|
|
تَرْويقَة: قصيدتان+2/ بقلم جوسوَّيه كاردوتشي* ت: من الإيطالية أكد الجبوري
أكد الجبوري
الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 10:29
المحور:
الادب والفن
تَرْويقَة: قصيدتان+2/ بقلم جوسوَّيه كاردوتشي* ت: من الإيطالية أكد الجبوري اختيار واعداد إشبيليا الجبوري - ت: من الإيطالية أكد الجبوري
1. تساقط الثلوج
يتساقط ثلجٌ خفيفٌ عبر سماءٍ بلون الرماد.. لا أصواتَ تصعدُ من المدينة، لا صرخاتٍ بشرية،
لا نداءَ بائعِ البقالةِ ولا ضجيجَ عربتِه، ولا أغنيةً مرحةً عن فتوةِ العمرِ ونشوةِ الحب..
ومن البرجِ في الساحة، تئنُّ الساعاتُ المبحوحةُ، تتنهدُ وكأنها قادمةٌ من عالمٍ بعيدٍ للغاية..
أسرابٌ من الطيورِ ترتطمُ بالزجاجِ المضبب: أطيافُ أصدقاءَ عادوا، يطلّون من الخارج، وينادونني..
قريباً، يا أحبائي، قريباً -فاهدأْ أيها القلبُ الصامد- سأتلاشى في الصمت، وأستريحُ في الظلال.
2. طائر الرفراف ليس تحت ريشةٍ فولاذيةٍ تخدشُ الورقَ الأبيضَ الجافَّ، لتخطَّ عليه أفكاراً باهتةً في أخاديدَ قبيحةٍ؛
بل تحت شمسٍ ناضجة، ومع هباتِ النسيمِ التي تعبرُ مساحاتٍ مفتوحةً بجوارِ جدولٍ سريعِ الجريان،
تنبثقُ تنهداتُ القلبِ، لتتلاشى في اللانهاية، وتزهرُ زهرةُ اللحنِ العذبةُ المفعمةُ بالحنين.
هنا يتألقُ شهرُ مايو بعبيرِ الورودِ في الهواء، تلمعُ العيونُ الغائرة، بينما تغفو القلوبُ في الصدور؛
تغفو القلوب، لكنَّ الآذانَ سرعان ما تستيقظُ على نداءاتِ «لا جيوكوندا» المتنوعةِ الأنغام.
يا مذبحَ رباتِ الفنونِ، المكسوَ بالخضرةِ وقممٍ بيضاءَ تطلُّ على البحر! يقودُ «ألكمان» جوقةً طاهرةً:
«أريدُ أن أطيرَ معكنَّ، أيتها العذارى، أن أطيرَ في رقصةٍ، كما يطيرُ طائرُ الرفرافِ مقتفياً أثرَ طيورِ البحرِ الهادئة:
يطيرُ برفقتها فوق أمواجٍ تتناثرُ زبداً وسط العاصفة، طائرُ الرفراف، ذلك النذيرُ الأرجوانيُّ لقدومِ الربيع».
3. في المحطة
في المحطة ذات صباح خريفي.
آهٍ، تلك المصابيح.. كيف تطاردُ بعضَها بكسلٍ خلف الأشجار، تتثاءبُ بنورها عبر أغصانٍ تقطرُ ماءً، لتسقطَ أضواؤها على الوحل.
يُسمعُ فحيحُ قاطرةٍ بخاريةٍ قريبة، صوتٌ خافتٌ، دقيقٌ، وحادّ. سماءٌ بلون الرصاص، وصباحٌ خريفيّ، يُحيطان بنا كأننا في خيالٍ غامضٍ وموحش.
إلى أين يمضي هؤلاء الناس، وما وجهتُهم؟ بمعاطفهم وصمتهم، يهرعون نحو عرباتٍ داكنة.. إلى أيّ أحزانٍ لا يمكن توقّعها، أو أيّ آمالٍ بعيدةٍ تثيرُ في النفس ألمًا؟
حتى أنتِ، يا "ليديا" المستغرقة في شرودك، تُقدّمين للمحصّل تذكرتَكِ الممزقة، وتمنحين الزمنَ الضاغطَ سنواتِ عمركِ الجميلة، وذكرياتكِ ولحظاتِ فرحك.
