أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الإعلام العراقي.. من يقود من؟














المزيد.....

الإعلام العراقي.. من يقود من؟


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 11:46
المحور: قضايا ثقافية
    


هل عدنا إلى زمن الراقصة والطبّال، لكن بملابس أنيقة وشاشات فضائية وشعارات براقة عن الحرية والديمقراطية؟ وهل أصبح عازف الإيقاع قائدًا للمشهد الإعلامي، يشتري النفوذ بالمال، ويقصي من يشاء، ويقرّب من يشاء، فيما يقف أصحاب الأقلام الحرة خارج المشهد، يبحثون عن نافذة يطلّون منها على وطنٍ صار فيه الصوت الأعلى لمن يملك المال، لا لمن يملك الحقيقة؟ السؤال لم يعد متعلقًا بمستوى برنامج تلفزيوني أو سلوك قناة سياسية، بل بمصير الكلمة العراقية نفسها، وبالهوية الأخلاقية لصحافة يُفترض أن تكون عين الشعب على السلطة، لا عين السلطة على الشعب. عندما يتحول المال إلى وسيلة لشراء المنابر، وتصبح العلاقات السياسية بوابة للظهور، ويُعامل الصحفي المستقل بوصفه عبئًا ينبغي إبعاده، بينما يُفتح الطريق أمام المصفقين، فإننا أمام أزمة تتجاوز المهنة إلى ضمير المجتمع. أي حرية هذه التي يتحدث عنها البعض إذا كان الإعلامي لا يستطيع أن يقول ما يعتقد، ولا أن ينتقد من يمول، ولا أن يقترب من الملفات التي تزعج أصحاب النفوذ؟ وأي ديمقراطية يمكن أن تنمو في بيئة تُكافأ فيها الطاعة ويُعاقب فيها الاستقلال؟ الحرية ليست أن يمتلك الإنسان قناة، ولا أن يشتري ساعات البث، ولا أن يحشد حوله أصواتًا تردد ما يريد؛ الحرية أن يستطيع الصحفي أن يقول الحقيقة من دون أن يفتش في جيبه عن رضا الممول، أو ينظر خلفه خشية غضب السياسي، أو يحسب كلماته على ميزان المصالح والامتيازات. إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإعلام العراقي هو أن يصبح المال معيار القيمة، وأن تتحول الشهرة إلى شهادة مهنية، وأن يُمنح النفوذ لمن يجيد التسويق لنفسه أكثر مما يجيد الدفاع عن الحقيقة. عندها يصبح الإعلام سوقًا للمصالح، ويغدو الجمهور مجرد زبون يُستدرج إلى الإثارة، فيما تتراجع قضايا الفقراء والعاطلين والمحرومين، وتختنق أصوات المبدعين الذين لا يملكون سوى أقلامهم. وليس أشد قسوة على الصحافة من أن ترى صحفيًا أفنى عمره في الكتابة عاجزًا عن تأمين أبسط متطلبات الحياة، بينما يحظى آخر بالامتيازات لأن صوته يتوافق مع رغبات جهة نافذة. هنا تنقلب الموازين، ويصبح السؤال عن الكفاءة ترفًا، وعن النزاهة سذاجة، وعن الاستقلال مغامرة غير محسوبة. وإذا صحفيٌ لا يجد قوت يومه، بينما تتحول بعض المنابر إلى أدوات لتصفية الحسابات وتلميع الشخصيات وتبادل المنافع، فمن المسؤول عن هذا الخلل؟ أهي المؤسسات التي تخلت عن رسالتها، أم الجهات التي تستخدم المال والنفوذ لتوجيه الخطاب، أم الإعلاميون الذين قبلوا أن يتحولوا من شهود على الحقيقة إلى موظفين لدى المصالح؟ إن المسؤولية لا تقع على طرف واحد، ولا يجوز أن يتحول النقد إلى اتهامات جزافية بلا أدلة، لكن الصمت عن اختلال المعايير لا يقل خطورة عن المشاركة فيه. ومن حق الجمهور أن يسأل عن مصادر التمويل، وعن استقلالية القرار التحريري، وعن أسباب إقصاء الأصوات المهنية، وعن المعايير التي تحدد من يظهر على الشاشة ومن يُحرم منها. كما أن من حق الصحفي أن يطالب ببيئة تحميه من الابتزاز، وتصون كرامته، وتمنحه فرصة العمل بعيدًا عن الإملاءات السياسية والمالية. أما تحويل آلام الناس إلى مادة للضحك والتشهير، وتسويق الفضائح بحثًا عن الشهرة، واستغلال معاناة المواطنين لتلميع سياسي أو إسقاط خصم، فذلك انحدار لا يمكن تبريره باسم المنافسة أو حرية التعبير. فالإعلام الذي يقتات على جراح الناس من دون أن يدافع عن حقوقهم لا يمثلهم، بل يستثمر في مأساتهم. والإعلام الذي يجعل من الانتخابات موسمًا لتوزيع الولاءات وصناعة الصور وتسويق الوعود، من دون مساءلة حقيقية للمرشحين والقوى المتنفذة، يساهم في إفراغ المشاركة السياسية من معناها. أما الهويات