أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الكرم الشعبي: ذاكرة المجتمع وقيمه الإنسانية














المزيد.....

الكرم الشعبي: ذاكرة المجتمع وقيمه الإنسانية


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 07:44
المحور: الادب والفن
    


إن المحافظة على الموروث الشعبي وصونه من الاندثار مسؤولية ثقافية وإنسانية نبيلة، لأن هذا الموروث لا يقتصر على كلمات وأمثال تتناقلها الأجيال، بل يمثل مرآة تعكس ثقافة المجتمع وذاكرته الجمعية، وما ترسّخ في وجدانه من قيم وتجارب إنسانية. كما أنه يرتبط بتاريخ المنطقة الشطّانية وأهلها ( قرى قضاء الشرقاط)، بما يحمله هذا التاريخ من صور العطاء والمروءة والتكافل.
"العوز ما يرهم لهنا (لأهلنا)
ذباحة الچبش المحنا" (الكبش)
وبغضّ النظر عمّن قال البيت الشعري المتداول، فإن الأمانة تقتضي التثبّت من نسبته إلى قائله، فحفظ الموروث لا يكتمل إلا بصيانة نصوصه وأقواله من التحريف أو النسبة غير الدقيقة. إن توثيق الأمثال والأشعار والحكايات الشعبية ليس ترفاً ثقافياً، بل هو جزء من حماية الذاكرة الاجتماعية، ومنعها من الضياع أو التشويه.
أما مضمون البيت، فيحمل دلالة رمزية عميقة تتجاوز معناه المباشر، لتلامس جوهر الشخصية الاجتماعية لأهل هذه المنطقة. فالجود ليس بما يفيض عن الحاجة، ولا بما يملكه الإنسان من مال ومتاع فحسب، بل بما تجود به النفس حين يتحول العطاء إلى سجية راسخة، وإلى تعبير صادق عن إنسانية المرء ومروءته.
إن الكرم الحقيقي لا يبحث عن شهرة، ولا ينتظر ثناءً، ولا يترقب صاحبه أن يُقال عنه إنه كريم. إنه ينبع من دواخل طيبة تأبى أن ترى جائعاً من دون أن تمدّ إليه يد العون، أو ضيفاً يحلّ بها من دون أن تكرمه بما تستطيع، حتى عندما تكون الإمكانات محدودة، وتكون الحاجة أشدّ إلحاحاً من القدرة على العطاء.
وهنا تتجلى المفارقة الإنسانية الجميلة: قد يضيّق العوز سبل العيش، لكنه لا يستطيع أن ينتزع من النفوس الكريمة رغبتها في البذل. وربما يكون الإنسان في أمسّ الحاجة إلى ما يقدّمه، لكنه يجد في إكرام ضيفه أو إغاثة محتاجه معنى يتقدم على حسابات الربح والخسارة. فلا ينشغل بما سيبقى له في الغد بقدر انشغاله بألّا ينصرف من أمامه إنسان خائباً أو جائعاً.
وقد يبلغ العطاء أحياناً حدّ تقديم أعزّ ما يملك المرء، لا طلباً للمجد أو سعياً وراء المديح، بل لأن الكرم عنده ليس فعلاً عابراً، وإنما قيمة موروثة وسلوك تشكّل عبر الأجيال. لقد تناقل الآباء عن الأجداد معاني النجدة وإكرام الضيف وإغاثة المحتاج، حتى غدت هذه القيم جزءاً من الهوية الأخلاقية للمجتمع. إنه إرث لا يُقاس بما تملكه الأيدي، بل بما تختزنه القلوب من مروءة ونبل وإحساس بالآخرين.
ولعلّ الشيخ طه المسمار، وغيره كثيرون ممن عرفناهم أو سمعنا عن مواقفهم، يمثلون نماذج حيّة لهذه السجية الأصيلة. أولئك الذين لم يحتاجوا إلى إعلان كرمهم، لأن مواقفهم كانت أبلغ من الكلام، ولأن ما استقر في نفوسهم من قيم كان كفيلاً بأن يتحدث عنهم. لقد كانوا يرون في العطاء واجباً أخلاقياً، لا مناسبة للاستعراض، وفي إكرام الضيف تعبيراً عن احترام الإنسان، لا وسيلة لاكتساب السمعة.
إن مثل هذه الشواهد الإنسانية تستحق أن تُروى وتُوثّق، لا لمجرد استعادة حكايات الماضي، بل لكي تبقى الأجيال الجديدة على صلة بجذورها، وتدرك أن قيمة المجتمعات لا تُقاس بما تملكه من ثروات ومظاهر مادية، بقدر ما تُقاس بما تحتفظ به من شهامة وتكافل ووفاء للإنسان.