وعلى طول القطار الأسود، يتحركُ العمالُ ملتحفين بالسواد كأنهم أشباح، يحملون فوانيسَ خافتةً ومطارقَ حديدية، وحين تُستخدم المكابحُ الحديدية،
يصدرُ عنها رنينٌ طويلٌ واهنٌ؛ فيترددُ في أعماق الروح صدىً من فتورٍ وشجن، كأنه ارتجافةٌ خفية.
ثم تُغلق الأبوابُ بقوةٍ تبدو كأنها اعتداءٌ غاشم، وتترددُ صيحةٌ خاطفةٌ كأنها وداعٌ أخير، بينما يقرعُ المطرُ بعنفٍ زجاجَ النوافذ الثقيل.
وها هو الوحشُ الحديديُّ -بجوهرِه المعدنيّ- ينفثُ الدخان، ويترنحُ، ويلهث، ويفتحُ عينيه المتوقّدتين؛ متحديًا السماء، ومطلقًا صفيرَه وسط الظلام.
ينطلقُ ذلك الوحشُ المريب، وبجذبةٍ عنيفةٍ -كأنه يخفقُ بجناحيه- يمضي مبتعدًا بحبيبتي. آه.. ذلك الوجهُ الأبيضُ كالألباستر، وذلك الوشاحُ الرقيق، يلوحان لي، ثم يغيبان في جوف الظلام.
يا وجهًا عذبًا بلون الورد الشاحب، يا عينين هادئتين تتلألآن كالنجوم، يا جبينًا أبيضَ كالثلج، تُحيط به خصلاتٌ كثيفةٌ من الشعر، تميلُ برفقٍ في إيماءةِ حبّ.
كان الهواءُ الدافئُ ينبضُ بالحياة؛ بل كان الصيفُ ينبضُ حين تقعُ عيناها عليّ، وكانت شمسُ حزيرانَ الفتيّةُ تحبُّ أن تغمرَ وجنتَها
بقبلاتٍ من ضياء، تتسللُ عبر خصلاتِ شعرها الكستنائيّ؛ كأنها هالةٌ أكثرَ سطوعًا من الشمس، بينما تُحيط أحلامي بكيانها الرقيق…
تحت المطر، أعود عبر الضباب؛ وأكاد أضيع في ثناياه. أترنح كسكير، وألمس جسدي لأرى إن كنتُ أنا أيضاً قد صرتُ شبحاً.
آه، كيف تتساقط الأوراق - باردةً، بلا انقطاع، صامتةً، وثقيلةً - على روحي. أعلم أنه في كل مكانٍ في هذا العالم، وفي عزلةٍ أبدية، يحلُّ شهر نوفمبر.
طوبى لمن فقد الإحساس بالحياة، طوبى لهذا الظل، وهذا الضباب: أريد - آه، كم أريد - أن أستلقي في حالةٍ من السكون الكئيب الذي سيدوم إلى الأبد.
4. الموت
خلال الوباء الخنّاق
حين يهبط ذلك "الوباء" (الآلهيّ/المؤلهّ) الصارم على بيوتنا، يُسمع دويُّ تحليقه القادم من بعيد،
ويتقدم ظلُّ جناحه الجليدي، ببرودٍ جليديٍّ، ناشراً صمتاً كئيباً في كل مكان.
وحين يحلُّ، يُطأطئ الرجال رؤوسهم، أما النساء فيغرقن في لوعةٍ وأسى.
تماماً كما تفعل قمم الأشجار حين تهبُّ رياح يوليو، إذ تتوقف عن التمايل فوق التلال الخضراء:
تظل الأشجار ساكنةً تماماً، ولا يُسمع سوى الأنين الأجشُّ للجدول الجاري.
