أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - كرامة الشعوب أكبر من غرور المناصب .















المزيد.....

كرامة الشعوب أكبر من غرور المناصب .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 10:52
المحور: قضايا ثقافية
    


حين يعتلي الإنسان موقعًا في السلطة، لا يصبح أكبر من الناس، بل يصبح أكثر انكشافًا أمامهم، لأن المنصب الذي يمنحه القدرة على الكلام يمنحه، في المقابل، مسؤولية مضاعفة عن كل كلمة تخرج منه. ومن هنا تبدأ المعضلة الحقيقية حين يتوهم بعض المسؤولين أن امتلاك السلطة يمنحهم الحق في إهانة المجتمع، وأن بإمكانهم اختزال ملايين البشر في وصف جارح، ثم مواصلة حياتهم السياسية وكأن شيئًا لم يحدث. إن المشكلة في هذه اللحظة لا تعود مجرد كلمة قيلت في ساعة انفعال، بل تتحول إلى سؤال فلسفي وأخلاقي عن طبيعة السلطة، وحدودها، والعلاقة التي ينبغي أن تربط الحاكم بالمحكوم، وعن ذلك الوهم القديم الذي يجعل بعض أصحاب المناصب يعتقدون أن ارتفاع مواقعهم يخفض من قيمة الآخرين.إن الشعب العراقي، بكل ما يحمله من تنوع قومي وديني ومذهبي وثقافي، ليس كتلة بشرية متجانسة يمكن الحكم عليها بعبارة عابرة، ولا صورة نمطية يجوز تعليقها على جدار السياسة لتبرير الاحتقار أو صناعة التفوق الوهمي. إنه مجتمع تشكل عبر قرون طويلة من التاريخ والتجارب والمحن، وقدم من العلماء والمفكرين والأطباء والقضاة والمهندسين والمبدعين والعمال ما يجعل اختزاله في حكم مهين ضربًا من العجز عن رؤية الإنسان في تعدده. وفي هذا الوطن أمهات ربين أبناءهن على الكرامة، وآباء واجهوا قسوة الحياة ليمنحوا أطفالهم فرصة أفضل، ومواطنون ينهضون كل صباح إلى أعمالهم رغم الأزمات، وشباب يحاولون انتزاع مستقبلهم من واقع مثقل بالتحديات. فبأي منطق يستطيع فرد، مهما بلغ موقعه، أن يصادر قيمة هذا المجتمع كله، وأن يتحدث عن ملايين المواطنين كما لو كانوا شخصًا واحدًا يقف أمامه في قفص الاتهام؟إن أخطر ما في الإهانة الجماعية أنها تكشف عن خلل في فهم العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالمسؤول الذي يرى في المواطن تابعًا لا شريكًا، وفي النقد خصومة لا حقًا، وفي المنصب امتيازًا شخصيًا لا أمانة عامة، قد يصل إلى مرحلة يتخيل فيها أن الناس موجودون لتلقي أحكامه، لا لمساءلته عن أدائه. وعندما يبلغ التفكير هذه الدرجة، تصبح الكلمات انعكاسًا لبنية ذهنية أعمق من مجرد سوء التعبير؛ بنية تفصل صاحب القرار عن الواقع، وتحيط به من المديح ما يحجبه عن الحقيقة، حتى ينسى أن المقعد الذي يجلس عليه ليس ملكًا شخصيًا، وأن الصفة الرسمية التي يحملها ليست تفويضًا مفتوحًا للاستخفاف بكرامة الآخرين.ومن المفارقات التي تستحق التأمل أن المسؤول قد يجلس في مجلس يضم رئيس الحكومة والوزراء والنواب، ويتحدث أمام المؤسسات الرسمية بصفته ممثلًا للمجتمع، ثم يصدر عنه خطاب ينتقص من ذلك المجتمع نفسه. هنا تنقلب الوظيفة على معناها، ويصبح التمثيل السياسي تناقضًا أخلاقيًا؛ إذ كيف يمكن لمن يدعي تمثيل المواطنين أن يجرّدهم من الاحترام؟ وكيف يمكن لمن يتحدث باسم الشعب أن يضع نفسه في مواجهته، وكأن المسافة بينهما مسافة تفوق إنساني لا اختلاف في المسؤوليات؟ إن المنصب لا يصنع قيمة صاحبه من تلقاء نفسه، وإنما تمنحه أفعاله وأخلاقه ما يستحق من احترام. أما الألقاب والمظاهر والمقاعد الرسمية، فهي عناصر عابرة لا تستطيع أن تستر فراغًا أخلاقيًا حين يظهر في لحظة اختبار.