أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يغنّي الطفل في أعماقي














المزيد.....

حين يغنّي الطفل في أعماقي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 01:49
المحور: الادب والفن
    


الدكتور خلف العلاوي أيُّ سحرٍ هذا الذي تمارسه على روحي، أيها النقيّ الرائع؟ وأيُّ سرٍّ تخبّئه حنجرتك، حتى إذا انساب صوتك، انفرط عقد السنين، وتهاوت عن كتفيَّ أثقال العمر، كأنها لم تكن يوماً جزءاً من حكايتي؟
حين تغنّي، يغيب الشيب عن مفرقي، وتتوارى تجاعيد السنين عن ملامحي، وتخرس أوجاع الجسد، ويكفّ أنين الوتين عن تذكيري بما تركته الأيام في أعماقي. بل إنني أنسى الزمن برمّته، فلا أعود أعدّ ما مضى من العمر، ولا أفكّر فيما تبقّى منه؛ إذ يكفيني أن أكون هناك، في تلك المسافة الخفيّة التي يفتحها صوتك بين القلب والفرح، وبين الذاكرة وما لم تستطع الأيام أن تنتزعه منها.
وحين تتصاعد النغمات، أجدني ألوّح بإصبعي السبابة في دوائر متناغمة مع إيقاعك، وكأنني لا أتابع لحناً فحسب، بل أعيد رسم مدارات الفرح في سماء الروح، وأستدعي كواكب صغيرة خبا ضوؤها تحت وطأة السنين، ثم أتركها تدور من جديد حول شمسٍ لم تعرف الأفول. حركةٌ تبدو عفوية في ظاهرها، لكنها في أعماقي حكاية كاملة؛ حكاية رجلٍ يتخفّف من وقار العمر، ويخلع عن روحه ثياب التعب، ليصغي إلى ذلك الطفل الذي ظلّ مختبئاً في مكانٍ ما من صدره، ينتظر أغنيةً توقظه من سباته الطويل.
في حضرتك، أعود طفلاً وديعاً، لم تعرف الدنيا بعدُ كيف تسرق دهشته، ولم تعلّمه الخيبات كيف يخفي ابتسامته، ولم تضع على قلبه أثقال ما لا يُقال. طفلٌ تهزّه الحياة كما تهزّه الأغاني، وتوقظ فيه الكلمات ما نام من الأحلام، فيتمايل مع النغم بروحٍ بريئة، كأن الحزن لم يعبر عتبة قلبه يوماً، وكأن الأيام لم تترك على نافذته غبار الغياب.
ما أعجب الفن حين يكون صادقاً، فهو لا يكتفي بأن يمنحنا لحظاتٍ من الطرب، بل يعيد إلينا ما حسبناه ضاع إلى الأبد؛ يستردّ من الذاكرة وجوهاً غابت، ومن الروح أحلاماً انطفأت، ومن العمر أعواماً لا تعود، لكنه يجعلنا نعيشها من جديد، لا كما كانت تماماً، بل كما تمنّينا لها أن تكون. ولعلّ أجمل ما في الغناء أنه لا يوقف الزمن حقاً، وإنما ينتزعنا من سلطته، ولو لبرهة، فنكتشف أن في داخلنا أعماراً أخرى لم تشخ، وأن بعض منابع الفرح تظلّ نقية، مهما تعكّرت مياه الحياة.
أيها الصديق النقيّ، لستَ تغنّي للأذن وحدها؛ إنك تنفذ إلى تلك المساحة التي تعجز الكلمات عن بلوغها، حيث تتوارى الأوجاع، وتتصالح الذاكرة مع الحاضر، ويستعيد القلب شيئاً من خفّته الأولى. ولعلّ هذا هو سحر صوتك: أنك لا تجعلني أنسى أنني كبرت فحسب، بل تجعلني أكتشف أن الطفل الذي كنته لم يغادرني قط؛ كان ينتظر نغمةً تشبهه، وصوتاً يألفه، كي يخرج من عزلته ويعلن حضوره.
وحين ينتهي الغناء، ويهدأ التصفيق في داخلي، وتعود الأشياء إلى سكونها المعتاد، أجدني أبتسم في سرّي، وأتساءل: أكان ذلك الطفل يرقص على أنغامك، أم أن أنغامك هي التي كانت ترقص في أعماقه منذ زمن بعيد، منتظرةً منك أن توقظها



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين لا يدرك السيارة
- أتخبرني بأن الحياة عادلة؟
- تغريبة أب
- نصفُنا الذي سبقنا إلى الغياب
- دائرة الجبين
- لازلتُ رضيعاً
- نحن أبناء ذواتٍ لم نعرفها: تأملات في الهوية والاستنساخ الإنس ...
- حين شيّعتُ العدل
- في زمن الأقنعة
- نهاية الساعات
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- يكفيك أني أبتسم
- ما تبقّى من الريش
- حين يصبح الغد مؤجّلاً
- الفيضان
- حين كان الرمل وطناً
- اصرخ بوجهي


المزيد.....




- رحيل باتريك ستيوارت عن 86 عامًا وفيلم «Avengers: Doomsday» ي ...
- وفاة الممثل ?البريطاني باتريك ستيوارت عن عمر ناهز 86 عاما
- روسيا وإفريقيا تدعوان لحماية الممتلكات الثقافية واستعادة ما ...
- البيروقراطية في مواجهة الإبداع.. غضب أدباء قصور الثقافة من ق ...
- -حدوتة- أحمد حلمي تصل إلى صالات السينما في نوفمبر
- مهند دياب يكتب: الفيلم الهندى أحلام صغيرة كبيرة حين تتجاوز ا ...
- سجال إعلامي بين نجوى إبراهيم وأشرف زكي حول إطلالات الفنانات ...
- مشادة على الهواء بين نجوى إبراهيم وأشرف زكي حول ملابس الفنان ...
- مازن الغرباوى عضوا بلجنة تحكيم الدورة 9 لمهرجان نقابة المهن ...
- مهرجان VS-FILM يناقش تحديات ومستقبل السينما المصرية


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يغنّي الطفل في أعماقي