تدخل، وتمرُّ، وتلمس، فتُسقط -دون حتى أن تلتفت- تلك الغراسَ الفتيةَ التي كانت تزهو بأغصانها الغضة؛
تحصد القمح الذهبي، وتجرد الكروم من عناقيدها المتدلية، وتخطف الزوجات الصالحات والفتيات البريئات،
والأطفال الصغار أيضاً: وسط أجنحتها السوداء، يمدُّ هؤلاء الصغار -بوجوههم الوردية- أذرعهم نحو الشمس، نحو ألعابهم، ويبتسمون.
يا للبيوت الحزينة، حيث تطفئين -أيتها الآلهة الصامتة الشاحبة- حياة الصغار أمام أعين آبائهم.
في تلك البيوت، لم تعد الغرف تعجُّ بالضحكات والمرح، أو بالهمسات التي تشبه أصوات الطيور في أعشاشها خلال شهر مايو:
لم يعد فيها صدىً لتربيةٍ مفعمةٍ بالفرح، ولا لآلام الحب، ولا لرقصات الأعراس:
فيها يشيخ الناجون الذين غشيهم الظلُّ؛ وتظل آذانهم مُرهفةً ترقب دويَّ عودتكِ، أيتها الآلهة. … … … يتبع مختارات جوسوَّيه كاردوتشي الشعرية. ————— * جوسوَّيه كارلوتشي /أو/ البعض من يلفظه بـ"جوزويه كاردوتشي" (1835-1907)() شاعراً إيطالياً. حائزاً على جائزة نوبل في الأدب عام 1906()، وأي أنه يُعد حصوله على جائزة نوبل في الأدب، ليكون بذلك من أوائل الحاصلين عليها.() إذ يتمتعُ بأسلوب بلاغيّ فخم، إلا أن شعره الرومانسي. غالباً. ما يكون بديعاً. غير آنه يُعدّ واحداً من أكثر الشخصيات الأدبية تأثيراً في عصره. بل يتميز شعره بطابع كلاسيكي جديد يستلهم الكثير من التاريخ والثقافة الرومانية، وهو ما جعله يقف على النقيض من الحركة الرومانسية التي سادت في عصره. إن شئتم.
نشأ كاردوتشي -وهو ابن طبيب ريفي ذي توجهات جمهورية- في منطقة "ماريمّا" البرية جنوب توسكانا.() درس في جامعة بيزا، وفي عام 1860 أصبح أستاذاً للأدب الإيطالي في مدينة بولونيا، حيث درّس لأكثر من 40 عاماً.() وفي عام 1890()، عُيّن عضواً مدى الحياة في مجلس الشيوخ، وكان يحظى بتقدير كبير لدى الإيطاليين باعتباره شاعراً وطنياً. إذ آمن كاردوتشي إيماناً راسخاً بأن الشعر -أو على الأقل شعره هو- ينبغي أن يكون أداةً فعالةً في "الصحوة الكبرى" -سياسياً ودينياً وأدبياً- التي كانت تشهدها إيطاليا ضد سلطة البابوية والمحتلين الأجانب.
في شبابه، كان كاردوتشي محوراً لمجموعة من الشباب العازمين على الإطاحة بالنزعة الرومانسية السائدة والعودة إلى النماذج الكلاسيكية. وقد تأثر بشكل خاص بكل من الكاتب والشاعر الإيطالي جوزيبي باريني (1729-1799)()، والكاتب والشاعر الإيطالي الكلاسيكي الجديد فينتشنزو مونتي (1754-1828)() و الكاتب والثوري والشاعر الإيطالي نيكولو أوغو فوسكولو (1778-1827)()؛ ويظهر هذا التأثير جلياً في دواوينه الشعرية الأولى (مثل ("القوافي/السَجْعُ” 1857)()، التي جُمعت لاحقاً في ("أعمال الشباب". 1880)()، و("قصائد خفيفة وجادة”. 1868)(). وقد تجلّت قدرته الشعرية الفائقة، إلى جانب قناعاته الجمهورية ومناهضته لسطوة رجال الدين، في قصيدته ("نشيد إلى الشيطان". 1863)()، وفي ديوانه ("جيامبي وإيبودس"، 1867-1869)()، الذي استلهم موضوعاته بشكل رئيسي من السياسة المعاصرة؛ حيث تعكس لغته الحادة والعنيفة شخصيته القوية والمتمردة.
