على رأس أولوياته:
​استعادة السيادة الاقتصادية والمادية: انتزاع القرار الوطني في الغذاء والماء والطاقة، وقطع دابر المديونية المكبلة لتنمية الشعوب.
​إصلاح جبائي جذري وتصاعدي: يعيد توزيع الثروة لمصلحة أجراء الفكر والساعد ويكسر شوكة الكارتيلات المالية والمضاربين.
​التأسيس لاقتصاد إنتاجي سيادي: يقطع مع التبعية البنيوية ويجعل قطاعات الصحة، والتعليم، والنقل، والخدمات الأساسية حقاً غير قابل للتسقيع أو الخصخصة الناعمة.
​الشباب: وقود الانتفاضة وعقلها الثوري المنظم
​وفي قلب هذه التعبئة الكبرى، ينبض شريان لا يمكن تجاهله أو اختزاله في الهامش: شبيبة تونس.
​إن الشباب التونسي —الذي سعت الخيارات النيوليبرالية المتعاقبة لتشريده بين براثن البطالة القسرية، أو الزقاق المعتم لـ"قوارب الموت" عبر المتوسط، أو محاصرة طاقاته الإبداعية بمجلة جزائية متكلسة— يثبت اليوم أنه الدينامو الحقيقي للصراع الطبقي. الشباب ليس مجرد "وقود" للمسيرات، بل هو العقل الثوري الميداني القادر على الابتكار التنظيمي والكسر الرمزي لهيبة منظومات القمع.
​إن الحركات الشبابية، وعمال المقاولات الهشة، وصناع المحتوى الناقد، والطلبة، والمعطلين، هم الذات الفاعلة التي يجب أن تصوغ أفق المستقبل. إن المراهنة على الشباب لا تكون بالشعارات الشعبوية الإدماجية المزيفة، بل بتمليكهم أداة النضال المنظم، وإفساح المجال أمامهم ليكونوا قيادة ميدانية وسياسية في لجان الأحياء، ومواقع العمل، والجامعات، ليتجاوزوا الحنين إلى ماضٍ لم يعيشوه ويصنعوا غدهم بأيديهم.
​من شارع بورقيبة إلى ميادين أوروبا: أفق التغيير الثوري العالمي
​إن القراءة القاصرة هي التي تعزل 17 أكتوبر التونسي عن مداه الأممي. فتونس لم تكن يوماً جزيرة معزولة عن العاصفة العالمية.
​إن ما يجري في تونس يتزامن ويتقاطع بنيوياً مع التصدعات العميقة في قلب المركز الإمبريالي نفسه، وفي مقدمته فرنسا وأوروبا. إن الإضرابات العمالية الحاشدة في باريس، والهبات الجماهيرية المتصاعدة ضد سياسات التقشف، وانهيار القوة الشرائية للشغيلة الأوروبيين، والرفض الشعبي العارم لصعود الفاشيات الجديدة وتسخير ثروات الشعوب للحروب بالوكالة، كلها مؤشرات مادية على أزمة بنيوية شاملة للرأسمالية المعولمة.
​لم تعد الشعوب في الجنوب والشمال تشتري أوهام "الديمقراطية الليبرالية" التي تحمي مصالح 1% وتفقر البقية.
​إن معركة التونسي ضد استغلال الكارتيلات المحليين وارتهان الدولة للخارج هي نفس معركة العامل والموظف في فرنسا وإيطاليا وبريطانيا ضد سياسات الإفقار الممنهج والتفكيك الاجتماعي.
​هذا التداعي العالمي يفتح أمكانية تاريخية لم نشهدها منذ عقود: إمكانية إعادة بناء الأممية العمالية والاجتماعية على أسس ثورية جديدة. إن تونس بعد 17 أكتوبر تضع قدمها في الخط الأمامي لجبهة الرفض العالمي ضد النيوليبرالية الهوجاء.
​الخلاصة: من الشارع إلى إنجاز البديل
​إن مقارنة تعبئة 17 أكتوبر بمحطات سابقة (كتعبئة أغسطس 2025 التي لم تتجاوز حدود الآلاف القليلة) تؤكد أن المنحنى البياني للنضال في تصاعد كلي، وأن الخوف قد غير مقره. غير أن الدرس الأهم يبقى قائمًا: إن الشارع وحده، إن لم يتحول إلى وعي سياسي ومشروع هيكلي، يظل مجرد تفريغ لحظي للغضب.
󈑝 أكتوبر لم ينجز الثورة، لكنه أعاد فتح بابها التاريخي. والمعركة الحقيقية لم تعد في النزول للشارع والعودة منه، بل في بناء القوة السياسية والاجتماعية المنظمة، بقيادة يسار اشتراكي ديمقراطي شجاع، وبسواعد وعقول الشباب المتمرد، وبسند من حركة نضالية عالمية تتداعى فيها القلاع القديمة.
​الشارع عاد... والمبادرة الآن بيد من يملك الشجاعة ليقود القافلة نحو البديل الثوري المنشود.



