أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - شهادة النسب .














المزيد.....

شهادة النسب .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 12:03
المحور: قضايا ثقافية
    


باع رجل كلبًا بدينار، وباع جرْوه بدينارين. استغرب المشتري وسأله: كيف يكون الصغير أغلى من الكبير؟ فأجابه: الكبير لا يعرف عنه الناس إلا أنه كلب، أما الصغير فلديه ما يثبت أنه كلب ابن كلب! ضحك الرجل، لكن الحكاية لم تكن عن الكلاب بقدر ما كانت عن بشرٍ أتقنوا تحويل النسب إلى شهادة كفاءة، والقرابة إلى مفتاح خزائن الدولة.في هذه السوق العجيبة، لا يُسأل المرشح عمّا يستطيع فعله، بل عمّن يقف خلفه؛ لا تُوزن العقول بما أنجزت، بل بالأسماء التي تحملها؛ ولا يُفتح باب المسؤولية لمن يملك القدرة، بل لمن يملك مفتاحًا في جيب صاحب النفوذ. وهكذا يصبح المنصب ميراثًا بلا وصية معلنة، وتتحول الدولة إلى مزرعة امتيازات، يتقدم فيها ابن العلاقة على صاحب الخبرة، ويقف الكفء خارج الباب يشرح مؤهلاته لمن لا يحتاج إلى سماعها أصلًا.المفارقة أن صاحب الكفاءة مطالب بتقديم الشهادات، واجتياز الاختبارات، وإثبات سنوات التعب، بينما يكفي صاحب النسب السياسي أن يذكر اسمًا واحدًا، فيختصر الطريق من مقعد المتفرج إلى كرسي القرار. الأول يحمل ملفًا يثبت ما يعرف، والثاني يحمل هاتفًا يثبت بمن يعرف. وعندما تتساوى الشهادة مع الواسطة، لا تنتصر العدالة؛ بل تتقاعد الكفاءة، وتصفق لها البطالة من بعيد.إن أخطر ما تصنعه المحاصصة والمحاباة ليس مجرد تعيين شخص غير مؤهل، بل صناعة منظومة تخشى المؤهل المستقل؛ فالكفء الذي لا يدين لأحد قد يقول: لا، وقد يسأل عن المال، وقد يرفض تمرير الصفقة، أما من وصل بفضل راعٍ سياسي، فقد يجد نفسه مطالبًا بردّ الجميل من المال العام، وكأن خزينة المواطنين حسابٌ عائلي مفتوح، وكأن الدولة ليست ملكًا للناس بل إرثٌ يتقاسمه أصحاب المفاتيح.وهنا تبلغ السخرية ذروتها: يُطلب من المواطن أن يحترم القانون، بينما يُعامل القانون كضيف ثقيل في مجالس النفوذ؛ ويُقال له إن الفرص متساوية، فيما تقف الواسطة عند خط البداية وتُمنح السبق قبل أن يبدأ السباق. ثم يتساءلون ببراءة مصطنعة: لماذا يتراجع الأداء؟ ولماذا يهاجر أصحاب الكفاءات؟ ولماذا يفقد الناس ثقتهم بالمؤسسات؟ كأنهم لم يروا أيديهم وهي تطرد العقول، ثم تستورد الخبراء لإصلاح ما أفسدته الولاءات.ليست المشكلة أن يكون للمسؤول ابن أو قريب؛ فذلك شأن الحياة، إنما الكارثة أن تتحول القرابة إلى حصانة، وأن يصبح الاسم بديلًا عن الإنجاز، وأن تُسلَّم مفاتيح المؤسسات لمن لم يثبت أنه قادر على فتح بابٍ واحدٍ فيها. فالمنصب العام ليس هديةً من أبٍ لابنه، ولا مكافأةً لحليف، ولا تعويضًا عن ولاء؛ إنه أمانة تُقاس نتائجها بما تقدمه للناس، لا بما تضيفه إلى رصيد العائلة.والأشد إيلامًا أن المجتمع قد يعتاد هذه المهزلة حتى يراها نظامًا طبيعيًا، فينصح الشاب المجتهد أن يبحث عن واسطة بدل أن يطوّر قدرته، ويعلّم أبناءه أن الاسم أقوى من المعرفة، وأن الطريق الأقصر إلى المستقبل لا يمرّ بالكتاب أو العمل، بل بمكتب صاحب القرار. عندها لا تفسد السياسة وحدها؛ بل يُصاب معنى العدالة في الوعي، ويصبح الظلم مألوفًا إلى درجة أن المطالبة بالإنصاف تبدو سذاجة.