|
|
صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدكتور محمد عجاج جرجيس الجميلي اعداد محمد سلمان عجاج (الجزء الأول)
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 08:05
المحور:
الادب والفن
تشرّفت مجلة صدى الريف، في عددها السادس والستين الصادر لشهر تشرين الأول عام 2026، بأن تفتح صفحاتها أمام نخبة من الكتّاب والباحثين والمثقفين، ليتناولوا جوانب من سيرة علمٍ من أعلام العراق، وشخصيةٍ جمعت بين المعرفة الأكاديمية والبحث الآثاري والتوثيق الثقافي والأنساب، فضلاً عن مكانتها الاجتماعية والعشائرية. إنه الدكتور العلامة محمد عجاج جرجيس الجميلي، الذي لم تكن مكانته محصورة في قضاء الشرقاط وحده، بل امتد حضوره إلى أوساط علمية وثقافية في مختلف أنحاء العراق. إنه العم الدكتور محمد عجاج جرجيس، الذي أحبّ كثير من أصدقائه ومحبّيه أن ينادوه بلقبه المحبب "أبو عاصفة"، حتى غدا هذا الاسم جزءاً من حضوره في ذاكرة من عرفوه. وأذكر أن صديقي وزميلي في العمل، عبد الله سالم جاسم العاني، كان يسأل عنه بهذا اللقب، مع أن عمره لم يكن قد تجاوز العشر سنوات حين كان العم الدكتور يعمل في تنقيبات آثار حوض نهر الفرات، الممتدة من حديثة إلى عنة والمناطق المجاورة لهما. ولعل هذه الحكاية الصغيرة تختصر جانباً من حضوره الإنساني؛ فبعض الشخصيات لا تحتاج إلى تعريف رسمي كي تستقر في الذاكرة، إذ يكفي أن تترك أثراً في الناس حتى يصبح اسمها مقروناً بالمحبة والاعتزاز. لقد خصصت مجلة صدى الريف أكثر من نصف صفحات عددها المذكور لتسليط الضوء على سيرة العم الدكتور، واستحضار منجزه العلمي والثقافي، واستعادة مواقف من حياته ومسيرته. ولم تكن هذه المساحة مجرد استذكار لشخصية رحلت، بل جاءت بمثابة شهادة وفاء لرجل ترك وراءه إرثاً من المعرفة والعمل، وأسماءً كثيرة ما زالت تستحضر فضله، ومؤلفاتٍ وبحوثاً ستظل شاهدة على رحلته الطويلة في خدمة التاريخ والآثار والثقافة. وقد توزعت الكتابات التي تناولت سيرته ومنجزه على عدد من الأقلام، لكل منها زاويته الخاصة في قراءة هذه الشخصية واستحضار أثرها. 1- الأستاذ جاسم الشلال، رئيس تحرير مجلة صدى الريف. استهل الأستاذ جاسم الشلال هذه المساهمات بالحديث عن بدايات معرفته بالعم الدكتور، مستعيداً ما كان بينهما من تواصل وتوجيهات وملاحظات مكتوبة حول المجلة ومحتوياتها بعد صدور عددها الأول. وتكشف هذه الإشارة عن جانب مهم من شخصية الدكتور محمد عجاج؛ فهو لم يكن بعيداً عن مشروعات التوثيق الثقافي، بل كان معنياً بمتابعتها وإبداء الرأي فيها، مؤمناً بأن العمل الثقافي يحتاج إلى مراجعة مستمرة، وأن الكلمة حين تقترن بالخبرة تصبح أكثر قدرة على الإسهام في تطوير التجارب وإغنائها. 