أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - ثورة تشرين و الذاكرة العراقية: شباب واجهوا الرصاص و دولة لم تحسم سؤال المسؤولية – مقال رأي















المزيد.....

ثورة تشرين و الذاكرة العراقية: شباب واجهوا الرصاص و دولة لم تحسم سؤال المسؤولية – مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 16:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الخامس و العشرين من تشرين الأول 2026، يستعيد العراقيون الذكرى السابعة للموجة الثانية من احتجاجات تشرين التي انطلقت في الأول من الشهر نفسه عام 2019. سبع سنوات مرت على مشاهد الشباب الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بوطن يوفر لهم فرص العمل و الخدمات و الكرامة الإنسانية، فوجد كثير منهم أنفسهم أمام الرصاص و القنابل المسيلة للدموع و الاعتقالات و التهديدات. لم تكن تلك الاحتجاجات مجرد حدث سياسي عابر، بل شكلت تحولاً مهماً في العلاقة بين جيل جديد من العراقيين و مؤسسات الدولة. و رغم مرور السنوات، ما زالت أسئلة المسؤولية عن قتل المتظاهرين و إصابتهم و اختطاف بعض الناشطين تفتقر إلى إجابات قضائية شاملة و معلنة.
لم يخرج شباب تشرين بحثاً عن امتيازات استثنائية، بل احتجاجاً على واقع اقتصادي و اجتماعي و سياسي عجز عن تلبية تطلعاتهم. كانت البطالة و ضعف الخدمات و الفساد و غياب تكافؤ الفرص من أبرز دوافع الاحتجاج. و لعل ما ميز تشرين هو الحضور الواسع لجيل نشأ بعد عام 2003، و لم يجد في النظام السياسي القائم ما يكفي من الاستجابة لطموحاته. كما شهدت ساحات الاحتجاج مشاركة نسائية لافتة، و حضوراً تطوعياً للأطباء و الطلبة و أصحاب المهن المختلفة، الأمر الذي منح الحركة أبعاداً اجتماعية تجاوزت المطالب الاقتصادية المباشرة.
لكن الاستجابة الأمنية للاحتجاجات تركت جرحاً عميقاً في الذاكرة العراقية. فقد وثقت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق و مفوضية حقوق الإنسان وفاة ما لا يقل عن 487 متظاهراً و إصابة 7715 آخرين خلال المدة من تشرين الأول 2019 إلى نيسان 2020، نتيجة أعمال عنف شملت استخدام القوة من عناصر أمنية و اعتداءات نُسبت إلى مسلحين مجهولي الهوية. و تختلف الحصائل الإجمالية باختلاف الجهات و الفترات المشمولة بالتوثيق لكنها تتفق على الحجم الكبير للخسائر البشرية، إذ وصلت الى اكثر من 700 وفاة و اكثر من 20 الف اصابة حسب احصائيات محلية.
تسكن خلف هذه الأرقام عائلات فقدت أبناءها، و شباباً يعيشون بإعاقات دائمة، و آخرين اضطروا إلى تغيير حياتهم بسبب التهديد أو الخوف. و ربما كان تعبير "الطرف الثالث" من أكثر المصطلحات إثارة للجدل خلال تلك الأحداث. فقد استُخدم للإشارة إلى جهات مسلحة غير محددة الهوية اتُهمت باستهداف المتظاهرين، خصوصاً في عمليات القنص و إطلاق النار و الاعتداء على ساحات الاحتجاج. و أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى حوادث ارتكبها مسلحون لم تُحدد هوياتهم بصورة قاطعة، من بينها إطلاق النار قرب مجمع النخيل في بغداد خلال الأيام الأولى من تشرين الأول. و لم تعلن السلطات معلومات علنية تحدد المسؤولين عن تلك الحادثة أو صلتهم بما سُمي آنذاك بالطرف الثالث.