يضمّ ديوانا ("قصائد جديدة". 1887)() و("قصائد بربرية". 1877)() أفضل ما أبدعه كاردوتشي؛ إذ يستحضر فيها طبيعة منطقة "ماريمّا" وذكريات الطفولة، ويعبّر عن حزنه العميق لفقدان ابنه الوحيد، ويصوّر أحداثاً تاريخية كبرى، كما يسعى -بطموحٍ واضح- إلى استحضار أمجاد التاريخ الروماني وبهجة الحضارة الكلاسيكية الوثنية. قاد شغف كاردوتشي بالفنون الكلاسيكية إلى تطويع العروض اللاتيني ليناسب الشعر الإيطالي؛ فجاءت مجموعته ("قصائد بربرية". 1877)() مكتوبةً بأوزانٍ تحاكي أوزان الشاعرين الرومانيين هوراس (65 ق.م - 8 ق.م)() وفيرجيل (70 ق.م - 19 ق.م)(). وقد أضفى كاردوتشي على أبحاثه في الأدب الإيطالي لمسةً من خياله الشعري وأسلوبه الأدبي المتميز، حتى باتت أفضل أعماله النثرية تضاهي في جودتها قصائده الشعرية. النشر الأول: 1857-1899()؛ بما في ذلك: - ("قوافي". 1857)(). و - ("خفيف ثقيل". 1818)(). و - ("قصائد بربرية"، 1877)()؛ و -("قصائد بربرية جديدة"، 1882)(). و - ("قصائد بربرية ثالثة"، 1889)(). و - ("أغانٍ وإيقاعات"، 1899)() (نُقحت كلمات وإيقاعات، 1942)().
جوسوَّيه كاردوتشي شاعراً وكاتباً وأكاديمياً إيطالياً بارزاً، حظي في حياته بمكانة مرموقة كشخصية وطنية، وحصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1906.() يتميز شعره بطابع كلاسيكي جديد يستلهم الكثير من التاريخ والثقافة الرومانية، وهو ما جعله يقف على النقيض من الحركة الرومانسية التي سادت في عصره. تبنى كاردوتشي في بداياته أفكاراً جمهورية تزامنت مع فترة توحيد إيطاليا، لكنه تحول لاحقاً نحو تأييد الملكية، مما يعكس تعقيد مواقفه السياسية طوال مسيرته المهنية. وغالباً ما تتناول أعماله البارزة قضايا تتعلق بالحيوية السياسية، وتنتقد نفوذ الكنيسة الكاثوليكية؛ ويتجلى ذلك بوضوح في قصيدته المثيرة للجدل ("نشيد إلى الشيطان". 1863)()، التي يُعيد فيها تقديم الشيطان كرمز للتقدم والنزعة الإنسانية. وعلى الرغم من الأهمية التاريخية لشعره، إلا أن أسلوبه المفعم بالفخامة والمبالغة، وتركيزه أحياناً على أماكن وأحداث بعينها، جعلا قاعدة قرائه اليوم محدودة. ومع ذلك، فقد قدّم كاردوتشي مجموعة متنوعة من القصائد التي تجمع بين السمات الكلاسيكية الجديدة والرومانسية، وتتناول موضوعات كالحب والطبيعة والفقد الشخصي. ونظراً لصعوبات الترجمة، قد لا يجد صوته الفريد صدىً كاملاً لدى القراء الناطقين بالعربية، لكن إسهاماته في الأدب الإيطالي تظل ركيزة أساسية تستحق الاستكشاف.
