أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - طهران في خيمة الحسابات الدولية.















المزيد.....

طهران في خيمة الحسابات الدولية.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 19:47
المحور: قضايا ثقافية
    


تبدو طهران كمن يرفع صوته في غرفة تضيق جدرانها، محاولًا إقناع العالم بأن اتساع الصدى دليل على اتساع القوة، فيما تتآكل تحت قدميه المسافة بين الطموح والقدرة، وبين ما يعلنه من نفوذ وما يستطيع الاحتفاظ به على أرض الواقع. فالدول لا تصبح عظيمة بكثرة الأذرع التي تمدها خارج حدودها، بل بقدرتها على حماية مصالحها من دون أن تتحول تلك الأذرع إلى قيود تطوق عنقها. ومن هنا تبدأ قراءة المشهد الإيراني؛ لا بوصف طهران قوة لا تُقهر، ولا باعتبارها خصمًا انتهى دوره، بل باعتبارها دولة بالغت في توسيع مشروعها الإقليمي، حتى أصبحت مطالبة بدفع أثمانه السياسية والاقتصادية والأمنية، في وقت تتغير فيه الحسابات الدولية وتضيق فيه هوامش المناورة. لقد أرادت إيران أن تكون حاضرة في أكثر من ساحة، وأن تجعل من نفوذها ورقة تفاوضية على طاولات الكبار، لكنها تواجه اليوم سؤالًا لا تستطيع الشعارات الإجابة عنه: ماذا تفعل الدولة عندما تصبح كلفة الحفاظ على نفوذها أكبر من قدرتها على استثماره؟..إن طهران التي طالما قدمت نفسها بوصفها صاحبة مشروع إقليمي متماسك، لا تبدو بمنأى عن التناقضات التي صنعتها سياستها؛ فالتوسع لا يعني دائمًا القوة، وقد يتحول إلى استنزاف طويل، وتعدد ساحات التأثير لا يضمن القدرة على التحكم في نتائجها. فكل نفوذ يحتاج إلى موارد تحميه، وكل حليف يفرض حسابات، وكل أزمة مفتوحة تستهلك جزءًا من قدرة الدولة على المناورة. وهنا تتراجع صورة القوة المطلقة أمام حقيقة أكثر واقعية: إيران تمتلك أدوات ضغط، لكنها ليست صاحبة اليد العليا في كل ملف، وتستطيع إرباك خصومها، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد اتجاه النظام الدولي أو فرض نهايات الصراعات وفق رغبتها. لقد اصطدمت طموحاتها بحدود الجغرافيا والاقتصاد وتوازنات القوى، وأصبح عليها أن تحسب خطواتها بعناية أكبر، لأن العالم لا يمنح الدول مكاسبها إلى الأبد، ولا يسمح لها بتحويل النفوذ الإقليمي إلى تفويض مفتوح.والمفارقة أن طهران التي ترفع شعار رفض التدخل الخارجي، لم تنجح في إقناع جيرانها بأن سياساتها الإقليمية تنسجم دائمًا مع هذا المبدأ؛ فحين تصبح سيادة الدول موضع ضغط، وحين تتداخل المصالح المحلية مع شبكات النفوذ الخارجي، تتسع فجوة الشك ويصبح الحوار أكثر صعوبة. وليس من الضروري أن نضخم إيران حتى ننتقدها، ولا أن نصنع منها وحشًا سياسيًا كي نكشف أخطاءها؛ فالمبالغة في تصوير قوتها تمنحها معنويًا أكثر مما تمنحها الوقائع، بينما القراءة الدقيقة تُظهر أن جزءًا من نفوذها يستند إلى ضعف البيئة الإقليمية وانقسام دولها، لا إلى امتلاكها قدرة مطلقة على التحكم بمصائر المنطقة. ولو امتلكت المنطقة مشروعًا مشتركًا ومؤسسات قوية وقرارًا مستقلًا، لتقلصت مساحة المناورة المتاحة لطهران من دون حاجة إلى خطابات التهويل أو أوهام المواجهة الشاملة.