أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حَزّةُ أنثى














المزيد.....

حَزّةُ أنثى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 08:32
المحور: الادب والفن
    


نهض زوجُها حميد متأخراً، ثم جلس بجانبها طويلاً، يحدّق في ملامح وجهها التي لا تُمل، كأنها شجرة يافعة ما زالت في أول ربيعها. كان يغوص في بحور عينيها، يرى في جمالها سرّ قوتها، وفي ابتسامتها حدّ سيفها الناعم. لقد وهبت له كل هذا الجمال، حتى غدت أثراً يفتن القلوب من حولها. لم تكن تشبه أحداً؛ فهي لا تعرف الحب إلا حين يبلغ أقصاه، ولا تمنحه إلا حين يفيض عن احتماله.
كانت أناقتها ورقتها استثنائيتين، وبشرتها البيضاء تلمع كضوء قمر مكتمل، غير أنها كانت في حضرته تحديداً تتجنب التقاء النظرات. تبتسم قليلاً ثم تُخفض رأسها، فتزيده اشتعالاً رغم قربها منه. يمرر يده على شعرها، ثم يرفع ذقنها بأصابعه ليحدّق فيها أكثر، ويتمتم وهو مأخوذ:
- من يتزوج هذا الجمال كله يحتاج إلى عيون كثيرة…
ثم أضاف، بنبرة مترددة أقرب إلى الهمس:
- أتُرى… تدوم هذه السعادة؟
لكنها لم تُجبه. اكتفت بأن أخذت نفساً عميقاً، وبدأت تفرك كفيها، وعيناها معلقتان في فراغ بعيد، كأنهما تبحثان عن شيء لا يُرى. كان القلق يعلو وجهها بوضوح، وكأنها تستبق انهياراً لا تعرف متى يقع. في داخلها يقين غامض بأن كل هذا لن يدوم، وأن السعادة مجرد لحظة عابرة ستنكسر قريباً.
أما سمير، فقد فتح عينيه على عالم جديد. كان يبتسم لكل من يراه، ويجلس في حضن من يفتح له ذراعيه، ويضحك بقهقهة بريئة عالية. كان عالمه بسيطاً ودافئاً، يضمن له حياةً طبيعية بين إخوته، يكبر بينهم، يلعب معهم، ويُغمر بعطف أبٍ يفيض حباً بلا حدود.
لكن أمه كانت تتذكر شيئاً آخر… قطعة لحم صغيرة ملفوفة كانت بجانبها، ثم اختفت فجأة دون أن تعرف ملامحه. لم تره يوماً كما ترى الأطفال وجوههم الأولى.
وتسأل نفسها، كأنها تفتح جرحاً قديماً:
- أيمكن أن يكون الحب وهماً وظلاً في فلاة؟ أيمكن أن يكون ماءً كلما اقتربنا منه ازداد سراباً؟ أيمكن أن يكون وجعاً لا يكتمل إلا حين نُحرم منه؟…
ثم تهمس، وكأنها تحكم على حياتها كلها:
- لم يكن الحب يوماً… غير نزفٍ من جراح.
كبر سمير، وتفوق في دراسته، فحاز إعجاب معلميه. كان الأقرب إلى والده، وإذا ما أراد إخوته شيئاً لجأوا إليه، فطلبه كان لا يُرد.
لكن شيئاً ما كان ينكسر في داخله دون أن يفهمه. تذكر زياراته المتكررة لأهل والدته، وكيف كانوا يرحبون بإخوته قبل أن يلتفتوا إليه. كانوا يسألون دائماً عن الأم… ولا يسألونه هو.
كان يعود كل مرة إلى المرآة، يفتش في وجهه عن سبب خفي لا يراه، فلا يجد شيئاً مختلفاً. ومع ذلك، كان الإحساس بالنقص يلازمه كظل ثقيل.
ثم جاء الانكسار الأكبر.
تسارعت الأحداث بشكل مرعب، حتى وجد حميد نفسه مضطراً إلى طلاق زوجته تحت ضغط الخوف واليأس، بعد مقاومة طويلة للإغراءات والتهديدات، لكنه في النهاية استسلم لفكرة الفقدان كخيار لإنقاذ ما تبقى من حياته.
في مساء صيفي هادئ، كان حميد يجلس في الحديقة الخلفية مع أحد أصدقائه، وعندما عاد سمع جملة عابرة كسرت داخله:
- أهو ابن فلانة؟
فجمد في مكانه.
- اخفض صوتك، لا يسمع الولد… قالها الأب متوتراً.
لم يواجه. انسحب بصمت إلى غرفته، وألقى بجسده على السرير، واستعاد شريط حياته كاملاً. تذكر كيف كانوا يعاملون إخوته بشكل مختلف، وكيف كان السؤال عن أمه يتكرر دون أن يُسأل هو. كيف كان حاضراً في البيت، لكنه غريب في المعنى الخفي للحضور.