نادراً ما حظي شاعر في العصر الحديث بمثل الإعجاب والتبجيل الذي أولاه الإيطاليون لجوسوَّيه كاردوتشي خلال حياته؛ فقد كان يُنظر إليه كنبيٍّ وطني، وبمثابة شاعرٍ رسميٍّ -وإن كان غير معيّنٍ بصفةٍ رسمية- لإيطاليا، حتى غدا أشبه بمؤسسةٍ وطنيةٍ إيطالية. وإلى جانب مسيرته كشاعرٍ وكاتبٍ مقالات، حقق كاردوتشي نجاحاً باهراً في المجال الأكاديمي؛ إذ عمل أستاذاً للأدب في جامعة بولونيا لأكثر من أربعين عاماً()، رغم تعرضه للانتقاد والسخرية من قِبل بعض الفئات في عصره. إلا آنه ثبت تحديه. بالمواجهه الفكرية والمراجعة العلمية. حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1906.()
طوال معظم مسيرته المهنية -وقبل تحوله إلى تأييد الملكية- كان كاردوتشي شخصيةً متمردةً على السائد، ومناصراً للنظام الجمهوري؛ حيث دعم كلاً من الجنرال والثوري الجمهوري جوزيبي غاريبالدي (1807-1882)()، والسياسي والمحامي والصحفي والفيلسوف والناشط السياسي جوزيبي مازيني (1805-1872)() خلال حروب توحيد إيطاليا. وكشاعر، عُرف بمناهضته الصريحة للرومانسية ولنفوذ الكنيسة، وهي مواقف ساهمت في تعزيز شعبيته في إيطاليا. وتكمن أهميته في تاريخ الأدب الإيطالي في غزارة وجودة شعره الكلاسيكي الجديد، المفعم بالإشارات إلى أمجاد روما القديمة وما يصاحب ذلك من مفرداتٍ ملائمة. فعندما بدأ مسيرته في منتصف القرن التاسع عشر، كانت الرومانسية في أوج ازدهارها، لكنها كانت في الوقت ذاته تدخل مرحلةً من الانحطاط.() وقد قدّم كاردوتشي من خلال شعره الكلاسيكي الجديد نهجاً مغايراً؛ نهجاً يتناول القضايا السياسية ويدعو إلى استنهاض الهمم لدى الإيطاليين المنخرطين في حركة التوحيد، مؤكداً على عظمة روما في مواجهة الهيمنة الثيوقراطية للكنيسة الكاثوليكية كما كانت في إيطاليا خلال العصور الوسطى().
آمن كاردوتشي إيماناً راسخاً بأن الشعر -أو على الأقل شعره هو- ينبغي أن يكون أداةً فعالةً في "الصحوة الكبرى"() -سياسياً ودينياً وأدبياً- التي كانت تشهدها إيطاليا ضد سلطة البابوية والمحتلين الأجانب. وكان على قناعةٍ تامةٍ بأن قصائده الكلاسيكية الجديدة، وما تحويه من مفرداتٍ وإشاراتٍ تاريخية، ستعيد إحياء الشعر الإيطالي وتضعه مجدداً على المسار الصحيح الذي أرسته جذوره الرومانية الكلاسيكية.() غير أن التاريخ الأدبي أثبت أن رؤيته تلك كانت في غير محلها. تتميز قصائده الكلاسيكية الجديدة بالرزانة والانضباط والطابع الفكري. غير أن معظم نتاجه الشعري يغلب عليه الطابع المناسباتي، أو الجدلي، أو الوعظي، أو الارتباط بأماكن وشخصيات وأحداث ولّت؛ وهي عوامل تفسر تراجع إقبال القراء على شعره في عصرنا الحالي. ورغم أن الكثير من القراء ينفرون من أسلوبه الخطابي المتكلف، إلا أن قصائده ذات النزعة الرومانسية تبدو في كثير من الأحيان بديعة للغاية.