2- الدكتور إبراهيم خليل العلاف، أستاذ التاريخ الحديث المتمرس في جامعة الموصل. كتب الدكتور إبراهيم خليل العلاف مقالاً بعنوان (الكاتب والباحث والمؤرخ والمنقب الآثاري الدكتور محمد عجاج جرجيس الجميلي)، تناول فيه المسيرة الوظيفية للعم الدكتور، وما اضطلع به من أعمال ومهام، إلى جانب نشاطه الثقافي المتعدد. وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها صادرة عن مؤرخ وأكاديمي يعرف قيمة العمل التوثيقي ودوره في حفظ الذاكرة الوطنية. فالدكتور محمد عجاج لم يكن مجرد موظف يؤدي واجباته، بل كان باحثاً يحمل اهتمامه العلمي معه إلى ميادين العمل، ويجعل من تجربته المهنية منطلقاً لمزيد من البحث والتأليف والاستقصاء. ومن هنا، فإن الحديث عن مسيرته الوظيفية لا ينفصل عن مسيرته الثقافية، بل يشكلان معاً صورة رجل ظلّ وفياً للمعرفة، متطلعاً إلى ما وراء المعلومة المباشرة من دلالات تاريخية وحضارية. 3- الدكتور محمد أحمد سلطان المشوح. جاء مقاله تحت عنوان (آشور تودع أحد حراس ذاكرتها في رثاء العلامة الآثاري الدكتور محمد عجاج جرجيس الجميلي)، مستعيداً جوانب من صحبته للعم الدكتور، وما عرفه فيه من ثقافة واسعة وتفانٍ في مساعدة الآخرين، ولا سيما طلبة الدراسات العليا من الماجستير والدكتوراه. وقد توقف المقال عند اهتمام الدكتور محمد عجاج بالباحثين والطلبة، وما كان يوليه لهم من رعاية ومتابعة واهتمام في المجال العلمي. وهذه خصلة لا تقل قيمة عن التأليف والبحث؛ لأن العالم لا يُقاس بما يتركه من كتب فحسب، بل بما يتيحه للآخرين من فرص التعلم، وما يقدمه لهم من عون يفتح أمامهم أبواب المعرفة. فالمعرفة التي تبقى حبيسة صاحبها تنتهي عند حدود تجربته، أما حين يمنحها للآخرين فإنها تتحول إلى أثر متجدد، تتناقله الأجيال وتستكمل من خلاله ما بدأه السابقون. 4- الأستاذ صخر محمد عجاج، الماجستير في الآثار. أورد الأستاذ صخر محمد عجاج جملة من إنجازات العم الدكتور، من مؤلفات ومنشورات، بلغ عددها، بحسب ما أورده، نحو ثلاثة وسبعين مؤلفاً ومنشوراً. وأعتقد أن هذا الرقم قد لا يمثل كامل ما أنجزه، ولا سيما ما نشره في مجلة التراث الشعبي، فضلاً عن كتاباته التي ربما تفرقت في الدوريات والمجلات ولم تجمع بعد في سجل واحد. ومن الذكريات التي ما زالت عالقة في ذهني أنه كتب قصائد نُشرت في مجلة حراس الوطن عام 1973، وأذكر منها قصيدة بعنوان (رسالة إلى أمي)، كتبها في فترة ارتبطت بأحداث حرب أكتوبر. وهذه الإشارة، على بساطتها، تكشف أن اهتمامه لم يكن محصوراً في الآثار والتاريخ والأنساب، بل امتد إلى الكتابة الأدبية والشعرية أيضاً، بما يعكس تنوع اهتماماته واتساع أفقه الثقافي. إن حصر نتاجه وتوثيق ما نشره يمثلان خطوة ضرورية في حفظ منجزه من التشتت والنسيان؛ فالمؤلفات التي لا تُجمع في سجل موحد قد تضيع بعض تفاصيلها مع مرور الزمن، وتبقى جوانب من عطاء أصحابها مجهولة، على الرغم من قيمتها العلمية والثقافية. 5- الأستاذ مصلح محمد خضر الشرقي الجبوري. كتب الأستاذ مصلح محمد خضر الشرقي الجبوري مقالاً بعنوان (بين هوس التوثيق ولملة الذات المتشظية قراءة تأملية في كتاب خراريف حكايات من الماضي للدكتور محمد عجاج جرجيس والدكتور محمد أحمد سلطان)، متناولاً الكتاب وما يختزنه من حكايات وذكريات متصلة بالحياة في الأزمنة السابقة لظهور الكهرباء، حين كانت الأمسيات تتكرر في معظم الأيام، وتتحول المجالس إلى فضاءات للحكاية وتبادل الأخبار واستعادة المواقف. إن أهمية هذا النوع من الكتب لا تكمن في استعادة أحداث