لم يستطع سمير النوم تلك الليلة. خرج إلى الصالة، فوجد والده جالساً هناك.
- ما بك يا بني؟ هل أصابك مكروه؟
تردد قليلاً ثم سأل:
- أبي… أين أمي؟
ارتبك الأب، ثم قال ببطء وهو يحدق في هاتفه:
- لقد انفصلنا منذ عشرين عاماً… لأسباب كثيرة، ولا أريدك أن تسأل أكثر.
كانت الكلمات تسقط عليه كحجر بارد. لم يصرخ، لكنه فهم فجأة أن حياته كانت مبنية على فراغ كبير لم يُسمَّ يوماً.
وفي مكان آخر، كانت أميرة تعيش حياة جديدة فُرضت عليها قسراً، ثم تجد نفسها بين حياة ثانية لا تشبهها. زوج جديد يراها صورة، وجمالها صار عبئاً بدل أن يكون نعمة. كانت تنزل من السيارة الفارهة كأنها قطعة ديكور، بينما هو يهمس:
- لقد ظفرت بك أخيراً.
لكنها في داخلها كانت تذوب، وتجلس بعدها كمن فقد نفسه، تقارن بين ما كان وما صار، وتكتشف أن الجمال حين يُنتزع من روحه يتحول إلى لعنة.
ثم حدث اللقاء.
بعد سنوات طويلة، بحث سمير حتى وصل إليها. هاتفها ارتجف بصوت بكائه:
- أنا… أنا ابنك الذي لا يعرفك.
صمت طويل، ثم صوتها المرتجف:
- سمير؟
وانفجر الاثنان بالبكاء، كأن الزمن كله سقط في تلك اللحظة. واتفقا على اللقاء غداً.
وحين التقيا، انهار كل شيء.
احتضنته، وشمّت رائحته، كأنها تستعيد عمراً ضائعاً. وبكى الحاضرون على بكائهما، وعلى تأخر الحقيقة كل هذا الزمن.
ثم همست، كأنها تُراجع حياتها كلها:
- لمن نعتذر الآن؟ لمن نعيد السنوات؟ للقلب أم للقدر أم لأنفسنا؟
وضعت يدها على وجهه، ومسحت دموعه، وقالت بصوت مكسور:
- كبرت يا ولدي… وكثيراً ما بكيت دون أن أعلم. كنتَ هناك… وأنا هنا.
ثم أضافت، كأنها تُنهي أسطورة كاملة:
- كنتُ حبة قمح… إن لم أُدفن في حضنك، لا سنابل لي.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مكنسة النسيان
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- من ظاهر القول إلى أسرار الشاعرية: توطئة تأملية في كتاب الضرب ...
- حين يغنّي الطفل في أعماقي
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين لا يدرك السيارة
- أتخبرني بأن الحياة عادلة؟
- تغريبة أب
- نصفُنا الذي سبقنا إلى الغياب
- دائرة الجبين
- لازلتُ رضيعاً
- نحن أبناء ذواتٍ لم نعرفها: تأملات في الهوية والاستنساخ الإنس ...
- حين شيّعتُ العدل
- في زمن الأقنعة
- نهاية الساعات
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- يكفيك أني أبتسم


المزيد.....




- بن راشد يغازل الإمارات في قصيدة جديدة معاهدا -بو خالد- على ا ...
- -الرجل لا يشتكي-.. عندما تتحول ثقافة التحمل إلى خطر على صحة ...
- المسرح العراقي في ملتقى القاهرة..ندوات وبحوث تعزز حضور الفنا ...
- بعد دعوات لتعديل الدستور.. فنان مصري يحذر السيسي من محاولات ...
- إحياء نوادي السّينما في المدارس والجامعات.. محمد عبيدو ل «ال ...
- جوائز الدورة الثالثة من VS-FILM توزع في السويس على أفلام من ...
- متحف مخلفات الحرب في هو تشي منه.. أهوال العميل البرتقالي وذا ...
- -فيلم ثقافي-.. جدل في مصر بعد -اختراق- لقطات إباحية لوحة إعل ...
- وعكة قلبية مفاجئة تصيب المطرب المصري محمد الحلو.. ونجله يطلب ...
- تايلور سويفت تنضم إلى قاعة مشاهير كتّاب الأغاني في ناشفيل


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حَزّةُ أنثى