وإذا كان وصف الشعب العراقي بقلة الأدب أو انعدام الحياء هو مضمون التصريح المتداول، فإن الرد العادل يبدأ من رفض التعميم نفسه. فمن حق أي إنسان أن ينتقد سلوكًا محددًا، وأن يطالب بالانضباط واحترام القانون، وأن يشير إلى مظاهر الخلل أينما وجدت، لكن النقد يفقد قيمته حين يتحول إلى إدانة جماعية، لأن المجتمع لا يُختزل في أخطاء بعض أفراده، مثلما لا يجوز أن يُمنح أي فرد صك البراءة لمجرد أنه ينتمي إلى جماعة معينة. إن العدل يبدأ من التمييز، ومن القدرة على رؤية الفروق بين الأشخاص والأفعال والظروف، لا من إطلاق الأحكام التي تريح الغضب لكنها تفسد الحقيقة.والحياء، في جوهره، ليس مظهرًا اجتماعيًا يُقاس بما يعلنه المرء عن نفسه، ولا كلمات أخلاقية يكررها أمام الناس، بل قدرة داخلية على إدراك حدود الذات وحقوق الآخرين. وقد يكون أكثر الناس حديثًا عن الفضيلة أبعدهم عنها في الممارسة، بينما يحمل إنسان بسيط من النزاهة ما لا تحمله خطب طويلة عن الشرف والوطنية. فالفضيلة لا تحتاج إلى منصة مرتفعة كي تثبت وجودها، بل تظهر في الأمانة، وفي احترام الضعيف، وفي صيانة المال العام، وفي الاعتراف بالخطأ، وفي الامتناع عن استغلال الموقع لإذلال من لا يملكون سلطة الرد. ولهذا فإن من يريد أن يتحدث عن أخلاق المجتمع عليه أن يبدأ بمراجعة مفهومه للأخلاق، وأن يفهم أن أول امتحان لها هو طريقة تعامله مع من يختلف معهم أو يملك عليهم سلطة مؤقتة.ولا ينبغي أن يتحول الدفاع عن كرامة العراقيين إلى باب للانتقاص من قوميات أو شعوب أخرى. فالأصالة ليست امتيازًا عرقيًا، والكرامة لا تحتاج إلى خصم قومي كي تثبت حضورها. لا يصبح العربي أرفع من الفارسي، ولا الكردي أقل من العربي، ولا التركماني خارجًا عن النسيج الوطني بسبب اختلاف لغته أو ثقافته. إن قيمة الإنسان لا تستمد من ادعاء التفوق على غيره، بل من احترامه للحقوق المشتركة التي تجعل التعايش ممكنًا. ومن يرفض أن يُهان بسبب هويته يجب أن يرفض إهانة الآخرين بسبب هوياتهم أيضًا؛ لأن المبدأ الذي لا يقبل التطبيق على الجميع ليس مبدأ أخلاقيًا، بل مصلحة مقنعة بلغة الفضيلة.ومن حق المواطنين، حين يتعرضون لإساءة تمس كرامتهم أو تتجاوز الحدود القانونية، أن يطالبوا بالمحاسبة عبر المؤسسات المختصة، وأن يطلبوا من القضاء النظر في الوقائع وفق القانون والأدلة. فالمطالبة بالحق لا تعني التحريض، والمساءلة لا تعني الانتقام، والعدالة لا تتحقق باستبدال شتيمة بأخرى. إن قوة المجتمع تظهر في قدرته على تحويل الغضب إلى موقف منظم، وعلى جعل القانون مرجعًا للجميع، وعلى حماية حرية التعبير من دون السماح بتحويلها إلى غطاء للإساءة أو التمييز. فالدولة التي يحترم فيها المسؤول القانون تكون أقوى من الدولة التي يضطر فيها المواطن إلى رفع صوته كي يثبت أن له كرامة.ولعل السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الحادثة هو: متى أصبح بعض أصحاب المناصب يتعاملون مع المجتمع كما لو كان خصمًا لهم؟ أليس الأصل أن يكون المسؤول أكثر الناس حرصًا على احترام المواطنين، لأن سلطته مستمدة من النظام العام الذي يفترض أن يحمي حقوقهم؟ إن الخلل يبدأ حين تتسع المسافة بين المسؤول والناس، وحين تتحول السلطة إلى عالم مغلق لا يسمع إلا صدى نفسه، وحين يصبح الاعتذار ضعفًا في نظر صاحبه، ويصبح الاعتراف بالخطأ تهديدًا لمكانته. عندها لا تعود المشكلة في التصريح وحده، بل في الثقافة التي تسمح لصاحب المنصب بأن يتصور أن كرامة الناس أقل أهمية من صورته الشخصية.