فالموروث الشعبي، حين يُقرأ بوعي ويُوثّق بأمانة، يكشف عن منظومة متكاملة من القيم التي أسهمت في تماسك المجتمع واستمراره. وهو يذكّرنا بأن الفقر لم يكن دائماً مرادفاً للأنانية، وأن محدودية الإمكانات لم تمنع كثيرين من ممارسة الكرم، بل ربما جعلت العطاء أكثر صدقاً وأعمق دلالة، لأنه يأتي من حاجة حقيقية لا من فائض عابر.
ومن هنا تبرز أهمية العناية بهذا الموروث، لا بوصفه مادة من الماضي فحسب، بل باعتباره مصدراً تربوياً وأخلاقياً يمكن أن يسهم في مواجهة مظاهر التفكك واللامبالاة التي تهدد العلاقات الاجتماعية. إن نقل قصص الكرم والمروءة إلى الأجيال الجديدة يعني نقل نماذج عملية في التضامن، وتعزيز الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين، والتأكيد على أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يقدمه حين يحتاجه الآخرون.
إن توثيق هذه الذاكرة مسؤولية مشتركة، تتطلب الدقة في نقل الروايات، والتحقق من مصادرها، واحترام أصحابها، وربطها بسياقها الاجتماعي والتاريخي. فكل حكاية شعبية صادقة تحمل في داخلها جزءاً من تاريخ الناس، وكل موقف نبيل يمكن أن يكون درساً في معنى الانتماء والكرامة والتكافل.
حفظ الموروث الشعبي هو في جوهره حفظ لذاكرة المجتمع، وصيانة لجانب مضيء من هويته. وما يُروى اليوم عن أهل المنطقة من مواقف الكرم والنجدة ليس مجرد حكايات للتسلية، بل شهادة على منظومة أخلاقية عريقة، وعلى قدرة الإنسان البسيط على صناعة معنى كبير من موقف قد يبدو عابراً، لكنه يظل حاضراً في الذاكرة جيلاً بعد جيل.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حَزّةُ أنثى
- مكنسة النسيان
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- من ظاهر القول إلى أسرار الشاعرية: توطئة تأملية في كتاب الضرب ...
- حين يغنّي الطفل في أعماقي
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين لا يدرك السيارة
- أتخبرني بأن الحياة عادلة؟
- تغريبة أب
- نصفُنا الذي سبقنا إلى الغياب
- دائرة الجبين
- لازلتُ رضيعاً
- نحن أبناء ذواتٍ لم نعرفها: تأملات في الهوية والاستنساخ الإنس ...
- حين شيّعتُ العدل
- في زمن الأقنعة
- نهاية الساعات
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...


المزيد.....




- توقعوا موتها ونصحوها بالعمل في مخبز بدلا من التمثيل.. كيف أص ...
- حلم الحج والمنفى الفلسطيني في أول اختيارات مهرجان روتردام ال ...
- -أرض اللبان- ينقل حكاية التراث العُماني إلى جمهور سانت بطرسب ...
- باولو فونسيكا يقترب من تولي القيادة الفنية لنادي سبورتينغ لش ...
- -بطاقة بوشكين- تحقق للمكتبات الروسية مبيعات تتجاوز مليار روب ...
- في الذكرى الثالثة لعملية طوفان الأقصى: ثقافة المقاومة والأسئ ...
- آرسنال أرتيتا.. تحول استراتيجي يجمع بين الأناقة الفنية والصل ...
- صفحة من مصحف بغدادي نادر من القرن الرابع عشر في مزاد بلندن
- إصابة المخرج الأميركي مايكل مان بطلق ناري من طريق الخطأ
- جواز سفر عماني في مشهد للشعوذة يثير الجدل.. وسعيد الماروق يع ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الكرم الشعبي: ذاكرة المجتمع وقيمه الإنسانية