أما اللقاءات التي تجمع السعودية وتركيا وباكستان، فإن قيمتها لا تُقاس بما تحمله صور المصافحة، بل بما إذا كانت قادرة على تحويل المصالح المشتركة إلى موقف عملي يحمي سيادة الدول ويمنع احتكار القرار الإقليمي. فالدبلوماسية ليست استعراضًا للوجوه، وإنما اختبار للإرادات؛ وقد يجلس صانعو القرار حول طاولة واحدة، بينما تكون القرارات الأثقل مرتبطة بحسابات واشنطن وموسكو وبكين. لكن ذلك لا يعني أن كل شيء حُسم سلفًا، أو أن الحضور الإقليمي أصبح بلا قيمة، بل يعني أن الدول التي لا تمتلك أدوات ضغط وتنسيق حقيقية ستظل تراقب الآخرين وهم يرسمون خرائط مصالحهم. إن المطلوب من هذه العواصم ألا تجعل إيران مركز كل حساباتها، بل أن تجعل مصالح شعوبها مركز القرار، وأن تبني قوتها على الاقتصاد والتعاون والاستقرار، لا على ردود الأفعال وحدها. فالدولة التي تعرف وجهتها لا تحتاج إلى تحويل خصمها إلى أسطورة كي تثبت قدرتها على مواجهته.وفي هذا السياق، فإن استدعاء الرموز المذهبية والتاريخية في الخطاب السياسي، إذا ثبتت صحة العبارة المنسوبة إلى مسؤول إيراني بشأن «خيمة معاوية»، لا يكشف عن قوة بقدر ما يكشف عن ضيق في أفق الحوار؛ لأن من يستحضر خصومات الماضي في مواجهة تحديات الحاضر يضعف حجته، ويمنح الانقسام فرصة جديدة للعيش في جسد المنطقة. ومع ذلك، تبقى مسؤولية التحليل في التحقق من التصريحات وسياقاتها، لا تحويل الروايات المتداولة إلى حقائق نهائية.فالمواجهة الحقيقية مع السياسات الإيرانية لا تكون بالانجرار إلى سجالات مذهبية، بل بمساءلة الأفعال، وقياس النتائج، وتحديد ما يمس سيادة الدول ومصالحها بوضوح لا لبس فيه.وعلى المستوى الدولي، لا ينبغي لطهران أن تتوهم أن علاقاتها مع موسكو أو بكين تمنحها حصانة دائمة، كما لا ينبغي لخصومها أن يعتقدوا أن واشنطن ستتكفل بكل شيء نيابة عنهم. فالقوى الكبرى لا تتبنى مصالح الآخرين مجانًا، ولا تتردد في إعادة ترتيب أولوياتها عندما تتغير حسابات الربح والخسارة. وقد تتحول الملفات الإقليمية إلى أوراق تفاوض في صراعات أوسع، لكن الحديث عن مقايضات نهائية أو قرارات محسومة يحتاج إلى أدلة، لا إلى افتراضات تُلبس ثوب اليقين. أما إيران، فليست مركز العالم الذي تدور حوله القوى، ولا ورقة صغيرة يمكن محوها بقرار واحد؛ إنها دولة تواجه حدود قدرتها، وتحتاج إلى إعادة تقييم مشروعها، في وقت باتت فيه كلفة المغامرة أعلى من وعودها، وأصبح الاستقرار الإقليمي أقل قابلية للتحقق عبر النفوذ وحده.إن المرحلة المقبلة لن تُحسم بالصوت الأعلى، بل بمن يمتلك القدرة على الصمود، ويعرف متى يتقدم ومتى يتراجع، وكيف يحول أوراقه إلى نتائج. وقد تواجه طهران مزيدًا من الضغوط، وقد تسعى إلى تسويات تخفف أعباءها، لكن تراجع نفوذها أو استمراره سيظل مرتبطًا بوقائع تتغير، لا بنهايات نكتبها قبل أوانها. وفي المقابل، لن تربح دول المنطقة لمجرد أن خصمها يتعثر؛ فالفراغ الذي يتركه نفوذ متراجع قد تملؤه قوى أخرى إذا لم تكن هناك إرادة مستقلة ومشروع واضح.