الماضي وحدها، بل في استحضار نمط الحياة الذي كان يحيط بها؛ فالحكاية الشعبية ليست كلاماً عابراً يُروى للتسلية، وإنما هي مستودع لذاكرة الناس، تحفظ طرائق عيشهم ومعتقداتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، وتكشف عن القيم التي كانت تنظم تفاصيل حياتهم اليومية. ومن هنا، فإن التوثيق الذي انشغل به الدكتور محمد عجاج لا يقتصر على الحجر والأثر المادي، بل يتسع ليشمل الإنسان نفسه، وما يتركه من روايات وذكريات وتجارب. ولعل هذا التداخل بين توثيق الأشياء وتوثيق البشر هو أحد الخيوط التي تجمع جوانب متعددة من مشروعه الثقافي. 6- الأستاذ داود سلمان عجاج. كتب الأستاذ داود سلمان عجاج مقالاً بعنوان (الأرض التي تحفظ اسماءها قراءة تأملية في موقع قشلة دهوك الدكتور محمد عجاج جرجيس والدكتور حسن أحمد البرواري)، وقد توقف فيه عند قيمة الكتاب وما يحمله من رؤية تتجاوز حدود التنقيب عن الآثار إلى استعادة الذاكرة التي تختزنها الأرض. وقد ورد في المقال: (لعل أجمل ما يقدمه هذا الكتاب أنه يعيد تعريف علم الآثار بوصفه علما لإنقاذ الذاكرة، لا مجرد بحث عن اللقى القديمة. فكل عملية تنقيب هي سباق مع الزمن قبل أن تبتلع الطبيعية أو العمران ما بقي من شواهد الماضي). وتلخص هذه العبارة جانباً جوهرياً من قيمة العمل الآثاري؛ فالأثر ليس حجراً قديماً فحسب، ولا قطعة مادية تُعرض في متحف، بل هو شاهد على حياة كاملة، وعلى إنسان عاش وعمل وترك بصمته في المكان. وحين تتعرض المواقع الأثرية للإهمال أو تتغير معالمها بفعل الطبيعة والعمران، فإن الخسارة لا تصيب المادة وحدها، بل تمتد إلى ما تحمله من معلومات ودلالات لا يمكن تعويضها بسهولة. ومن هنا تبرز أهمية جهود الدكتور محمد عجاج وزملائه في الكشف عن المواقع الأثرية وتوثيقها، إذ يصبح التنقيب عملاً يتصل بحماية الذاكرة الإنسانية من التلاشي، ويمنح الأجيال اللاحقة فرصة الاقتراب من تاريخها عبر شواهد موثقة، لا عبر روايات مبتورة أو تصورات لا تستند إلى الدليل. 7- الأستاذ خالد موسى سعيد. جاءت مساهمة الأستاذ خالد موسى سعيد بعنوان (حلم زيارة السيدة الآشورية)، كما كتب عن العم الدكتور قائلاً: (كان أمضى بضع سنين منقبا في تلك البقعة المأهولة بالقطع الأثرية الكثيرة والتي تفوح منها رائحة التاريخ البعيد). وتستحضر هذه الكلمات طبيعة العمل الآثاري وما يتطلبه من صبر ومثابرة وقدرة على قراءة تفاصيل المكان. فالمنقب لا يقف أمام أرض صامتة تماماً، بل أمام طبقات متراكمة من الأزمنة، تحمل كل واحدة منها شيئاً من حكاية لم تكتمل بعد. وما يراه الزائر العابر مجرد أرض أو بقايا متفرقة، يراه الباحث سجلاً مفتوحاً يحتاج إلى معرفة دقيقة وقراءة متأنية. أما عنوان (حلم زيارة السيدة الآشورية)، فيحمل في ذاته إيحاءً باستمرار الصلة بين الإنسان المعاصر وماضيه الحضاري؛ فالشخصيات التي تعود إلينا عبر الآثار لا تبقى مجرد أسماء بعيدة، بل تستعيد شيئاً من حضورها كلما قرأنا آثارها وحاولنا فهم عالمها. وهكذا تتداخل المعرفة مع الخيال، ويصبح الماضي قريباً من الوجدان، من غير أن يفقد البحث العلمي دقته أو صلته بالشواهد التاريخية. 