#محمد_نجيب_وهيبي (هاشتاغ)       Ouhibi_Med_Najib#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فرنسا: هل تُسقط سياط «بونابرت المالي» أوهام الجمهوريات الخمس ...
- الجزائر، رياح التغيير وإعادة تشكيل المغرب الكبير من صراع ال ...
- تفكيك -الاستلحاق البنيوي-: في المأزق الوطني التونسي وشروط ال ...
- ثور ونحلبوه ...... من تونسي يتصبب عرقًا في بيته... إلى تونسي ...
- الاهواز عربية ، فلسطين عربية و شعب الصحراء عربي
- لا مصلحة للشعوب في الحرب الدائرة في الشرق الاوسط
- الصراع الأمريكي–الإيراني: حين تتصارع الهيمنة والكهنوت على أر ...
- اضغاث واقع
- تشظي اليسار الاشتراكي الديمقراطي التونسي كنموذج لأزمة التقاط ...
- في ازمة الاتحاد العام التونسي للشغل
- الانتخابات التونسية في مهب الريح - براني سموم-
- دموع وعرق واسفلت
- ماكرون يُقامر بكل فرنسا لإنقاذ اوراقه الاخيرة
- نافورة ... ( دورة الحياة الرتيبة )
- بداية ب ( لا) نهاية
- كيان ... ( انعكاس ام حقيقة )
- رؤيا
- 2 مارس 2024 موعد جديد من أجل إنقاذ تونس
- فقّإعة الاقتصاد التونسي تُبشّر بكارثة
- طابور خامس لا يعلم ... اكثر خطرا من طوابير الخبز الطويلة على ...


المزيد.....




- احتجاجات فرنسا: رئيس الوزراء يتهم -مجموعات من اليسار الراديك ...
- شرارة حرب قد تندلع: في حلف الناتو يفكرون بحصار كالينينغراد
- قيادة اشتراكي الضالع تزور سكرتير منظمة الحزب بقعطبة للاطمئنا ...
- اللجنة العليا للرقابة والتفتيش المالي بالحزب الاشتراكي تعزي ...
- حزب الشعب الجمهوري يؤكد دعمه لموقف الرئيس السيسي بشأن أمن ال ...
- «أصدقاء اليمن» في حزب العمال البريطاني يدعون إلى بحث تصنيف ا ...
- رئيسة حزب اليسار الألماني ترفض اتهامات -معاداة السامية- وتصف ...
- Puerto Rican Communities Bear the Brunt of the Water Crisis ...
- Fighting Germany’s Military-Industrial Complex
- Take Action October 20 to End the Illegal Us-Israeli War on ...


المزيد.....

- حينما غضب النيل / ماهر الكرارسي
- في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما ... / محسين الشهباني
- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - محمد نجيب وهيبي - تونس بعد 17 أكتوبر: حين يستعيد الشارع موقعه... وتستنهض الذات الثورية مشروعها