واصل كاردوتشي الكتابة بروح الحركة الكلاسيكية الجديدة التي أرسى دعائمها المؤرخ الفني وعالم الآثار الألماني يوهان يواخيم فينكلمان (1717-1768)() من خلال مؤلفه الرائد "تأملات حول محاكاة الأعمال اليونانية في الرسم والنحت" (1755)(). وقد وضع فينكلمان هذا العمل بعد أن اكتشف -خلال عمله أميناً لمكتبة في روما- ما ظن أنها أعمال فنية يونانية. أما كاردوتشي، فقد اتخذ من روما القديمة -لا اليونان- نموذجاً له. وبالنسبة للقارئ المعاصر، تبدو قصائده الكلاسيكية الجديدة ذات نبرةٍ جهوريةٍ مبالغٍ فيها، وتفتقر -إذا ما قارناها بنمطٍ فنيٍّ آخر من الحقبة ذاتها- إلى الرقة والسحر اللذين يتسم بهما النحت ذو الطابع اليوناني لدى مواطنه أنطونيو كانوفا (1757-1822)()، النحات والمعماري الشهير بمنحوتاته الرخامية. ومع ذلك، تفوق كاردوتشي على معاصريه، وكان -في ظل غياب شعراء بارزين آخرين- الشاعر الإيطالي الأبرز في القرن التاسع عشر. فقد جاء امتداداً لأسلافه العظام، أمثال الكاتب والثوري والشاعر نيكولو أوغو فوسكولو (1778-1827)() والشاعر والفيلسوف والكاتب اللغوي جاكومو ليوباردي (1798-1837)()؛ كما مهد الطريق لمن جاؤوا بعده، مثل الشاعر والعالم الكلاسيكي جيوفاني باسكولي (1855-1912) ()-الذي يُعد رمزاً من رموز الأدب الإيطالي- والشاعر والكاتب المسرحي والخطيب والصحفي والضابط في الجيش الملكي الإيطالي غابرييلي دانونزيو (1863-1938)().
تُعد قصيدة ("نشيد إلى الشيطان". 1857)() ثاني عملٍ منشور لكاردوتشي، ولا تزال تحظى بشهرة واسعة حتى يومنا هذا. لقد أثارت القصيدة صدمة في إيطاليا، وواجهت اتهامات بالتجديف من قِبل خصمه اللدود، الكنيسة الكاثوليكية. وكما فعل الشاعر والكاتب المسرحي والروائي والعالم ورجل الدولة والمخرج المسرحي والناقد الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته (1749-1832)() قبل نصف قرن في عمله ("فاوست: شظية". 1790)()، ينسب كاردوتشي إلى الملاك الرابع الساقط -الذي يمثل رمزاً للثورة- قوةً إبداعية وبنّاءة. وهو في ذلك يستحضر "الشيطان" تماماً كما استُحضرت "ربات الفنون" (الميوزات) في أعمال أدبية أخرى؛ لا سيما في قصائده الغنائية والقصائد الكلاسيكية التي تمزج بين التراث الهيليني (اليوناني القديم)() وعناصر الطبيعة والنغم الموسيقي (ويتجلى ذلك في أبياته الشهيرة التي يصف فيها "مذبح ربات الفنون، الأخضر والمتوج بالبياض فوق سطح البحر" في قصيدة كُتبت في فيرونا في يونيو 1883)().
وفي هذا النشيد، يرى كاردوتشي أن المسيحية في حالة احتضار، وأنها تقود العالم نحو الدمار؛ لذا فإنه يستدعي الوثنية كوسيلة لتحرير العقل البشري. ويُصوَّر الشيطان في القصيدة بوصفه روح الوثنية، تلك الروح التي ألهمت فنون النحت والرسم والأدب في العصور الكلاسيكية القديمة. وهكذا، يتحول الشيطان في نظر كاردوتشي من خصمٍ للبشرية إلى حليفٍ لها وللنزعة الإنسانية، ليصبح رمزاً للتقدم، والفكر، ومناهضة سلطة رجال الدين، ومصدراً لتأثيرٍ إيجابي على الفكر الكلاسيكي.