غير أن المشكلة لا تتعلق بالمصطلح وحده، بل بما ترتب عليه من غموض استمر سنوات. فمن حق المجتمع أن يعرف من أصدر الأوامر، و من نفذها، و كيف تمكن مسلحون من استهداف المواطنين في مناطق تخضع لسلطة الدولة. و ينبغي هنا التمييز بين المسؤولية الجنائية الفردية التي تتطلب أدلة و أحكاماً قضائية، و المسؤولية المؤسسية عن حماية المواطنين و منع الانتهاكات و التحقيق فيها. فحتى عندما يكون الفاعل مجهولاً، لا تسقط مسؤولية المؤسسات المختصة عن إجراء تحقيق جدي و توفير الحماية للشهود و أسر الضحايا.
أما الموقف الحكومي، فقد شهد إعلان لجان تحقيقية و تعهدات متكررة بالمحاسبة و تعويض المتضررين. و لا يمكن إنكار حصول بعض الإجراءات القضائية و صرف تعويضات لعدد من الضحايا، لكن هذه الخطوات بقيت محدودة قياساً بحجم الانتهاكات. ففي تقرير أممي صدر عام 2022، أشير إلى صدور إدانات في أربع قضايا تتعلق بعنف ارتكبته عناصر مسلحة خلال فترة الرصد، مع استمرار ضعف النتائج المتعلقة بالمحاسبة. و في تشرين الأول 2025، ذكرت منظمة العفو الدولية أن ما لا يقل عن 2700 قضية جنائية قد سُجلت، بينما ظل عدد الذين وصلوا إلى المحاكمة محدوداً، و أُلغيت أحكام في بعض القضايا.
و مع اقتراب نهاية السنة السابعة، لا يبدو أن ملف تشرين قد حصل على الإغلاق القضائي و المجتمعي الذي تنتظره عائلات الضحايا. فقد جددت عائلات في النجف، خلال تشرين الأول الجاري، مطالباتها بكشف نتائج التحقيقات و محاسبة المسؤولين. و هذا يوضح أن مرور الزمن لا يعني بالضرورة انتهاء القضية، خصوصاً عندما تبقى الوقائع الأساسية موضع تساؤل و يغيب التفسير الرسمي المقنع عن كثير من الحوادث.
لقد تركت تشرين أيضاً أثراً سياسياً لا يمكن تجاهله. فقد ساهم ضغط الاحتجاجات في استقالة حكومة عادل عبد المهدي، و أعقبتها تغيرات سياسية و انتخابية. غير أن التغيير الحكومي لا يمثل بديلاً عن العدالة، كما أن تعويض عائلات الضحايا، على أهميته، لا يعوض ضرورة تحديد المسؤوليات. فالدولة التي تريد استعادة ثقة مواطنيها تحتاج إلى إثبات قدرتها على تطبيق القانون، بما في ذلك عندما تكون الاتهامات موجهة إلى أشخاص داخل مؤسساتها أو جهات تتمتع بنفوذ سياسي أو مسلح.
و تبقى الذاكرة العراقية أمام مسؤولية أخرى، تتمثل في الحفاظ على الرواية التاريخية بعيداً عن التوظيف الحزبي أو المبالغات أو محاولات النسيان. فليس كل من شارك في الاحتجاجات يحمل الموقف السياسي نفسه، و ليس من الإنصاف اختزال حركة اجتماعية واسعة في جهة أو مجموعة محددة. كما أن الاعتراف بالتجاوزات التي قد تقع في أي احتجاج لا يبرر استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين السلميين. إن توثيق الأحداث بصورة مهنية، و إتاحة الأدلة و نتائج التحقيقات، يمثلان ضرورة لحماية الحقيقة و منع تكرار المأساة.
برأيي المتواضع فإن الوفاء الحقيقي لشباب تشرين لا يتحقق بإحياء ذكراهم مرة كل عام، و لا بالاكتفاء بصورهم و الشعارات التي تستعيد تضحياتهم، بل بكشف الحقيقة و تحقيق العدالة و ضمان عدم تكرار ما حدث. و بعد سبع سنوات، لا يزال السؤال قائماً: كيف يمكن بناء ثقة مستقرة بين المواطن و الدولة ما دامت المسؤولية عن سقوط مئات الشباب لم تُحسم بصورة قضائية شاملة؟ إن إغلاق هذا الملف لا ينبغي أن يعني نسيانه، بل الوصول إلى حقيقة موثقة و عدالة تعترف بحقوق الضحايا و تحمي حق الأجيال القادمة في الاحتجاج السلمي.ق الأجيال القادمة في الاحتجاج السلمي.