إن طهران ليست بعبعًا يبتلع المنطقة، بل دولة أثقلها اتساع طموحها، وأربكتها كلفة نفوذها، وبدأت تصطدم بالمسافة بين ما تريد وما تستطيع. ومن يبالغ في تضخيم خصمه يمنحه ظلًا أطول من قامته، أما من يقرأه بعين الواقع فيرى حجمه الحقيقي، ويعرف أين تبدأ قوته وأين تنتهي. ستظل السياسة ميدانًا تتغير فيه الموازين، لكن الدرس الأوضح أن النفوذ لا يصنع مجدًا إذا استنزف صاحبه، وأن الشعارات لا تحمي دولة من نتائج خياراتها. وعلى دول المنطقة أن تكف عن الدوران في فلك الخوف من طهران، وأن تنتقل من مراقبة خطواتها إلى بناء قوتها الذاتية؛ فحين تقف الدول على أرض صلبة، تتراجع ظلال الآخرين من تلقاء نفسها. ليست العبرة بمن يملأ المشهد ضجيجًا، بل بمن يبقى واقفًا عندما ينطفئ الضوء، وتسقط الأقنعة، ويبدأ الحساب الحقيقي.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألف ليلة وليلة في مملكة اللصوص حكاية وطنٍ سرقه اللصوص، ثم اخ ...
- كرامة الشعوب أكبر من غرور المناصب .
- الإعلام العراقي بين اللقاءات المؤسسية واستحقاقات الإصلاح.
- إيران وأذرعها.. من يحاسب صانع الفوضى؟
- كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏
- الإعلام العراقي.. من يقود من؟
- انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
- المخدرات في العراق.. تجارة تقتل الإنسان وتختبر ضمير الدولة.
- الفنان العراقي.. وطنٌ يصفق له ولا يحميه.
- العراق المنهوب وإيران التي جنت ثمار الخراب.
- ما وراء الحرب: اليمن وصراع النفوذ في المنطقة .
- وطنٌ يحترق وحكّامٌ يتقاسمون الرماد .
- ذاكرة المسرح الديالي.. وجوهٌ قاومت انطفاء الخشبة .
- وطنٌ مختطف وسيادةٌ منكسرة: العراق في قبضة السلطة والسلاح.
- العراق لا يُنقذ بالاستجداء بل باستعادة الدولة.
- الجسد الذي تخشاه السلطة أكثر من الحقيقة.
- هل نحن ضحايا أم شركاء في صناعة الخيبة؟
- وزارة الدفاع وامتحان النزاهة.
- يا مهدي، ماذا تنتظر؟
- الحرب التي تتجاوز أصحابها.


المزيد.....




- بعد انتقادات أوباما لتجديد البيت الأبيض.. شاهد كيف رد ترامب ...
- نائب ترامب يهاجم عبد الرحمن السيد ويصفه بـ-المختل عقليًا-
- أمير قطر يلتقي رئيس إيران في موسكو.. ماذا بحث الجانبان؟
- حكم بغلق موقع -مدى مصر- وتغريم رئيسة تحريره لينا عطا الله
- رضائي بعد اجتماع -تحالف مكة-: واشنطن لم تجلب الأمن لدول المن ...
- وزير أمريكي يهاجم العرب بعد تصريحات ترامب المسيئة لليبيا وال ...
- مصدر أردني: القتلى المدنيون في درعا كانوا في خيمة مجاورة لمو ...
- بوتين يعلن اختتام أعمال القمة الثامنة لمنتدى الدول المصدرة ل ...
- الدفاعات الجوية الروسية تسقط 6 مسيرات كانت متجهة نحو موسكو
- بن غفير يحذر من إغلاق القناة 14 ويدعو للتصويت لحزبه


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - طهران في خيمة الحسابات الدولية.