أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - ألف ليلة وليلة في مملكة اللصوص حكاية وطنٍ سرقه اللصوص، ثم اختلفوا على اقتسامه.















المزيد.....

ألف ليلة وليلة في مملكة اللصوص حكاية وطنٍ سرقه اللصوص، ثم اختلفوا على اقتسامه.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 22:17
المحور: قضايا ثقافية
    


يُحكى أن مملكةً عظيمة كانت تنام على بحار من النفط، وتستيقظ على أنهار من التاريخ، حتى إن ملوك الأرض كانوا يرسلون أبناءهم إليها ليتعلموا أسرار الكتابة والحكمة وبناء المدن. وكان في قلبها نهران، وعلى ضفافهما مدنٌ شهدت ولادة الحضارات، وفي باطن أرضها كنوزٌ تكفي لإطعام أجيالها حتى آخر الزمان. لكن هذه المملكة، التي عجز الغزاة عن محو اسمها من ذاكرة التاريخ، وقعت ذات يوم في قبضة لصوص لم يأتوا من وراء الحدود، بل خرجوا من أبوابها، وحملوا مفاتيح خزائنها، وأقسموا أمام شعبها أنهم جاؤوا لإنقاذها.في اليوم الأول، سرق أحدهم كيسًا من الذهب، فخاف أن يراه الناس، وأخفاه تحت عباءته. وفي اليوم الثاني، سرق الثاني صندوقًا، فحمله على ظهره وأسرع إلى بيته. أما في اليوم الثالث، فقد جاء لص أكثر ذكاءً، فدخل قصر الملك، وجلس على كرسي الوزير، ثم أعلن أن السرقة جريمة يعاقب عليها القانون، وأمر بتشكيل لجنة لملاحقة اللصوص.صفق الناس، فقد ظنوا أن زمن الخوف قد انتهى، ولم يعلموا أن الرجل الذي يقود حملة مكافحة السرقة كان قد استأجر مخازن واسعة لتكديس ما سرقه الآخرون، لقاء نسبة متفق عليها.
ومع مرور الأيام، تضخمت المملكة بالألقاب، وتكاثرت فيها القصور، وأصبح لكل لص حارس، ولكل حارس راتب، ولكل راتب مخصصات، ولكل مخصصات لجنة تشرح للناس أسباب العجز في الميزانية. أما الفقراء، فكانوا يزدادون خبرةً في عدّ النقود القليلة، ويزداد أبناؤهم مهارةً في تأجيل أحلامهم حتى إشعار آخر.
وذات صباح، دخل فلاح عجوز إلى قصر السلطان، وكان يحمل رغيفًا يابسًا وورقة صغيرة. وقف أمام العرش وقال:ـ يا مولاي، زرعت أرضي، وبعت محصولي، ودفعت الضرائب، ثم مرض ابني فلم أجد ثمن دوائه. جئت أسأل: أين تذهب خيرات مملكتنا؟تبادل الوزراء النظرات، ثم نهض أحدهم وقال:
ـ إن المملكة تمر بأزمة اقتصادية.
رفع الفلاح رغيفه اليابس وقال:
ـ وهذا الرغيف، هل يمر بأزمة أيضًا؟..انفجر بعض الحاضرين بالضحك، لكن الوزير لم يضحك. أمر الحراس بإخراج الفلاح، ثم التفت إلى السلطان وقال: ـ إن تركنا أمثال هؤلاء يتحدثون، فسوف يسألك الجميع عن أموالهم.فأجابه السلطان:ـ وهل أموالهم عندي؟
ابتسم الوزير وقال:ـ لهذا السبب تحديدًا، يجب ألا نسأل أحدًا أين ذهبت.وكان في آخر القاعة ناسخ فقير يسجل أخبار المملكة في دفتر قديم. سمع الحوار، فكتب: «عندما يخاف الحاكم من السؤال أكثر مما يخاف من السرقة، تصبح الحقيقة جريمة، ويصبح اللص رجل دولة».
وصل الخبر إلى اللصوص، فاجتمعوا في قصر كبير على مائدة امتدت عليها اللحوم والفواكه، بينما كان الناس في الخارج يتدافعون أمام المخابز. قال كبيرهم:ـ لقد اقترب الخطر. بدأ الناس يسألون عن أموالهم.
قال آخر:ـ فلنرفع رواتبهم.
اعترض ثالث:ـ ومن أين نأتي بالأموال؟
ضحك الرابع:ـ من الأموال التي سنرفع رواتبهم بها!
ثم اتفقوا على توزيع المناصب بينهم، حتى لا يبقى في المملكة منصبٌ بلا صاحب، ولا صاحب منصبٍ بلا حصة. أعطوا وزارة الخزانة لمن يعرف كيف تختفي الأرقام، ووزارة العدل لمن يستطيع إطالة المحاكمات حتى ينسى أصحاب الحقوق أسماء خصومهم، ووزارة الإعلام لمن يحوّل الكارثة إلى إنجاز، ووزارة التخطيط لمن يرسم مستقبلًا لا يصل إليه أحد.
لكن المشكلة ظهرت عندما اكتشف كل لص أن شريكه سرق أكثر منه.
قال الأول:ـ أنا أحق بالنصيب الأكبر؛ فقد كنت أول من دخل القصر.
فرد الثاني:ـ وأنا أحق به؛ لأنني حميت ظهرك.
وقال الثالث:ـ لولا منصبي لما استطعتم سرقة شيء.
أما الرابع فقال:
ـ أنتم جميعًا لصوص، وأنا الوحيد الذي يستحق أن يحكمكم!
وهكذا، اختلف اللصوص على اقتسام المملكة، وبدأ كل واحد منهم يتهم الآخر بالخيانة والفساد، حتى صاروا يتراشقون بالوثائق والأسرار، وكلما كشف أحدهم سرقةً جديدة، خرج الآخر ليعلن أن كشفها دليل على نزاهته.