إن الدولة التي تحتاج فيها الكفاءة إلى تزكية، بينما يدخل صاحب النفوذ بلا امتحان، لا تعاني نقصًا في الرجال بقدر ما تعاني انهيارًا في المعايير. فالأوطان لا تُدار بشهادات النسب، ولا تُحمى بأبناء الولاءات، ولا تنهض لأن المسؤول يعرف مسؤولًا آخر؛ تنهض عندما يكون معيار الاختيار واضحًا، والمحاسبة نافذة، والمنصب حقًا لمن يستحقه لا لمن ورث طريق الوصول إليه.وفي النهاية، ليست فضيحة الحكاية أن الجرو بيع بدينارين، بل أن تتحول هذه الحسبة إلى فلسفة حكم؛ أن يُباع مستقبل الناس بسعر القرابة، وأن يصبح النسب وثيقة عبور إلى السلطة، فيما يقف صاحب الكفاءة عند الباب يثبت أنه يستحق الدخول. عندها لا يعود السؤال: من الأصلح لإدارة الدولة؟ بل: ابن مَن أنت؟ وهذه هي اللحظة التي تنقلب فيها الدولة من مؤسسة لخدمة المواطنين إلى سوقٍ للامتيازات، ويصبح المواطن فيها زبونًا يدفع الثمن، بينما يتقاسم أصحاب الأنساب الأرباح.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوطن أولاً .
- طهران في خيمة الحسابات الدولية.
- ألف ليلة وليلة في مملكة اللصوص حكاية وطنٍ سرقه اللصوص، ثم اخ ...
- كرامة الشعوب أكبر من غرور المناصب .
- الإعلام العراقي بين اللقاءات المؤسسية واستحقاقات الإصلاح.
- إيران وأذرعها.. من يحاسب صانع الفوضى؟
- كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏
- الإعلام العراقي.. من يقود من؟
- انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
- المخدرات في العراق.. تجارة تقتل الإنسان وتختبر ضمير الدولة.
- الفنان العراقي.. وطنٌ يصفق له ولا يحميه.
- العراق المنهوب وإيران التي جنت ثمار الخراب.
- ما وراء الحرب: اليمن وصراع النفوذ في المنطقة .
- وطنٌ يحترق وحكّامٌ يتقاسمون الرماد .
- ذاكرة المسرح الديالي.. وجوهٌ قاومت انطفاء الخشبة .
- وطنٌ مختطف وسيادةٌ منكسرة: العراق في قبضة السلطة والسلاح.
- العراق لا يُنقذ بالاستجداء بل باستعادة الدولة.
- الجسد الذي تخشاه السلطة أكثر من الحقيقة.
- هل نحن ضحايا أم شركاء في صناعة الخيبة؟
- وزارة الدفاع وامتحان النزاهة.


المزيد.....




- يحبّها المسافرون وتكرهها شركات الطيران: طائرة على وشك الاختف ...
- -فشل كامل في التنفيذ-.. هبة قصاص تتحدث عن وقف إطلاق النار في ...
- مستشار بارز سابق بالبيت الأبيض يعلق على -حلف مكة- وما ينطوي ...
- بوتين يؤكد: لا يجوز نسيان معاناة فلسطين ولا بديل عن حل الدول ...
- آيزنكوت: نتنياهو وشركاؤه يقودون عملية تأثير بهدف التشكيك بشر ...
- الدفاع الروسية: تدمير 1425 مسيرة وتحييد 1155 جنديا أوكرانيا ...
- بوتين يستذكر موقفا للرئيس المصري الراحل مبارك فاجأه في الكرم ...
- -روساتوم- تكشف طبيعة أعمال التخريب لمشروع الضبعة النووي في م ...
- بوتين يشيد بمساهمة ميلانيا ترامب في تنظيم المهمة الإنسانية ب ...
- الاتحاد الأوروبي يتراجع عن منح كندا صفة -عضو منتسب-


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - شهادة النسب .