إن العراق لا يحتاج إلى مسؤولين يوزعون شهادات الأخلاق على مواطنيهم، بل إلى مسؤولين يقدمون نموذجًا عمليًا في احترامهم. يحتاج إلى من يدرك أن الوطنية ليست شعارًا يقال في المناسبات، بل التزام تجاه الإنسان الذي ينتظر خدمة عادلة، وحقًا محفوظًا، وفرصة متكافئة، وقضاء لا يميز بين صاحب نفوذ ومواطن بسيط. ويحتاج إلى من يفهم أن الشعب ليس ملكًا لأحد، وأن النقد حق متبادل، وأن المنصب مهما طال عمره يظل مؤقتًا، بينما تبقى آثار المواقف في ذاكرة المجتمع.إن كرامة الشعب العراقي أكبر من أن تختصرها إساءة، وأرسخ من أن تهزها عبارة متعالية، وأعمق من أن تحتاج إلى دفاع قائم على الشتائم. فالرد الأقوى هو أن نتمسك بمعيار أخلاقي لا يتبدل بتبدل الخصوم، وأن نطالب بالمساءلة القانونية حيث يقتضي القانون ذلك، وأن نرفض التعميم حتى عندما يقع علينا، وأن نثبت أن احترام الذات لا يعني احتقار الآخر. فالمسؤول الذي يخطئ يستطيع أن يراجع موقفه، والمؤسسة التي تحترم نفسها تستطيع أن تحاسب من يتجاوز حدودها، والمجتمع الذي يعرف قيمة كرامته يستطيع أن يدافع عنها من دون أن يفقد قيمه في الطريق.وفي نهاية المطاف، لا تمنح السلطة الإنسان قدرًا أعلى من الإنسانية، ولا تحوله الشهرة إلى مرجع للأخلاق، ولا تجعل الكاميرات كلماته حقائق نهائية. إن قيمة المسؤول تُقاس بما يحفظه من حقوق، لا بما يطلقه من أحكام، وبما يقدمه من خدمة، لا بما يفرضه من هيبة مصطنعة. أما الشعوب، فإنها أكبر من أخطاء أفرادها، وأوسع من اختلافاتها، وأبقى من غرور الذين يظنون أن التاريخ سيقف عند أصواتهم. وسيبقى العراق وطنًا لأبنائه جميعًا، لا يملكه حزب ولا طائفة ولا مسؤول، وستظل كرامة مواطنيه مبدأ لا تسقطه إساءة، وحقًا لا يحتاج إلى إذن من أحد.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإعلام العراقي بين اللقاءات المؤسسية واستحقاقات الإصلاح.
- إيران وأذرعها.. من يحاسب صانع الفوضى؟
- كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏
- الإعلام العراقي.. من يقود من؟
- انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
- المخدرات في العراق.. تجارة تقتل الإنسان وتختبر ضمير الدولة.
- الفنان العراقي.. وطنٌ يصفق له ولا يحميه.
- العراق المنهوب وإيران التي جنت ثمار الخراب.
- ما وراء الحرب: اليمن وصراع النفوذ في المنطقة .
- وطنٌ يحترق وحكّامٌ يتقاسمون الرماد .
- ذاكرة المسرح الديالي.. وجوهٌ قاومت انطفاء الخشبة .
- وطنٌ مختطف وسيادةٌ منكسرة: العراق في قبضة السلطة والسلاح.
- العراق لا يُنقذ بالاستجداء بل باستعادة الدولة.
- الجسد الذي تخشاه السلطة أكثر من الحقيقة.
- هل نحن ضحايا أم شركاء في صناعة الخيبة؟
- وزارة الدفاع وامتحان النزاهة.
- يا مهدي، ماذا تنتظر؟
- الحرب التي تتجاوز أصحابها.
- حروف حب ميت .
- إلغاء القبض على الشعب لأنه هو الفاسد.


المزيد.....




- وفاة إريك باوزا مؤدي أصوات الرسوم المتحركة الشهير عن عمر ينا ...
- البرادعي يعلق على اجتماع مسؤولي -حلف مكة- في طهران
- افتتاح -البيت الروسي- في العاصمة الموزمبيقية مابوتو
- تدشين أكبر محطة للطاقة الشمسية في الجزائر
- الكرملين: جدول بوتين في قمة روسيا-إفريقيا بموسكو سيكون مكثفا ...
- البنتاغون يرد على زيلينسكي: لا تغيير في سياسة نقل الدول الأو ...
- مساعد الرئيس الروسي: بوتين يلتقي السيسي الأربعاء في موسكو
- لماذا يشعر البعض بالنعاس بعد شرب القهوة؟
- النائب هشام الحصري: مصر والسعودية صمام أمان الأمة العربية.. ...
- النائب مصطفى البهي: الأمن القومي المصري لا يتوقف عند الحدود. ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - كرامة الشعوب أكبر من غرور المناصب .