8- الأستاذ سامر الياس سعيد. كتب الأستاذ سامر الياس سعيد مقالاً بعنوان (الجميلي يستكمل جولته بين العواصم الآشورية الأربعة نمرود ودور شروكين يختتمان سلسلة عواصم الحضارة الآشورية العريقة)، متناولاً سلسلة المؤلفات التي خصصها العم الدكتور للعواصم الآشورية. وقد أشار المقال إلى أن الجزء الأول تناول العاصمة آشور، ثم جاء الجزء الثاني مسلطاً الضوء على العاصمة نينوى، فيما تناول الجزءان الثالث والرابع، اللذان صدرا في كتاب واحد، مدينتي نمرود ودور شروكين. وتشكل هذه المؤلفات، في مجموعها، نافذة معرفية تطل على حضارة آشورية عريقة، أسهمت في تشكيل جانب مهم من تاريخ المنطقة، وتركت شواهد مادية ومعرفية تدل على ما بلغته من تطور في مجالات متعددة. ولم يكن تناول هذه العواصم مجرد استعراض لأسماء المدن ومواقعها، بل هو محاولة لإعادة وصل الحاضر بماضيه، وتقديم صورة عن حضارة تركت آثارها في الذاكرة الإنسانية. وتنبع أهمية هذه السلسلة من جمعها بين التعريف بالمواقع الأثرية وإبراز قيمتها الحضارية، بما يجعلها مادة نافعة للباحث والقارئ المهتم بالتاريخ، ويؤكد أن دراسة الحضارات القديمة ليست انشغالاً بالماضي لذاته، وإنما وسيلة لفهم مسارات الإنسان وتطور مجتمعاته، وما خلفته التجارب التاريخية من شواهد تستحق الحفظ والدراسة.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك
...
-
من ظاهر القول إلى أسرار الشاعرية: توطئة تأملية في كتاب الضرب
...
-
حين يغنّي الطفل في أعماقي
-
حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو
...
-
حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو
...
-
حين لا يدرك السيارة
-
أتخبرني بأن الحياة عادلة؟
-
تغريبة أب
-
نصفُنا الذي سبقنا إلى الغياب
-
دائرة الجبين
-
لازلتُ رضيعاً
-
نحن أبناء ذواتٍ لم نعرفها: تأملات في الهوية والاستنساخ الإنس
...
-
حين شيّعتُ العدل
-
في زمن الأقنعة
-
نهاية الساعات
-
ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل
...
-
ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل
...
-
يكفيك أني أبتسم
-
ما تبقّى من الريش
-
حين يصبح الغد مؤجّلاً
المزيد.....
-
كاريس بشار تكشف سرا عن ابنها وتعلق على مقارنتها بسلافة معمار
...
-
“الزراعة” تُطلق برنامجاً توعوياً مكثفاً لنشر ثقافة “الزراعة
...
-
-مسألة حياة أو موت- السعودي مرشح للأوسكار
-
الروس يختارون فيلمهم المفضل لعام 2026
-
الباليه الروسي.. من أحلام الطفولة إلى سنوات التدريب الشاق
-
-معركة المحركات- يتجاوز المليار روبل في شباك التذاكر الروسي
...
-
ريان جونسون يروّج لتطبيق «كروماغراف» لتصوير آيفون بمعالجة سي
...
-
صفاء سلطان في ورطة بسبب العلم السوري القديم
-
أمل عرفة تخوض أولى تجاربها في الدراما السعودية عبر -ليل خرمس
...
-
بعد العوضي.. محمد رمضان يثير الجدل برسالة إلى أحمد فلوكس
المزيد.....
-
الدومري لا يطفئ عينيه
/ د. خالد زغريت
-
رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي
/ محمد الفقي
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
المزيد.....
|