كان الشعب يراقب المشهد بدهشة؛ فالذين اتفقوا على سرقة الوطن لم يستطيعوا الاتفاق على اقتسامه، والذين صمتوا سنواتٍ عن نهب الخزائن أصبحوا فجأةً حراسًا للمال العام، والذين وقّعوا العقود المشبوهة أخذوا يتحدثون عن الشفافية، كأنهم لم يسمعوا بهذه الكلمة إلا بعد أن فقدوا حصصهم.
وفي ليلة شديدة الظلام، نزلت شهرزاد من برج قديم يطل على المدينة، ودخلت السوق متخفيةً بثياب امرأة فقيرة. رأت رجلًا يبيع آخر ما يملك، وطفلًا ينام قرب باب مخبز، وعاملًا يعدّ نقوده قبل شراء الدواء لأمه. ثم مشت حتى بلغت ساحة القصر، حيث كان اللصوص يتجادلون تحت الثريات الذهبية.
رفعت صوتها وقالت:
ـ يا أصحاب القصور، أريد أن أسألكم سؤالًا واحدًا.التفتوا إليها باستهزاء.قال كبيرهم:ـ ومن أنتِ حتى تسألينا؟
أجابت:ـ أنا امرأة من هذه المملكة، وأريد أن أعرف: عندما سرقتم الذهب، هل سرقتم معه عقولكم أيضًا؟..ضحك أحدهم وقال:
ـ ابتعدي أيتها العجوز، فنحن نبني الدولة.
قالت: ـ عجيب! كلما بنيتم جدارًا في قصوركم، سقط جدار في مدرسة، وكلما وسّعتم طريقًا إلى خزائنكم، ضاق الطريق أمام الفقراء، وكلما أعلنتم انتصارًا، عاد الناس إلى بيوتهم بهزيمة جديدة. أي دولة هذه التي تحتاج إلى أن يكون شعبها فقيرًا كي يبدو حكامها أغنياء؟..غضب كبير اللصوص، وأمر الحراس بإلقائها في السجن. لكنها قبل أن تغادر، التفتت إليهم وقالت:
ـ لا تخافوا من كلامي؛ فالكلمات لا تسرق أموالكم، إنما تخافون من اليوم الذي يكتشف فيه الناس أنكم لا تملكون من القوة إلا ما منحكم إياه صمتهم.أُغلقت أبواب السجن خلفها، لكن كلماتها تسللت إلى الأسواق والبيوت والمقاهي، حتى صار الناس يتناقلونها همسًا، ثم يرددونها بصوت مرتفع.وفي صباح اليوم التالي، استيقظ اللصوص على خبر لم يتوقعوه: لقد اختفت خزائنهم الخاصة.ذهبوا إلى القصر، فوجدوا الأبواب مفتوحة، والصناديق فارغة، والمجوهرات قد تبخرت. صرخ كبيرهم:ـ لقد سرقنا لص!..استدعى الحراس، وهدد القضاة، وأمر بتشكيل لجنة عاجلة. لكن الناسخ الفقير دخل القاعة ووضع دفتره أمامهم، وقال:ـ لا تبحثوا عن اللص بعيدًا؛ فقد علمتم الناس أن السرقة حقٌّ لمن يستطيع، وأن القانون خادم لمن يدفع أكثر. لقد سرق بعضكم بعضًا، كما سرقتم المملكة، ولم يبقَ بينكم وبين الحقيقة سوى أن تعترفوا بأنكم صنعتم العالم الذي يلتهمكم الآن.
تقدم كبير اللصوص نحوه صارخًا:
ـ ومن أعطاك الحق في محاكمتنا؟
أجابه الناسخ:ـ أنتم. حين سرقتم حقنا في الحياة، منحتمونا حق الكلام.وفي تلك اللحظة، دوّى جرس المدينة. خرج الناس إلى الساحات، لا يحملون سيوفًا ولا يبحثون عن ثأر، بل يحملون دفاتر الحسابات، ونسخ العقود، وأسماء الذين سرقوا، وأسماء الذين تستروا عليهم. لم يطلبوا قصرًا بدل قصورهم، ولا خزائن بدل خزائنهم؛ طالبوا بقانون لا ينحني للثروة، وقضاء لا يخاف المنصب، ووطن لا يكون ملكًا لمن يجلس على كرسي الحكم.حاول اللصوص الفرار، فوجدوا الأبواب التي دخلوها يومًا مفتوحةً في وجوههم، والطرقات التي عبدوها بأموال الشعب تقودهم إلى ساحات الحساب. أما السلطان، فقد جلس على عرشه وحيدًا، يحدق في تاجه، ثم اكتشف أن الذهب الذي يلمع فوق رأسه لا يستطيع شراء ثقة شعب فقد ثقته بكل شيء.وعندما أشرقت الشمس، خرج الناسخ إلى ضفة دجلة، وفتح دفتره للمرة الأخيرة، وكتب:
«لم تُسرق المملكة في ليلة واحدة؛ لقد سُرقت كلما صمت شريف عن لص، وكلما باع مسؤول ضميره، وكلما تحوّل القانون إلى باب خلفي، وكلما ظن المواطن أن الخراب شأن الآخرين. ولم يكن أعظم اللصوص من حمل الذهب خارج القصر، بل من أقنع الناس أن الفقر قدر، وأن الفساد ضرورة، وأن الوطن لا يستطيع العيش من دون الذين ينهبونه».ثم أغلق دفتره، ونظر إلى النهر الذي شهد ولادة الحضارات، وقال:ـ يا دجلة، هل يعود الوطن كما كان؟..ظل النهر يجري، ولم يجبه.فالنهر لا يعيد ما ضاع، لكنه يعلّم الأرض أن الجفاف لا يدوم إلى الأبد.أما اللصوص، فقد ظلوا يتبادلون الاتهامات حتى غابت وجوههم عن ذاكرة الناس، وبقيت حكايتهم عبرةً تتناقلها الأجيال: أن الوطن الذي يسرقه أعداؤه قد يستعيد نفسه، أما الوطن الذي يسرقه أبناؤه باسم إنقاذه، فلا يسترد كرامته إلا حين يصبح القانون أقوى من اللص، والحقيقة أعلى من المنصب، والمواطن صاحب الحق الأول في ثروته ومستقبله.وهكذا انتهت حكاية مملكة اللصوص، وبقي السؤال معلقًا فوق دجلة والفرات: من سرق العراق؟ والأهم من ذلك كله، من سيمنع سرقته مرةً أخرى؟