#عمار_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرأة و الحق في الأمان الرقمي: من الابتزاز الإلكتروني إلى ا ...
- المرأة في الشيخوخة: حقوق منسية بعد انتهاء أدوار الأمومة و ال ...
- حق المرأة في الوقت: الوجه المنسي للمساواة في الأسرة و سوق ال ...
- الثقافة الشفهية و فعالية الحكومة: حين تصبح المعلومة المنقولة ...
- سلاسل الفساد: حين يصبح تعاقب المسؤولين آلية للتستر لا للمحاس ...
- الدولة و حياد المؤسسات: من احترام الإيمان إلى حماية القرار ا ...
- الجامعات العراقية بين حرية الباحث الأكاديمية و سلطة المؤسسة ...
- صعود الدولار و ارتفاع الأسعار في العراق: بين الضغوط الخارجية ...
- قراءة في هشاشة الاقتصاد العراقي أمام الضغوط الداخلية و الاقل ...
- مؤشر مخاطر النزاهة البحثية في الجامعات العراقية: قراءة في ال ...
- الثقة المفقودة في المصارف العراقية: لماذا تبقى أموال المواطن ...
- حقوق المرأة و ملكية المال في العراق و مصر: من إرث الحضارة إل ...
- كيف تعيد المؤسسة إنتاج مشكلاتها؟ قراءة في ضعف مستويات الإدار ...
- العقوبات الأمريكية و مستقبل النظام في إيران: بين الإنهاك الا ...
- الجامعات العراقية و التصنيفات العالمية: هل نقيس الجودة أم نط ...
- من يفسد المسؤول؟ قراءة في دور الحاشية و شبكات المصالح داخل ا ...
- الخريجون و الوظيفة الحكومية: قراءة في انهيار القطاع الخاص و ...
- حذف الأصفار من الدينار العراقي: إصلاح نقدي أم تغيير شكلي؟ قر ...
- في ذكرى الوجع: المرأة و الطفل في الإبادة الإيزيدية بين ذاكرة ...
- جيل يبحث عن نافذة: التعليم العالي و تحولات العمل في زمن الاق ...


المزيد.....




- مصدر حكومي تركي: أنقرة تأمل باستئناف المفاوضات حول أوكرانيا ...
- الخارجية الروسية: تصريحات تحويل بحر البلطيق إلى -بحر داخلي ل ...
- موجات الحر تودي بحياة أكثر من 50 ألف شخص في أوروبا
- قبل يومين من الانتخابات.. نتنياهو يثير المخاوف من -محرقة نوو ...
- وزير الخارجية اللاتفي الأسبق يدعو ريغا لقيادة الحوار مع روسي ...
- كييف تستعد لاستقبال أقسى شتاء لها منذ 5 سنوات
- ترامب يصف النرويج بالدولة -الرديئة والقذرة- لعدم منحها إياه ...
- اليونان توافق على إبقاء -باتريوت- في السعودية وتعزز التعاون ...
- واشنطن تجدد الأوامر لموظفيها بمغادرة السعودية مع استئناف جزئ ...
- مصر تدفع بقافلة طحين ثالثة لحل أزمة مخابز غزة


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - ثورة تشرين و الذاكرة العراقية: شباب واجهوا الرصاص و دولة لم تحسم سؤال المسؤولية – مقال رأي