أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏














المزيد.....

كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 23:53
المحور: قضايا ثقافية
    


‏
‏تبدأ هزائم الأمم يوم تفقد القدرة على قراءة واقعها، وتستمر حين تعجز عن التمييز بين ما يُدبَّر لها من الخارج وما تصنعه بيديها في الداخل. فالأوطان لا تسقط بالمدافع وحدها، بل تسقط حين تتآكل مناعتها، وتتقدم مصالح حكامها على مصالح شعوبها، ويصبح الانقسام أقوى من إرادة الحياة. ومن هذا المدخل تعود حكاية مؤتمر كامبل بنرمان، المنسوب إلى اجتماعات استعمارية أوروبية عُقدت في لندن بين عامي 1905 و1907، وتُنسب إليه وثيقة سرية تزعم أن القوى الاستعمارية اتفقت على إبقاء العرب متخلفين ومفككين، ومنع وحدتهم، وإقامة كيان غريب في فلسطين يفصل أجزاء المنطقة بعضها عن بعض. غير أن هذه الوثيقة لم تثبت تاريخياً بدليل حاسم، وقد شكك باحثون ومؤرخون في وجودها بصيغتها المتداولة؛ لذلك فإن الأمانة تقتضي التمييز بين الرواية الشائعة والوثيقة المثبتة. لكن غياب الدليل على وثيقة بعينها لا يمحو تاريخاً استعمارياً موثقاً، ولا ينفي أطماع القوى الكبرى في أرضنا وثرواتنا وممراتنا الاستراتيجية. فقد كشفت اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، ونظام الانتدابات، ووعد بلفور عام 1917، كيف استطاعت القوى الاستعمارية أن تتدخل في مصير المنطقة، وأن ترسم خرائطها وفق مصالحها، دون أن تمنح شعوبها حقاً متكافئاً في تقرير مستقبلها. ثم جاء قيام إسرائيل عام 1948، وما رافقه من تهجير الفلسطينيين واقتلاعهم من أرضهم، ليضيف فصلاً دامياً إلى تاريخ لم تنتهِ مآسيه بعد. وهنا يكمن السؤال الأهم: هل نحتاج إلى وثيقة سرية كي نفهم كيف استُنزفت منطقتنا، أم أن الوقائع المعلنة تكفي لكشف طبيعة الصراع على الأرض والهوية والثروة؟ لقد أدرك الاستعمار أن السيطرة على الشعوب لا تتحقق باحتلال الأرض وحدها، بل بإضعاف قدرتها على بناء مشروع مشترك، واستثمار خلافاتها، وتحويل مواردها إلى مصدر قوة للآخرين. غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني أن نختزل تاريخنا كله في مؤامرة واحدة، أو أن نعفي أنفسنا من مسؤولية ما صنعناه بأيدينا. فالقوى الخارجية قد تستثمر الانقسام، لكنها تجد الطريق أكثر سهولة حين تفتح لها الأنظمة الفاسدة أبوابها، وحين تتحول الخلافات السياسية إلى حروب، والانتماءات المذهبية إلى خنادق، والثروات الوطنية إلى أدوات لشراء الولاءات وإدامة النفوذ. لقد امتلك العرب ما يكفي لبناء قوة إقليمية مؤثرة: لغة مشتركة، وموقع استراتيجي، وثروات هائلة، وامتداداً حضارياً عميقاً. لكن هذه الإمكانات بقيت، في محطات كثيرة، أسيرة التنافس والارتهان وسوء الإدارة. فما قيمة النفط إذا لم يتحول إلى صناعة ومعرفة؟ وما جدوى الثروة إذا ظلت الجامعات ضعيفة، والاقتصادات تابعة، والعقول المبدعة تبحث عن مستقبلها بعيداً عن أوطانها؟ وما معنى الوحدة إذا كان نجاح الجار يُستقبل بالريبة، واختلاف السياسة يتحول إلى خصومة تهدد مصير الشعوب؟ إن أخطر الحواجز ليست دائماً تلك التي تُقام على الأرض، بل تلك التي تُبنى في العقول، حين يُقنع الإنسان بأن أخاه عدوه، وأن الدفاع عن الحزب أو الطائفة أهم من حماية الوطن، وأن بقاء الحاكم أسبق من كرامة المواطن. عندها لا يحتاج الخارج إلى اختراع الانقسامات، بل يكفيه أن يستثمرها ويوجهها لخدمة مصالحه. وفي قلب هذه المأساة تقف فلسطين، شاهدةً على عجز عربي لم تستطع الشعارات أن تستره، ولا البيانات أن تعالجه. فهي ليست قضية تُستحضر في الخطب ثم تُترك وحيدة أمام الاحتلال، بل اختبار لجدية المواقف وقدرة الدول على تحويل التضامن إلى عمل سياسي وقانوني وإنساني مؤثر. كما أن مواجهة المشروع الإسرائيلي لا تعني تجاهل بقية مصادر التهديد، ولا تبرر الارتهان لأي قوة إقليمية تدّعي حماية العرب بينما تتدخل في شؤون دولهم أو تستخدم أراضيهم