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كرامة الشعوب أكبر من غرور المناصب .
- الإعلام العراقي بين اللقاءات المؤسسية واستحقاقات الإصلاح.
- إيران وأذرعها.. من يحاسب صانع الفوضى؟
- كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏
- الإعلام العراقي.. من يقود من؟
- انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
- المخدرات في العراق.. تجارة تقتل الإنسان وتختبر ضمير الدولة.
- الفنان العراقي.. وطنٌ يصفق له ولا يحميه.
- العراق المنهوب وإيران التي جنت ثمار الخراب.
- ما وراء الحرب: اليمن وصراع النفوذ في المنطقة .
- وطنٌ يحترق وحكّامٌ يتقاسمون الرماد .
- ذاكرة المسرح الديالي.. وجوهٌ قاومت انطفاء الخشبة .
- وطنٌ مختطف وسيادةٌ منكسرة: العراق في قبضة السلطة والسلاح.
- العراق لا يُنقذ بالاستجداء بل باستعادة الدولة.
- الجسد الذي تخشاه السلطة أكثر من الحقيقة.
- هل نحن ضحايا أم شركاء في صناعة الخيبة؟
- وزارة الدفاع وامتحان النزاهة.
- يا مهدي، ماذا تنتظر؟
- الحرب التي تتجاوز أصحابها.
- حروف حب ميت .


المزيد.....




- وفاة إريك باوزا مؤدي أصوات الرسوم المتحركة الشهير عن عمر ينا ...
- البرادعي يعلق على اجتماع مسؤولي -حلف مكة- في طهران
- افتتاح -البيت الروسي- في العاصمة الموزمبيقية مابوتو
- تدشين أكبر محطة للطاقة الشمسية في الجزائر
- الكرملين: جدول بوتين في قمة روسيا-إفريقيا بموسكو سيكون مكثفا ...
- البنتاغون يرد على زيلينسكي: لا تغيير في سياسة نقل الدول الأو ...
- مساعد الرئيس الروسي: بوتين يلتقي السيسي الأربعاء في موسكو
- لماذا يشعر البعض بالنعاس بعد شرب القهوة؟
- النائب هشام الحصري: مصر والسعودية صمام أمان الأمة العربية.. ...
- النائب مصطفى البهي: الأمن القومي المصري لا يتوقف عند الحدود. ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - ألف ليلة وليلة في مملكة اللصوص حكاية وطنٍ سرقه اللصوص، ثم اختلفوا على اقتسامه.