داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 08:32
المحور:
الادب والفن
أحاول أن أستخدم مكنسة النسيان، أن أكنس بها ما تراكم في زوايا الذاكرة،
وأن أمنع الخذلان من الاستيلاء على واحات الخيال.
أريد أن أترك للماضي مكاناً صغيراً في آخر الرف، لا يراه أحد، ولا تمتد إليه يدي كلما أثقلني الحاضر.
لكنني، كلما ظننت أنني فرغت من ذلك،
أشعر بأن حياتي ليست سوى كتابٍ قديمٍ ملقى في صحراء قاحلة؛
لا غلاف يحميه، ولا يد تقلب صفحاته، سوى مهب الريح. ترفع الريح ورقة، ثم تقذف بأخرى، فتتداخل الأزمنة، ويتعثر العمر بين صفحة وأخرى.
طفولة تلوح ثم تختفي، وشباب عبر كأنه لم يكن، وحرمان ترك ظله على الجدران،
وألم لم يجد له منفذاً، وحسرة تتخفى وراء فرح عابر، وحزن يتسلل من شقوق الأمل،
ثم يقف القنوط على عتبة الروح كأنه يعرف الطريق إليها.
وأحياناً، تنفتح صفحة لا تشبه سواها؛ لعبة الموت بكل ما فيها من عبث،
حيث يصبح الإنسان لاعباً وضحية في آنٍ واحد، وحيث لا أحد يعرف من يوزع الأوراق،
ولا لماذا تكون بعض الأيدي محكومة بالخسارة قبل أن تبدأ اللعبة.
ومع ذلك، ثمة صورة واحدة تعاند النسيان.
كلما هبّت الريح، وكلما حاولت أن أطوي الكتاب، تعود الصفحة ذاتها إلى الواجهة؛
قابيل، ويداه مضرّجتان بدم أخيه.
كأن التاريخ، منذ تلك الضربة الأولى، لم يتعلم كيف يطوي صفحته.
وكأن مكنسة النسيان، مهما أمعنت في الكنس، لا تستطيع أن تزيل الدم؛
بل تكتفي بدفع رماده من زاوية إلى أخرى.
فأدرك أن بعض الصفحات لا تُنسى، لأنها لم تُكتب بالحبر...
بل كُتبت فينا.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