ساحات لتصفية الحسابات. فإيران، مثل إسرائيل وسائر القوى المتدخلة، ينبغي أن تُقرأ سياساتها وفق أفعالها ومصالحها، بعيداً عن التعميم الطائفي أو الأحكام التي تستبدل التحليل بالتحريض. معيارنا الحقيقي هو استقلال القرار العربي، وحق الشعوب في السيادة، ورفض كل تدخل ينتقص من إرادتها، أياً كان مصدره أو شعاره. إن المأساة ليست في أن الآخرين يملكون مشاريعهم، بل في أننا كثيراً ما عجزنا عن امتلاك مشروع يحمي مصالحنا. وليس الخطر في أن يتنافس العالم على منطقتنا، بل في أن ندخل هذا التنافس متفرقين، عاجزين عن تحويل ثرواتنا إلى قوة، وموقعنا إلى نفوذ، وتاريخنا المشترك إلى تعاون حقيقي. لذلك لا يكفي أن نلعن الاستعمار، ولا أن نستعيد رواية كامبل بنرمان في كل مناسبة، بل ينبغي أن نسأل أنفسنا بجرأة: من أضعف مؤسساتنا؟ من بدد ثرواتنا؟ من حوّل الخلاف إلى اقتتال، والاختلاف إلى كراهية، والوطن إلى غنيمة؟ فالأمة التي لا تحاسب نفسها تكرر أخطاءها، والتي لا تحمي علمها واقتصادها وقرارها المستقل تظل عرضة للابتزاز، مهما امتلكت من الموارد والشعارات. يا عرب، إلى متى تبقون أسرى خلافاتكم، فيما تتقدم مصالح الآخرين على حساب مستقبلكم؟ وإلى متى تظل ثرواتكم مطمعاً، وأرضكم ساحة للصراعات، وقراراتكم موزعة بين عواصم لا تتفق إلا حين تتقاطع مصالحها؟ إن أخطر ما يهددنا ليس مؤامرةً نختلف على وثيقتها، بل واقعاً نراه بأعيننا: انقسام يستنزفنا، وفساد ينهكنا، وتبعية تنتقص من إرادتنا، وغياب مشروع عربي يحمي الإنسان والأرض والثروة. إن الخروج من هذا المأزق لا يبدأ بالبحث عن عدو واحد نحمّله كل أوزارنا، بل ببناء دولة تحترم مواطنيها، وتعليم يصنع المعرفة، واقتصاد ينتج القوة، وعلاقات عربية تقوم على المصالح المتبادلة لا الشعارات العابرة. فالتاريخ لا يرحم الأمم التي تكتفي بتفسير هزائمها، بل يمنح فرصته لمن يتعلم منها ويغير أسبابها. وستبقى الحقيقة الأشد قسوة أن الطامعين لا يحتاجون دائماً إلى تمزيقنا؛ يكفيهم أحياناً أن نواصل تمزيق أنفسنا، ثم ننتظر منهم أن يتركونا وشأننا.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإعلام العراقي.. من يقود من؟
- انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
- المخدرات في العراق.. تجارة تقتل الإنسان وتختبر ضمير الدولة.
- الفنان العراقي.. وطنٌ يصفق له ولا يحميه.
- العراق المنهوب وإيران التي جنت ثمار الخراب.
- ما وراء الحرب: اليمن وصراع النفوذ في المنطقة .
- وطنٌ يحترق وحكّامٌ يتقاسمون الرماد .
- ذاكرة المسرح الديالي.. وجوهٌ قاومت انطفاء الخشبة .
- وطنٌ مختطف وسيادةٌ منكسرة: العراق في قبضة السلطة والسلاح.
- العراق لا يُنقذ بالاستجداء بل باستعادة الدولة.
- الجسد الذي تخشاه السلطة أكثر من الحقيقة.
- هل نحن ضحايا أم شركاء في صناعة الخيبة؟
- وزارة الدفاع وامتحان النزاهة.
- يا مهدي، ماذا تنتظر؟
- الحرب التي تتجاوز أصحابها.
- حروف حب ميت .
- إلغاء القبض على الشعب لأنه هو الفاسد.
- سقوط القناع
- ارحموا أنفسكم قبل أن تصل النار إلى العراق.
- الحقيقة المرة .


المزيد.....




- أوباما يخاطب عبدالرحمن السيد بعد هجمات ترامب عليه بسبب اسمه ...
- السيسي يرد على من يراهن بقبول مصر فرض الأمر الواقع أو التفري ...
- بيسكوف: روسيا سترحب بترشيح أوروبا مبعوثا للتفاوض حول أوكراني ...
- حقبة جديدة من التهديدات الإرهابية في بريطانيا
- لقطات توثق أعمال التخريب والاشتباكات في شوارع برشلونة مساء أ ...
- التحالف يعلن اعتراض صاروخ ثان أطلقه الحوثيون باتجاه السعودية ...
- الأحد الحاسم.. البرازيل تصوت بين خبرة لولا ووعود بولسونارو ا ...
- ألمانيا تعلن مشاركتها بأول مناورة عسكرية لـ-تحالف الراغبين- ...
- بلغاريا تنتخب رئيسها.. وإيوتوفا في الصدارة
- الخليل تحت الحصار.. يوم ثان من الغاز والاقتحامات قبل الانتخا ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