وعندما كان كاردوتشي يتحرر من التقيّد الصارم بالمواقع والنماذج الرومانية، أو استخدام المفردات المعقدة، أو توجيه الانتقادات اللاذعة لشعراء الرومانسية الآخرين، كان يبدع شعراً من الطراز الأول؛ ومن المفارقات أن معظم هذه الأعمال تدور حول الحب الرومانسي والطبيعة. ومن بين هذه القصائد: ("أغنية الحب". 1878)() -التي تنتهي، على نحوٍ متناقض، بإبداء تعاطفٍ صادق تجاه البابا-، وقصيدة ("السونيتة". 1871)() -التي تُعد تكريماً لهذا القالب الشعري الذي ابتكره شاعر إيطالي في القرن الثالث عشر-، وقصيدة( "عبور أراضي توسكانا المستنقعية". 1885)() - وهي قصيدة احتفائية قوية تشيد بأهل تلك المنطقة التي نشأ فيها كاردوتشي. ومن بين أعماله الأخرى: قصيدتا ("ربيع كلاسيكي" (1873()) و"خريف رومانسي". 1887)()، اللتان تبرزان الطبيعة الجدلية لكاردوتشي كشاعر؛ وقصيدة ("رثاء قديم". 1887)()، وهي قصيدة تأملية حزينة عن الطبيعة، يرثي فيها فقدان ابنه الأصغر؛ وقصيدة ("القديس مارتن". 1887)()، التي تتميز بوقع موسيقي عذب في لغتها الإيطالية الأصلية؛ وقصيدة ("الكلاسيكية والرومانسية" 1867)()، التي تشيد بالجهد المبذول في صياغة القصائد ذات الطابع الكلاسيكي الجديد، بينما تهاجم بشراسة الشعر الرومانسي؛ وقصيدة (“وداع". 1887)()، وهي قصيدة يدافع فيها الشاعر عن نفسه دون مبالغة أو تكلف؛ وقصيدة ("احتفاء بتأسيس روما". 1877)()، وهي نموذج سلس من شعره المستوحى من مدينة روما؛ وقصيدة ("تلال توسكانا". 1887)()، وهي مثال بارع على الشعر المناسباتي، حيث كُتبت بمناسبة زفاف إحدى بنات كاردوتشي؛ وقصيدة ("ظهيرة في جبال الألب". 1899)، وهي قصيدة بديعة عن الطبيعة، تدور أحداثها في أحد المشاهد الطبيعية القليلة التي تقع خارج منطقة وسط إيطاليا، مسقط رأس الشاعر.
وهناك قصيدة أخرى بعنوان ("في المحطة ذات صباح خريفي". 1877)()، تتسم ببنية مقطعية كلاسيكية ومحتوى ينتمي إلى الحداثة المبكرة. وهي قصيدة رثاء تصف رحيل إحدى عشيقات كاردوتشي من محطة القطار في بولونيا؛ وتُعد هذه واحدة من أوائل المرات التي يظهر فيها القطار -مصوراً كوحشٍ حديث- في عمل شعري. وتزخر القصيدة ببراعة في استخدام المحاكاة الصوتية، حيث تنقل أصوات عمال السكك الحديدية وهم يطرقون صناديق المحاور الساخنة، ويختمون التذاكر، ويغلقون أبواب عربات القطار.
من أعماله الأدبية؛ - ("القوافي"، 1857)(). و - ("ليفيا غرافيا"، 1868)(). و - ("مختارات شعرية". 1871)(). و - ("هيلينيك سبرينغز"، 1872)(). و - ("قصائد جديدة"، 1873)(). و - ("قصائد بربرية"، 1877)(). و - ("الأحداث"، 1880)(). و - ("ليفيا غرافيا"، 1881)(). - ("يامبز وإيبودز"، 1882)(). و - ("قصائد بربرية جديدة"، 1882)(). و - ("القوافي الجديدة"، 1887)(). و - ("القصائد البربرية الثالثة"، 1889)(). و - ("من القصائد البربرية. الكتب الثانية، مرتبة ومصححة، 1893)(). و - ("القوافي والإيقاعات"، 1899)(). و - ("قصائد. إم دي سي سي سي إل-إم سي إم، 1901)(). (مختارات شاملة أو طبعة مجمعة)
تتبع المجموعات الترتيب التالي: أعمال مبكرة، في ستة كتب، (1850-1860)(). - ("ليفيا غرافيا"، في كتابين، 1861-1871).(). و - ("نشيد إلى الشيطان"، 1863)(). و - ("أبيات شعرية وألحان، في كتابين، 1867-1879)(). و - ("فاصل موسيقي"، (1874-1887)(). و - ("قصائد جديدة"، في تسعة كتب، 1861-1887)(). و - ("أداء للبربري"، في كتابين، 1873-1889)(). و - ("قوافي وإيقاعات"، 1889-1898)(). و 0 ( "على أغنية ليغنانو"، الجزء الأول، 1879)(). ….. إلخ.
