أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الوطن أولاً .














المزيد.....

الوطن أولاً .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 11:25
المحور: قضايا ثقافية
    


أختار الوطن، وأقولها بوضوح لا يحتاج إلى تأويل؛ لأن العقيدة، مهما اختلفت أشكالها وتعددت تفسيراتها، تسكن ضمير الإنسان، أما الوطن فيسكن حياته وذاكرته ومستقبل أبنائه. الوطن هو الأرض التي تجمع المؤمن وغير المؤمن، والمتفق والمختلف، وهو المساحة التي ينبغي أن تتسع للجميع دون أن يُجبر أحد على التخلي عن قناعته كي يثبت انتماءه. اختياري للوطن لا يعني إنكار العقيدة أو الانتقاص من مكانتها، بل يعني رفض تحويلها إلى جدار يفصل الإنسان عن أخيه، أو إلى راية تُرفع لتبرير الصراع والاستحواذ على السلطة. فالعقيدة شأن يخص إيمان الإنسان وضميره، أما الوطن فهو مسؤولية مشتركة، لا يملكه رجل دين، ولا يحتكره حزب، ولا تنفرد به طائفة أو جماعة. أختار الوطن لأنني أريد أرضاً يتساوى فيها الناس أمام القانون، لا أرضاً يُقاس فيها المواطن بمذهبه، ويُمنح فيها الحق على أساس انتمائه الديني أو الطائفي. وأختاره لأن الوطن هو الذي يحمينا جميعاً عندما يكون عادلاً، ولأن انهياره لا يستثني أحداً؛ فالنار التي تشتعل في بيت المختلف قد تصل غداً إلى بيت من أشعلها. أما الذين يقدمون العقيدة على الوطن بطريقة تجعل الولاء للجماعة فوق الولاء للبلاد، فعليهم أن يجيبوا عن سؤال جوهري: ماذا يبقى من العقيدة إذا تحولت إلى وسيلة لتمزيق المجتمع، وإهدار كرامة الإنسان، واستباحة حقوق الآخرين؟ إن الإيمان لا يحتاج إلى وطن ممزق كي يثبت حضوره، ولا يحتاج إلى مواطن خائف كي يبرهن على قوته؛ فالإيمان الذي يطمئن إلى نفسه لا يخشى الاختلاف، والوطن الذي يعرف قيمة أبنائه لا يطلب منهم التشابه في معتقداتهم. وقد يقول قائل إن العقيدة أسمى من الوطن لأنها تتصل بالمقدس، لكن هذا الرأي لا يحسم وحده مسألة تنظيم الحياة المشتركة؛ فالناس يختلفون في عقائدهم وتفسيراتهم، بينما يحتاجون جميعاً إلى الأمن والعدالة والعمل والتعليم والكرامة. ومن هنا تأتي أهمية الوطن بوصفه الإطار الذي يحفظ حقوق المختلفين، ويمنع أي جماعة من تحويل قناعاتها الخاصة إلى سلطة فوق المجتمع والقانون. وأنا، حين أختار الوطن، لا أطلب من أحد أن يتخلى عن إيمانه، ولا أزعم أن الانتماء الوطني بديل عن العقيدة؛ إنما أرفض أن تتحول العقيدة إلى حدود سياسية تفصل أبناء البلد الواحد، أو إلى مبرر يمنح بعضهم حقوقاً ويحرم الآخرين منها. أختار الوطن لأنني أريد أن أكون مواطناً كاملاً، لا تابعاً لهوية مفروضة؛ ولأن العراق، في نظري، ليس ملكاً لطائفة أو حزب أو عشيرة، بل حق مشترك لكل من ينتمي إليه ويحترم حقوق أبنائه. فالعراق لا يصبح أقوى عندما ينتصر مذهب على مذهب، بل عندما ينتصر القانون على المحاباة، والمواطنة على التعصب، والعدالة على الامتيازات. ولا قيمة لشعار وطني إذا كان صاحبه يظلم مواطناً بسبب عقيدته، كما لا قيمة لشعار ديني إذا استُخدم لتبرير الظلم أو سلب الحقوق. إن المعيار الحقيقي ليس ما يعلنه الإنسان من شعارات، بل ما