والادعاءات الانتخابية، وأي حديث عن نتائج محسومة سلفًا، فيجب أن يخضع للأدلة والتحقيق المستقل، لا للشائعات ولا للتوظيف السياسي. نحن لا نحتاج إلى إعلام يختار أبطاله وفق حجم أرصدتهم، ولا إلى صحافة تُقاس قوتها بقدرتها على إرضاء أصحاب النفوذ، ولا إلى شاشات تتحدث باسم الشعب بينما تخشى الاقتراب من ملفات تمس أصحاب المصالح. نحن نحتاج إلى صحافة تسأل عن المال العام، وتلاحق الحقيقة، وتمنح الفقير مساحة للكلام، وتحمي المبدع من الإقصاء، وتضع المسؤول أمام أسئلة لا يستطيع الهروب منها. وإذا كان عازف الإيقاع يستطيع أن يحدد إيقاع الفرقة، فليس من حقه أن يحدد إيقاع وطن بأكمله، ولا أن يفرض على الصحفيين النغمة التي تعجبه، ولا أن يجعل من الاختلاف جريمة ومن التملق طريقًا إلى الامتياز. فالإعلام ليس فرقة موسيقية يقودها شخص واحد، والشعب ليس جمهورًا جاء ليصفق، والصحفي ليس طبّالًا في مجلس سياسي. إن قيمة الإعلام لا تُقاس بعدد الشاشات ولا بحجم الإنفاق ولا بارتفاع الأصوات، بل بقدرته على حماية الحقيقة من سطوة المال. وحين تصبح الكلمة سلعة، يصبح الضمير أول ضحايا السوق، وحين يُقصى المستقل ويُكافأ المصفق، تتحول الحرية إلى ديكور، وتصبح الديمقراطية صورة معلقة على جدار لا يسكنه العدل. ومن هنا يبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل صحفي عراقي: لمن نكتب؟ للإنسان الذي ينتظر حقه، أم للسياسي الذي يريد التصفيق؟ للوطن الذي يحتاج إلى الحقيقة، أم للممول الذي يريد صوتًا مطيعًا؟ للتاريخ الذي لا يرحم، أم لمصلحة عابرة تنتهي بانتهاء الصفقة؟ إن القلم الذي يبيع ضميره قد يربح لحظة، لكنه يخسر مكانه في ذاكرة الناس، أما القلم الحر فقد يتعب ويُحاصر ويُقصى، لكنه يظل قادرًا على الوقوف أمام الحقيقة من دون أن يخفض رأسه. العراق لا يحتاج إلى مزيد من الطبالين، بل إلى صحفيين لا يخافون السؤال، ومؤسسات لا تخشى النقد، وجمهور يميز بين من يبيع له الوهم ومن يدافع عن حقه. فالإعلام الذي لا يملك شجاعة مواجهة النفوذ لا يستطيع أن يدّعي تمثيل الشعب، والصحافة التي تتخلى عن ضميرها لا تفقد مهنتها وحدها، بل تفقد السبب الذي جعل للكلمة قيمة منذ البداية.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
- المخدرات في العراق.. تجارة تقتل الإنسان وتختبر ضمير الدولة.
- الفنان العراقي.. وطنٌ يصفق له ولا يحميه.
- العراق المنهوب وإيران التي جنت ثمار الخراب.
- ما وراء الحرب: اليمن وصراع النفوذ في المنطقة .
- وطنٌ يحترق وحكّامٌ يتقاسمون الرماد .
- ذاكرة المسرح الديالي.. وجوهٌ قاومت انطفاء الخشبة .
- وطنٌ مختطف وسيادةٌ منكسرة: العراق في قبضة السلطة والسلاح.
- العراق لا يُنقذ بالاستجداء بل باستعادة الدولة.
- الجسد الذي تخشاه السلطة أكثر من الحقيقة.
- هل نحن ضحايا أم شركاء في صناعة الخيبة؟
- وزارة الدفاع وامتحان النزاهة.
- يا مهدي، ماذا تنتظر؟
- الحرب التي تتجاوز أصحابها.
- حروف حب ميت .
- إلغاء القبض على الشعب لأنه هو الفاسد.
- سقوط القناع
- ارحموا أنفسكم قبل أن تصل النار إلى العراق.
- الحقيقة المرة .
- الإنسان الحديث... يملك ألف صديق ولا يجد واحدًا عندما يحتاجه. ...


المزيد.....




- السيناتور مارك كيلي: هيغسيث -يجب أن يرحل-
- لغز الألم.. ماذا يحدث في أجسامنا ولماذا نشعر بالمعاناة؟
- دبابة -أرماتا- الروسية قد تتحول إلى منصة قتالية روبوتية غير ...
- الجيش الروسي يفتح جبهة جديدة
- السودان وإثيوبيا يتبادلان طرد دبلوماسيين وسط اتهامات بدعم قو ...
- -تخيّلوا أنني على ورقة الاقتراع-.. فلمّا فعلوا حلت الكارثة ب ...
- من إيران إلى أوكرانيا.. 6 نقاط لفهم تداعيات هزيمة ترمب
- العثور على سياسي ألماني بارز ميتا في فندق ببرلين
- ارتفاع حصيلة قتلى القصف بزاباروجيا وزيلينسكي يعلق على انتخاب ...
- الانتخابات الأمريكية.. إلهان عمر تعلق على نتيجتها وتخاطب عبد ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الإعلام العراقي.. من يقود من؟