- توفي في 16 فبراير 1907، في بولونيا، إيطاليا.() ـــــــــــــــــــ Copyright © akka2026 المكان والتاريخ: طوكيـو ـ 10/25/26 ـ الغرض: التواصل والتنمية الثقافية ـ العينة المستهدفة: القارئ بالعربية (المترجمة).
#أكد_الجبوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إِضَاءَةّ؛ الأدب و أرتعاب السلطة/ إشبيليا الجبوري - ت: من ال
...
-
تَرْجَمَةّ: نشيدٌ إلى الشيطان/ بقلم جوسوَّيه كاردوتشي ت: من
...
-
تَرْويقَة: قصائد/ بقلم كريستينا كامبو* - ت: من الإيطالية أكد
...
-
مراجعة كتاب: أبحاث في الاستخدام الأدبي للغة/ بقلم ميرلو-بونت
...
-
فرنسا: شرعية الاحتجاجات دون طموح في الحكم/ الغزالي الجبوري -
...
-
تَرْويقَة قصيدتان/ بقلم ديليا دومينغيز مور* - ت: من الإسباني
...
-
مَسْرَح: يوجين أونيل في جوف المسرح/إشبيليا الجبوري - ت: من ا
...
-
لن يمر تشرين دون أحدٌ منا/ إشبيليا الجبوري - ت: من الفرنسية
...
-
تَرْويقَة: قصيدتان/ بقلم كارلو إميليو غادَّا* - ت: من الإيطا
...
-
السويد: صراع في تشكيل الحكومة المقبلة/الغزالي الجبوري - ت: م
...
-
سينما: مُثل السينما الاخلاقية؛ فيلم -الكرة السوداء- / إشبيلي
...
-
إِضَاءَةّ؛ غموض العلاقة بين دالي وبيكاسو/إشبيليا الجبوري - ت
...
-
رْويقَة: قصيدتان+ 2/ بقلم سلفاذور بوتشن تينش* - ت: من الإسبا
...
-
إِضَاءَةّ؛ ميشيل فوكو بين عدمية المصدر ومأزق دلالة التأويل /
...
-
تَرْويقَة: قصيدتان+ 2/ بقلم إيف بونفوا* - ت: من الفرنسية أكد
...
-
الأوبرا - إِضَاءَةّ؛ فينتشينزو بيليني (3-3)/إشبيليا الجبوري
...
-
العراق: هل يتعلم الشعب من تجارب الاخرين (فرنسا)؟/الغزالي الج
...
-
مختارات آن كارسون الشعرية* - ت: من الإنجليزية أكد الجبوري
-
تَرْويقَة: أتسمع ذلك؟/بقلم آن كارسون* - ت: من الإنجليزية أكد
...
-
إضاءة: هايدغر بين مأزق الوجود و آنقذاف اللغة/ إشبيليا الجبور
...
المزيد.....
-
ياسمين صبري -أرملة ثرية تبحث عن شريك- في فيلم -نصيب-
-
همام إبراهيم يعزز صدارته للمشاركات العراقية في مهرجان الموسي
...
-
أ. د. سناء الشعلان ضيفة على معرض الشّارقة الدّوليّ للكتاب لل
...
-
وفاة الممثلة سوزان سانت جيمس بطلة مسلسل -McMillan & Wife- عن
...
-
دور حاسم: التمثيل العربي يتحول إلى بيضة القبان في انتخابات ا
...
-
روسيا وكوريا الشمالية تبحثان إنتاج أفلام مشتركة وتصوير أعمال
...
-
خمسة عروض مسرحية تتنافس على جوائز الدورة الخامسة لمهرجان الب
...
-
ألبوم -A LA FRANCAISE-: روائع الأغنية الفرنسية بصوت هبة طوجي
...
-
مصر.. قرار قضائي يلزم جهة حكومية بتعويض كبير بعد خطأ فادح
-
عرض سينمائي ليلي واحد لوداع «تشيكن شوب ديت
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|