يفعله حين تتعارض مصلحته مع حق الآخرين. لذلك فإن اختياري للوطن موقف من الانقسام، لا حرب على الإيمان؛ وانحياز إلى المواطنة، لا عداء للمعتقد؛ ودفاع عن دولة تتسع للجميع، لا دولة تُختزل في هوية واحدة. أختار الوطن، لأنني أريد وطناً يحمي حق الإنسان في الاعتقاد، لا عقيدة تُستخدم لانتزاع حقه في الوطن. وأؤمن أن العراق يستحق أن يكون بيتاً مشتركاً، لا ساحة صراع بين هويات تتنازع ملكيته. فالأرض التي تجمعنا أوسع من خلافاتنا، والحقوق التي تحفظ كرامتنا أعدل من امتيازات الجماعات، والمستقبل الذي نريده لأبنائنا يحتاج إلى دولة مواطنة لا تفرّق بين عراقي وآخر إلا بما يقرره القانون العادل. ولهذا، عندما أُسأل: العقيدة أم الوطن؟ فإن جوابي الصريح هو الوطن أولاً في شؤون المواطنة والسياسة والحقوق العامة؛ لا لأنني أطلب من الإنسان أن يتخلى عن إيمانه، بل لأنني أرفض أن يُطلب منه أن يتخلى عن وطنه أو أن يُقصى منه بسبب إيمانه. فالعقيدة حق الإنسان، والوطن حق الجميع، ولا يجوز أن يتحول الحق الأول إلى وسيلة لسلب الحق الثاني.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طهران في خيمة الحسابات الدولية.
- ألف ليلة وليلة في مملكة اللصوص حكاية وطنٍ سرقه اللصوص، ثم اخ ...
- كرامة الشعوب أكبر من غرور المناصب .
- الإعلام العراقي بين اللقاءات المؤسسية واستحقاقات الإصلاح.
- إيران وأذرعها.. من يحاسب صانع الفوضى؟
- كامبل بنرمان.. من حكاية المؤامرة إلى مأزق العرب. ‏
- الإعلام العراقي.. من يقود من؟
- انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
- المخدرات في العراق.. تجارة تقتل الإنسان وتختبر ضمير الدولة.
- الفنان العراقي.. وطنٌ يصفق له ولا يحميه.
- العراق المنهوب وإيران التي جنت ثمار الخراب.
- ما وراء الحرب: اليمن وصراع النفوذ في المنطقة .
- وطنٌ يحترق وحكّامٌ يتقاسمون الرماد .
- ذاكرة المسرح الديالي.. وجوهٌ قاومت انطفاء الخشبة .
- وطنٌ مختطف وسيادةٌ منكسرة: العراق في قبضة السلطة والسلاح.
- العراق لا يُنقذ بالاستجداء بل باستعادة الدولة.
- الجسد الذي تخشاه السلطة أكثر من الحقيقة.
- هل نحن ضحايا أم شركاء في صناعة الخيبة؟
- وزارة الدفاع وامتحان النزاهة.
- يا مهدي، ماذا تنتظر؟


المزيد.....




- الجيش الأمريكي يرد على مزاعم الحرس الثوري بمغادرة القوات الأ ...
- الانتخابات الإسرائيلية.. فرز أكثر من 50% من الأصوات.. ماذا ت ...
- أول تعليق من ترامب على -تقدم- نتنياهو في الانتخابات الإسرائي ...
- إسرائيل.. فرز 50% من الأصوات يظهر تقدم تحالف نتنياهو على الم ...
- الأمن الروسي: ضبط 363 قطعة سلاح وإغلاق 48 وكرا لتحويل بنادق ...
- محمد القسوس، ضحية هجوم على كنيسة في الكرك في الأردن يحمل اسم ...
- الناشط الفلسطيني محمود خليل يعود لجامعة كولومبيا للمرة الأول ...
- غارات نيالا.. عشرات القتلى والجرحى وسط تصاعد حرب المسيّرات
- الدبلوماسية السعودية واختبار التسوية بين واشنطن وطهران
- فيديو.. فلسطينيون يبتكرون أفرانا بديلة لمواجهة أزمة الغاز في ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الوطن أولاً .